عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    31-Dec-2025

في المتغير والثابت أميركيا*سائد كراجة

 الغد

ما يجري اليوم في الولايات المتحدة تجاه إسرائيل لا يمثّل انقلابًا سياسيًا، بل يعكس تراجعًا عن قدسية دعمها وكسرًا للتابو الذي أحاط طويلًا بمناقشة العلاقة معها. فهذا التحالف، الذي تشكّل منذ الحرب الباردة كأحد مرتكزات السياسة الأميركية، لم يتغيّر في جوهره حتى الآن، بقدر ما تغيّرت البيئة السياسية والإعلامية التي كانت تحميه من المساءلة، مع تسرّب هذا التغيّر تدريجيًا إلى المجال العام، ولا سيما بين الأجيال الشابة.
 
 
ضمن هذا الإطار، لا يرتبط هذا التحوّل بحدث واحد بعينه، بل بتآكل الادعاء الأخلاقي الذي رافق الحروب الأميركية والإسرائيلية خلال العقدين الأخيرين، من العراق وأفغانستان إلى غزة. فما كان يُقدَّم بوصفه دفاعًا أخلاقيًا أو “حروبًا ضرورية” بات يُنظر إليه اليوم، خصوصًا بين الأجيال الشابة، كخطاب تبريري أخفى كلفة بشرية وسياسية عالية، وكشف فجوة متزايدة بين القيم المعلنة في الخطاب السياسي الأميركي والممارسة الفعلية للدولة الأميركية في سياستها الخارجية.
وانعكاسًا لذلك، تُظهر استطلاعات الرأي الأميركية في المرحلة الراهنة تراجعًا واضحًا في دعم الفئات الشابة للنهج التقليدي تجاه إسرائيل، مقابل ازدياد التشكيك في منطق الدعم غير المشروط. هذا التحوّل لم يعد محصورًا في مستوى المزاج العام، بل بدأ يتحوّل تدريجيًا إلى وزن انتخابي يدخل حسابات الأحزاب وصنّاع القرار، ويعيد رسم خطوط الخريطة السياسية الأميركية بوصفه عامل ضغط لا يمكن تجاهله.
وبالتوازي مع ذلك، بات هذا التحوّل أكثر وضوحًا في الفضاء الإعلامي الأميركي الجديد. فقد وسّعت المنصّات الرقمية والبودكاستات هامش النقاش، وكسرت محرّمات قديمة حول إسرائيل والحروب الخارجية، كما ظهر في نقاشات يقودها مؤثرون ذوو جمهور واسع مثل جو روغان، وتاكر كارلسون، وكانديس أوينز، حيث أصبح التشكيك في كلفة الدعم غير المشروط جزءًا من الخطاب العام، من دون أن يترجم بعد إلى تغيير مباشر في السياسة.
أما الجامعات الأميركية، فهي المؤشّر الأبعد مدى على هذا التحوّل. فالاحتجاجات التي شهدتها منذ 2023 لم تكن تعبيرًا موسميًا أو انفعالًا عابرًا، بل كشفت عن وعي يتشكّل لدى جيل يرى أن قضية فلسطين ليست ملفًا خارجيًا مجردًا، بل قضية أخلاقية تتصل بالقيم المعلنة في الخطاب الأميركي، وبالحرية الأكاديمية وحق التعبير. ورغم تراجع حدّة الاحتجاجات، فإن هذا الوعي لم يتلاشَ، بل انتقل إلى بنية ثقافية وسياسية مرشّحة للظهور لاحقًا في أنماط التصويت والتمثيل.
وفي هذا السياق، تتقاطع هذه التحولات الاجتماعية والثقافية مع الاستراتيجية الأميركية المعلنة لعام 2025، التي تركّز على تقليص التشتّت وتوجيه الموارد نحو منافسة طويلة الأمد مع الصين. وضمن هذا المنطق، لم يعد الشرق الأوسط ساحة للحسم، بل مجالًا للإدارة بأقل كلفة ممكنة، من دون تخلٍّ عن إسرائيل، لكن مع ضبطٍ متزايد لكلفة دعمها سياسيًا وماليًا.
غير أن التحوّلات التي تشهدها الولايات المتحدة، رغم وضوحها اجتماعيًا وثقافيًا، لا تنعكس تلقائيًا في قرارات سياسية فعلية. فانتقالها إلى مستوى القرار يبقى مؤجّلًا ما دامت لم تتحوّل بعد إلى كتلة انتخابية واسعة لا تستطيع مؤسسات الحكم الأميركية تجاهلها. وعندما يترسّخ هذا المزاج داخل الحسابات الانتخابية، يصبح تغيّر السياسات ممكنًا بوصفه نتيجة تراكمية، لا استجابة فورية.
وخلاصة الأمر أن التحالفات الدولية، وخصوصًا مع الولايات المتحدة، ليست ثابتة ولا واقفة عند حال، بل مسارات تتغيّر بتغيّر المصالح والبيئات الداخلية، وإذا كانت العلاقة الأميركية مع إسرائيل نفسها تشهد اليوم تحوّلًا في شروطها وحدودها، فإن الاطمئنان العربي إلى أبدية التحالفات يمثّل فخًا سياسيًا واستراتيجيًا عالي الكلفة.
أما الرسالة الثانية فتتعلق بالشباب عربيًا. ففي مقابل التحوّل الغربي، يحمل الجيل العربي المشابه، الذي يمثّل قرابة 70 % من مجتمعات العالم العربي، مشاعر أكثر حدّة تجاه القضايا الكبرى، وخصوصًا فلسطين. غير أن التعامل مع هذا الجيل بوصفه كتلة يجب ضبطها، لا طاقة سياسية يمكن توظيفها، يراكم فجوة ثقة وبنية بينه وبين النظام العربي العام. هذه الفجوة، إن تُركت دون استيعاب سياسي وآمن، قد تتحوّل إلى خاصرة ضعف عالية الكلفة على استقرار الدول، لا لأن هذا الجيل متمرّد، بل لأن صوته أُقصي بدل أن يُستثمر.
جنابك.