عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    23-Feb-2026

معادلات لا يفهمها المتحاورون*جمال الكشكي

 الغد

تبدو منطقة الشرق الأوسط في لحظة فارقة بين زمنين، زمن مأزوم تتنازع فيه القوى الكبرى والإقليمية خرائط النفوذ، وزمن قادم قد ينزلق إلى عصف شامل إذا انكسرت التوازنات الهشة.
 
 
صحيح أن المشهد تحكمه التصريحات النارية، ولكن الأصح لأيضا تحكمه شبكة معقدة من الردع المتبادل، والتحالفات المتحركة، وحسابات الداخل في كل عاصمة.
تجري اتصالات غير مباشرة بين واشنطن وطهران بوساطات إقليمية، بينما يتواصل في الوقت ذاته تعزيز الوجود العسكري الأميركي في الممرات الحيوية من الخليج إلى شرق المتوسط. 
إن تاريخ العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران يشي بأن التفاوض غالبا ما يسير موازيا لسياسة العصا الغليظة، منذ الانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي عام 2018 في عهد دونالد ترامب الأول، وما تبعه من سياسة الضغط الأقصى، ثم محاولات إحياء التفاهم في عهود لاحقة.
في الداخل الأميركي، يخضع قرار الحرب لاعتبارات دستورية وسياسية معقدة داخل الكونجرس الأميركي، بينما تظل السلطة التنفيذية قادرة على التحرك العسكري في نطاقات محددة دون إعلان حرب رسمي. التلويح بمهل زمنية قصيرة لتوقيع اتفاق يعكس تكتيك تفاوض، غير أن تحويله إلى التزام علني يرفع سقف التوقعات، ويضيق هوامش التراجع.
في المقابل، تعتمد طهران على مزيج من المناورات البحرية، وتطوير القدرات الصاروخية، وتفعيل شبكة الحلفاء الإقليميين، في إطار ما تسميه إستراتيجية الردع الممتد. المناورات المشتركة مع موسكو تحمل رسالة سياسية بقدر ما هي تدريب عسكري، في سياق تقارب متزايد مع روسيا في ملفات عدة.
تؤدي إسرائيل دورا محوريا في دفع واشنطن نحو تشديد المواجهة مع إيران، انطلاقا من اعتبار البرنامج النووي والتمدد الإقليمي تهديدا وجوديا. تصريحات بنيامين نتنياهو تعكس رؤية أمنية تعتبر أن الحسم الوقائي أقل كلفة من انتظار اكتمال قدرات الخصم.
غير أن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية نفسها منقسمة تاريخيا بين دعاة الضربة الاستباقية ودعاة إدارة الصراع. تجربة الحروب السابقة من لبنان إلى غزة أظهرت أن التفوق العسكري لا يضمن تحقيق أهداف سياسية بعيدة المدى، وأن الجبهة الداخلية تبقى عاملا حاسما في أي مواجهة واسعة.
داخل الولايات المتحدة، ينقسم المحللون بين من يرى في الحرب المحتملة خطيئة إستراتيجية ستستنزف الموارد وتعيد إنتاج الفوضى، ومن يربط أي تصعيد بصراعات داخلية وصراعات نخب، على خلفية فضائح هزت الطبقة السياسية والمالية، ومنها قضية جيفري إبستين التي كشفت هشاشة صورة النخبة. آخرون يقرأون المشهد من زاوية الاستقطاب الحاد، حيث تتحول السياسة الخارجية أحيانا إلى امتداد لمعركة داخلية على الشرعية.
شعوب المنطقة تحمل ذاكرة قريبة لما عرف بفوضى التحولات بعد 2011، حين انهارت دول أو تآكلت مؤسساتها تحت ضغط صراعات داخلية وتدخلات خارجية.
إن فكرة تغيير الأنظمة بالقوة أثبتت كلفتها الإنسانية والاقتصادية، من نزوح واسع إلى انقسام مجتمعي عميق، لذلك يتنامى في الرأي العام الإقليمي ميل واضح إلى تجنب حرب شاملة، والبحث عن تسويات تدريجية تحفظ الاستقرار.
هذا الوعي الشعبي لا يلغي هشاشة الإقليم، لكنه يضع قيدا أخلاقيا وسياسيا على صناع القرار، فأي حرب واسعة لن تبقى محصورة بين دولتين،  إنما ستمتد إلى الممرات البحرية وأسواق الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية، ما يعني أن كلفتها ستكون عابرة للحدود.
المعادلة الراهنة تقوم على توازن رعب غير معلن، حيث يلوح كل طرف بأقصى أوراقه دون أن يرغب فعليا في الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة، غير أن كثافة التصريحات، وتضييق المهل، وارتفاع منسوب العمليات غير المباشرة، كلها عوامل تزيد احتمال الخطأ في الحساب.
الرهان الواقعي يكمن في تحويل لحظة الحافة إلى فرصة لإعادة تعريف الأمن الإقليمي، عبر تفاهمات تشمل البرنامج النووي، وأمن الممرات، وعدم التدخل، واحترام سيادة الدول، دون ذلك، ستظل المنطقة معلقة بين زمنين، أحدهما مثقل بالتجارب المريرة، والآخر مفتوح على احتمالات عاصفة.
في لحظة ما، قد يكتشف دعاة الحسم بالقوة أن الشعوب التي دفعت أثمان الفوضى لن تقبل بإعادة إنتاجها، وأن استقرار الإقليم ليس شعارا نظريا، إنما سيكون شرطا لبقاء الجميع، وتلك هي المعادلة الجديدة التي لا يعرفها المتحاربون، وأصحاب نظرية توسيع الحروب، رغم الخطر الماثل في الأفق.