الغد
نشرت مجلة «أيون» Aeon الرصينة مؤخرًا مقالًا لأستاذ الفلسفة النيجيري غابرييل أسوكوو Gabriel Asuquo بعنوان «الأيديولوجية الخاوية»، قدّم فيه نقدًا عميقًا لليبرالية بوصفها نموذجًا سياسيًا مستوردًا أخفق في الوفاء بوعوده في أفريقيا. ومع أن هذا المقال عُني بتفكيك التجربة الأفريقية في علاقتها بالديمقراطية والتنمية والسيادة، فإنه يفتح أيضًا أفقًا تحليليًا أوسع لتأمل حالات أخرى سلكت المسار نفسه بعد الاستعمار، وفي مقدمتها الحالة العربية. في الحالتين، تم تطبيق أطر فكرية ومؤسسية وافدة على مجتمعات ذات تاريخ وبنى اجتماعية مغايرة، بطريقة تدعو إلى إعادة تفكير نقدية في المآزق التي تواجهها الأمم التي تمر بهذه التجربة.
كما حدث في التجربة الأفريقية، دخل العالم العربي طور ما بعد الاستعمار وقد ورث مؤسسات الدولة، لكنه ورث معها أيضًا منظومة فكرية وسياسية جاهزة قُدِّمت بوصفها الطريق الحتمي إلى الحداثة. وجرى منذ أواسط القرن العشرين الترويج لليبرالية السياسية والاقتصادية باعتبارها الإطار الكوني للتقدّم، القادر على إنتاج الديمقراطية والتنمية وحقوق الإنسان، والدولة الحديثة. لكنّ الحصيلة العربية بعد عقود من التجريب القسري والمتفاوت في الليبرالية تكشف عن اختلال مشابه لما شهده السياق الأفريقي، ولو بأشكال تاريخية واجتماعية مختلفة.
على المستوى السياسي، كانت الديمقراطية الليبرالية حيث تم التجريب فيها في العالم العربي ممارسة شكلية بلا مضمون سيادي. وحيثما تُجرى انتخابات، يغلب أن يتم تفريغها من معناها، إما بهندسة النتائج سلفًا أو بتفريغ مفهوم تشارك السلطة من محتواه الحقيقي لصالح شبكات الولاء، والطائفية، والقبلية، أو تحالف السلطة مع رأس المال. وكما حدث في أفريقيا، ثمة «ديمقراطية» عربية جرى تحويلها إلى طقس إجرائي لا يعبّر عن الإرادة الشعبية، ولا يتيح تداولًا فعليًا للسلطة. والنتيجة هي تغريب المواطن عن السياسة، وتحوّل المشاركة العامة إلى فعل عديم الجدوى، يُستدعى عند الحاجة ويُقصى عند الخطر.
وفي الاقتصاد، دخلت الكثير من الدول العربية، خاصة منذ ثمانينيات القرن الماضي، في موجة من التحرير الاقتصادي النيوليبرالي، غالبًا تحت ضغط المؤسسات المالية الدولية. وقُدمت «السوق الحرة» و»الخصخصة» و»ترشيق الدولة» باعتبارها الوصفة الكاملة للنمو والكفاءة. لكن هذه التجربة أسفرت في كثير من الحالات عن تفكيك القطاعات الإنتاجية، وتوسيع الفجوة الطبقية، وتآكل الطبقة الوسطى، وتعميق التبعية للخارج. وكما في التجربة الأفريقية، لم تُنتج هذه السياسات تنميةً مستقلة بقدر ما أنتجت اقتصادات ريعية أو هشة، شديدة الارتباط برأس المال العالمي وتقلباته، وبقدرة محدودة على توليد فرص العمل أو تحقيق العدالة الاجتماعية.
وقد انعكست هذه الإخفاقات على مفهوم السيادة. لم تكن الليبرالية في العالم العربي في الغالب خيارًا سياديًا أنتجته الآليات الداخلية للمجتمعات بقدر ما كان منظومة مشروطة، مرتبطة بالمساعدات، والتحالفات الأمنية، والاندماج غير المتكافئ في النظام الدولي. وهكذا، أصبحت الدول «مستقلة» شكليًا، لكنها مقيّدة في سياساتها الاقتصادية، ومحدودة في حرية قرارها السياسي، ومحكومة باعتبارات خارجية لا تعبّر عن أولويات مجتمعاتها. وهو ما يذكّر بتحذير فرانز فانون من أن الاستقلال، حين يُفرَّغ من السيطرة على الموارد والمصير، يتحول إلى وهم قانوني بلا مضمون تحرري.
ولا تُقتصر الإشكالية في الحالة العربية على سوء التطبيق أو فساد النخب، بل تكمن، كما في الحالة الأفريقية، في عدم الانسجام البنيوي بين الليبرالية بوصفها فلسفة نشأت في سياق أوروبي محدد، وبين البنى الاجتماعية والثقافية العربية. الليبرالية تفترض وجود فرد مستقل، وتبني السياسة على تعاقد عقلاني بين ذوات منفصلة، بينما يقوم الاجتماع العربي –تاريخيًا- على شبكات انتماء مركبة: العائلة، والعشيرة، والطائفة، والجماعة المحلية، بالإضافة إلى مركزية القيم الجماعية والتضامنية. وعندما تُستورد الليبرالية من دون إعادة صياغة وفق المقتضيات الاجتماعية والتاريخية، فإنها لا تُنتج فردًا حرًا بقدر ما تُنتج فردًا معزولًا اجتماعيًا، وضعيفًا سياسيًا.
يظهر هذا التوتر بوضوح في مجال الحقوق. عندما يُفصل خطاب الحقوق الفردية عن العدالة الاجتماعية وعن البُعد الجماعي، فإنه يتحول إلى لغة قانونية مجردة لا تغيّر شروط الحياة الفعلية. وتبقى الحقوق، كما في كثير من السياقات العربية، حبرًا على ورق، بينما تستمر علاقات القوة والتهميش والإقصاء ثابتة لا تُمس. وبهذا تتشابه التجربتان، العربية والأفريقية، في إنتاج «مؤسسات بلا مضمون»، ودساتير ربما متقدمة نظريًا، لكنها عاجزة عمليًا عن إعادة توزيع السلطة والثروة.
مثلما اقترح أسوكوو بشأن إفريقيا، ثمة حاجة إلى تحرير الفكر السياسي العربي من الاستعمار المعرفي. ولا يعني ذلك بالضرورة رفضًا كليًا لليبرالية أو انغلاقًا ثقافيًا على الأفكار. لكنّ من الضروري تفكيك ادعائها الكونية، وإعادة فحص مفاهيمها في ضوء التاريخ العربي، والتجربة الاستعمارية، والبنى الاجتماعية المحلية. وكما دعا مفكرون أفارقة إلى استعادة تقاليدهم الفكرية والأخلاقية، يحتاج الفكر العربي إلى إعادة الاعتبار لمفاهيم العدالة، والشورى، والمصلحة العامة، والتكافل، بوصفها موارد فكرية متجذرة في الثقافة.
في السياق العربي، كما في الأفريقي، لا يتعلق السؤال المركزي بما إذا كنا سنختار الليبرالية أم نرفضها، ويتعلق أكثر بكيفية صياغة السياسة بحيث تعبّر عن مجتمعاتنا أكثر من النماذج المستعارة. ويتعلق بجدوى الترويج لأفكار لا تنبع من شروطنا التاريخية ولا تخدم حاجاتنا الواقعة، بدلًا من بذل جهد نقدي يرصد الخلل في تطبيق النماذج الجاهزة ويجد توليفات تراعي الخصوصية وتحل مشكلة الفروقات في هذه الشروط والحاجات. ومن دون ذلك، ستظل «الديمقراطية» العربية - حيث يُزعم بوجودها- شكلًا بلا مضمون، وتبعية بلا سيادة. وستظل التنمية وعدًا مؤجَّلًا لا يتحقق.