الغد
شون أوغرايدي* - (الإندبندنت) 2026/3/4
يغامر ترامب بخوض حرب غير شعبية على إيران أملاً في تعزيز صورته قبل الانتخابات. لكن العملية ترتد عليه سياسياً مع تراجع التأييد وتنامي الانتقادات داخل معسكره. وتهدد مغامرته العسكرية المتهورة بتوسيع رقعة الصراع، وبتدمير ما تبقى من فرصه السياسية، لتصبح عملية "الغضب الملحمي" أسوأ قرار في مسيرته.
نادراً ما يخلو الأمر من تغريدة. وفي حالة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، غالباً ما تكون هناك أكثر من واحدة. ولسوء حظه، فإن كل ما ينشر على الإنترنت يظل محفوظاً في الذاكرة الرقمية.
في كانون الثاني (يناير) 2012، سخر ترامب من سلفه آنذاك، الرئيس الأميركي باراك أوباما، مدعياً أنه فكر في مهاجمة إيران "من أجل الفوز بولاية رئاسية ثانية". ثم عاد لاحقاً ليكرر هذا الادعاء بشأن مغامرة عسكرية لم يكن يؤيدها في ذلك الوقت، فقال: "الآن، بعد أن تراجع التأييد الشعبي لأوباما بصورة حادة، ترقبوا أن يشن هجوماً على ليبيا أو إيران، إنه في حالة يأس".
كانت آخر تغريدة له في هذا السياق بمثابة تحذير لحزبه من الانسياق وراء ما اعتبرها خطوة انتهازية، وكتب: "لا تسمحوا لأوباما باستخدام ورقة إيران لإشعال حرب من أجل الفوز بالانتخابات، احذروا أيها ’الجمهوريون‘"!
خلال العقد الماضي، دأب دونالد ترامب على إعلان رفضه خوض حروب خارجية عبثية لا جدوى منها، أو السعي إلى "تغيير أنظمة"، أو إهدار الموارد الأميركية في التدخل في شؤون دول الأخرى. وقد شكل هذا الموقف ركيزة أساسية في عقيدة "أميركا أولاً". وبالنسبة لأنصار حركة "ماغا"، مثّل ترامب قطيعة حادة مع رؤساء أميركيين سابقين تورطوا في صراعات خارجية.
ولكن ماذا عن اللحظة الراهنة؟ اتضح أن أرقام استطلاعات الرأي المتعلقة بترامب هي التي تشهد الآن انخفاضاً حاداً. ومع اقتراب الانتخابات النصفية في تشرين الثاني (نوفمبر)، يسعى الآن إلى تنفيذ عملية عسكرية خارجية ناجحة أخرى ليظهر نفسه قوياً ويجعل أميركا تشعر بالقوة. وبعد نشوة نجاح القصف الجراحي لمنشآت إيران النووية الصيف الماضي، وكذلك الغارة الجريئة في كانون الثاني (يناير) على كاراكاس للقبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، سيشعر ترامب بانتصار أكثر إثارة وملحمية في إيران.
سيكون من شأن تغيير النظام في طهران أن يثأر لعقود من الإذلال التي تعرضت لها الولايات المتحدة على يد آيات الله في إيران، وأن يعيد تأكيد قوتها ونفوذها. فهل من وسيلة أنجع لصرف أنظار "وسائل الإعلام المزيفة" عن ملفات جيفري إبستين، وعن تعثر سياساته المتعلقة بالرسوم الجمركية، وعن أزمة غلاء المعيشة المستمرة في الولايات المتحدة؟
غير أن حرب ترامب على إيران لا تحظى بشعبية، حتى داخل دائرته المقربة. وقد لزم نائب الرئيس، جي دي فانس، الذي ينظر إليه بصفته صوتاً أكثر تعبيراً عن نبض حركة "ماغا" من ترامب نفسه، صمتاً لافتاً حيال هذه الحرب. كما غاب عن غرفة العمليات في "منتجع مارالاغو" حيث كان ترامب مجتمعاً مع وزير خارجيته، ماركو روبيو، ورئيسة موظفي البيت الأبيض سوزي وايلز -"فريقه المقرب".
لكن المؤثرين المحافظين في الولايات المتحدة لا يبدون مقتنعين بهذا المسار. وكانت تعليقات كورت ميلز المدير التنفيذي لمجلة "ذا أميركان كونسرفاتيف" عكست هذا المزاج بوضوح، إذ قارن بين خطاب دونالد ترامب في العام 2024 الذي ركز على "مناهضة العولمة ورفض النزعة الإمبريالية"، وممارساته الراهنة. قال ميلز: "يبدو الأمر الآن واضحاً للغاية، فالإدارة تخدم الأثرياء وتخوض حروباً نيابة عن دول أخرى. إنها تتبنى بصورة صارمة خطاب "الديمقراطيين" عن الأوليغارشية، من المثير للدهشة أنهم لا يعارضون هذا الأمر بصورة أكبر. يبدو هذا الموقف كأنه مقدم على طبق من فضة، إنها حرب غير شعبية بنسبة اثنين إلى واحد، وترتبط على نحو غريب بفساد محتمل داخل الإدارة".
بدلاً من أن يشكل هذا الصراع طوق نجاة لرئاسة دونالد ترامب، فإنه قد يؤدي إلى تقويضها. فإذا ساءت الأمور بالنسبة له، فإنه قد يواجه خطر العزل، خصوصاً أن حربه على إيران، وفقاً لاستطلاعات الرأي، لا تحظى بشعبية بين الناخبين المستقلين الذين يحتاج إلى أصواتهم من أجل الحفاظ على سيطرته على مجلسي الشيوخ والنواب. ومن دون دعم الكونغرس، سيكون عاجزاً عن الدفاع عن نفسه ضد مجموعة من الاتهامات الموجهة إليه، بما فيها انتهاك القانون ومحاولة التستر على فضيحة إبستين.
لكنّ ما هو أشد وطأة يتمثل في الخسائر البشرية الأميركية غير المبررة، في حرب لم يكن سيد البيت الأبيض مضطراً إلى إشعالها. وقد سبق وأن أكد أن البرنامج النووي الإيراني قد "دمر بالكامل". ومن منظور الدفاع عن الولايات المتحدة، تبدو تحركاته الأخيرة غير منطقية.
الأهم من ذلك كله، كنت أعتقد أن معظم الأميركيين سيشعرون بالصدمة من تصريحات ترامب غير المكترثة بشأن الجنود الثلاثة في القوات الأميركية الذين لقوا حتفهم يوم الأحد ليكونوا أول ضحايا هذا الصراع، والتي قال فيها: "من المرجح أن يكون هناك المزيد، هكذا هي الأمور". إنها تعليقات قاسية ألقاها ترامب بابتسامة ساخرة تليق بشخصية مملة في حانة. وهذه ليست المرة الأولى التي يهين فيها جنوداً أميركيين، ويستحق أن يدفع ثمناً سياسياً باهظاً على هذا الازدراء لهم.
لعل أفضل ما يمكن أن يأمله ترامب هو أن ينهي تورطه في إيران قبل أن تتسع رقعة الحرب لتشمل المنطقة بأكملها، وتدفع بأسعار النفط إلى الارتفاع، وتقود العالم نحو الفوضى والركود. ومن المرجح أن يدفع الشعب الإيراني والطيارون والبحارة والجنود الأميركيون الثمن الباهظ لهذا الخطأ المتهور وغير المبرر في التقدير.
سيتعين على دونالد ترامب أن يتحمل تبعات قراراته بالكامل. وقد يدرك أنصار حركة "ماغا" قريباً أن هذه المغامرة غير المحسوبة تصب بصورة أكبر في مصلحة إسرائيل مقارنة بمصلحة الولايات المتحدة، التي لا تواجه أي تهديد مباشر ووشيك من إيران. كما قد يرون أن رئيسهم قد جرى إقناعه -أو حتى خداعه- بالدخول في هذا المسار المتهور، من جانب صديقه القديم بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي.
في الواقع، كشف وزير الخارجية العماني، الذي كان وسيطاً في المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، عن أن الإيرانيين رضخوا ووافقوا على مطالب واشنطن النووية قبل أن يطلق الرئيس الأميركي عملية "الغضب الملحمي". وهكذا، فإن آية الله (خامنئي) الذي اغتاله ترامب، كان قد أعطاه بالفعل ما طالب به، ومع ذلك مضى ترامب قدماً في العملية.
قبل وقت ليس ببعيد، تحديداً في أواخر الولاية الرئاسية الأولى، كتب دونالد ترامب على حسابه عبر "تويتر": "أنفقت الولايات المتحدة 8 تريليونات دولار [بالأحرف الكبيرة] على القتال وحفظ الأمن في منطقة الشرق الأوسط، وقد قتل أو أصيب آلاف من جنودنا الأبطال بجروح بالغة، كما لقي ملايين الأشخاص حتفهم على الجانب الآخر، [الجملة التالية بالأحرف الكبيرة] إن التورط في الشرق الأوسط كان أسوأ قرار اتخذ على الإطلاق".
كان الرئيس الأميركي آنذاك محقاً، أما الآن فهو مخطئ. وعندما تحين الانتخابات النصفية في تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل، فلن يكون هناك ما ينقذ رئاسته من أسوأ قرار اتخذه على الإطلاق.
*شون أوغرايدي Sean OGrady: صحفي بريطاني يشغل منصب نائب رئيس التحرير في صحيفة "الإندبندنت".
يكتب الافتتاحيات والمقالات المتعلقة بالسياسة والاقتصاد، بالإضافة إلى مراجعات في مجالات متنوعة مثل التلفاز والسيارات. بدأ مسيرته مع "الإندبندنت" في العام 1998. وقبل ذلك، خاض تجارب مهنية متنوعة في البرلمان البريطاني، وقطاع المال، وهيئة الإذاعة البريطانية. تظهر مقالاته في جميع أقسام الصحيفة، مما يعكس تنوع اهتماماته وخبراته.