عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    15-Jun-2019

السعادة والخسارة - فارس الحباشنة

 

الدستور - منذ نحو الف عام، وفِي سمرقند، كان هناك قصر كبير لقائد أوشك على ولادة طفل، وكانت لدى القائد فكرة ورغبة عظيمة من اجل الابن : سوف يجعل حياته كاملة. ولن يعرف الطفل لحظة معاناة وقسوة واحدة، وسوف تلبى حاجاته ورغباته كلها، وأي وقت.
شيد القائد أسوارا عاليا وحصينة من حول قصره لكي تحول بين ابنه الجديد ومعرفة اي شيء عن العالم الواقع خارج القصر، وبالغ القائد في دلال الابن وأغدق عليه هدايا وأطيب الاكل وحاطه بجواري وخدم يلبون اي نزوة.
انقضت طفولة الابن. كلها على هذا النحو. لكنه صار شابا حانقا منزعجا رغم كل ما حظي به من رعاية ودلال ورفاهية وترف لا حدود لهما.
وسرعان ما صار يشعر بأن كل تجربة فارغة عديمة القيمة، والمشكلة صار كل ما يقدم والده عديم القيمة في نظره، وغير كاف على الإطلاق.
وذات ليلة تسلل الابن فخرج من القصر ليرى ما خلف الأسوار المشيدة، وجعل احد الخدم يأخذه إلى قرية مجاورة فادهشه ما رأى من عجب.
رأى الابن معاناة الناس لأول مرة في حياته، رأى مرضى يموتون من قلة الرعاية الطبية وعجزهم عن شراء الدواء باهظ الثمن، وناس مشردون ينامون في الشوارع، وبشر يطردون من بيوتهم لأنهم عاجزين عن دفع الخدمات والأجرة.
عاد الابن الى القصر ووجد نفسه مفصوما، ويعاني من أزمة وجودية. وما كان يعرف التعامل مع ما شاهده ففاضت عواطفه بكاء تجاه شكوى وتذمر وتعاسة الناس.
انتهى الأمر بالابن بأن يلوم والده على كل ما يجري في البلاد، وصار الابن مقتنعا ان الثراء وراء تعاسته، وان الحياة تبدو عديمة المعنى والقيمة الى هذا الحد، وقرر الهرب من القصر.
هرب الابن، وعاش مشردا، وجائعا، وصار مجرد بقية منسية منبوذة في المجتمع في أسفل السلم الاجتماعي. وكانت المعاناة كبيرة جوع ومرض وفقر وووحدة وضعف، وواجه الموت كثيرا، وكان طعام يومه مقتصرا على كسرة خبز وحبات زيتون.
مرت سنوات ولَم يحدث شيء. وبدأ الابن يلاحظ ان حياة المعاناة هذه لا تختصر مغزى الحياة كلها، ولَا تزوده معاناته بالبصيرة التي رغب بها، ولَا تكتشف له اسرار العالم العميقة ولا عن غايته النهائية.
حقيقة الامر ان الابن صار  يعرف أن المعاناة امر سيّء جدا، وثم انها ليست أمرا ذَا مغزى.
وتقول الحكاية ان الابن جلس تحت شجرة تسعة واربعين يوما مشوش الفكر والاعتقاد والوعي . وليخلص بعد خلوته الاخيرة بحكمة إنسانية. قدمها للعالم، وهي ان الالم والخسارة لا مهرب منهما ، وان على الانسان ان يقلع عن محاولة مقاومتهما. وليعرف الابن فيما بعد. بانه صار نبيا يحمل رسالة من السماء.
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات