الغد
ترجمة: علاء الدين أبو زينة
علي معموري* - (ذا كونفرسيشن) 15/1/2026
تعمل العمليات النفسية كأدوات مركزية للقوة. وهي لا تهدف إلى قمع المعارضة فحسب، بل تتعدى ذلك إلى إعادة تشكيل كيفية إدراك الأفراد للواقع، والشرعية، وإمكانات الفعل السياسي.
منذ اندلاع الموجة الحالية من الاحتجاجات في إيران، برزت روايتان متنافستان بشدة لتفسير ما يجري في الشوارع.
بالنسبة للمؤسسة الحاكمة، يجري تصوير الاضطرابات على أنها مؤامرة مُهندَسة من الخارج. وتجادل الحكومة بأنها محاولة تقودها قوى خارجية لزعزعة استقرار الدولة باستخدام أدوات التلاعب، والاختراق، والعمليات النفسية.
ومن جهتها، تؤطِّر المعارضة الأحداث نفسها على أنها انتفاضة وطنية متجذّرة في مظالم متراكمة منذ زمن طويل. ويجادل المعارضون بأن الاحتجاجات تُشير إلى قطيعة بين المجتمع والنظام السياسي.
تشكل الطريقة التي تُروى بها "قصة" الصراع مكوّنًا أساسيًا في الحروب. وتقدّم احتجاجات إيران قصتين مختلفتين تمامًا.
صياغة السرديات بوصفها حربًا نفسية
في العصر الرقمي، تجاوزت الحرب النفسية حدود الدعاية التقليدية إلى ما يسميه الأكاديميان إحسان يلماز وشهرام أكبرزاده "عمليات المعلومات الرقمية الاستراتيجية" (SDIOs).
تعمل العمليات النفسية كأدوات مركزية للقوة. وهي لا تهدف إلى قمع المعارضة فحسب، بل تتعدى ذلك إلى إعادة تشكيل كيفية إدراك الأفراد للواقع، والشرعية، وإمكانات الفعل السياسي. وغايتها معرفية وعاطفية في آن واحد. وهي تسعى إلى تحقيق ما يلي:
• بثّ الخوف وعدم اليقين والشعور بالعجز؛
• تشويه سمعة الخصوم؛
• بناء إحساس بحتمية تحقُّق سيناريو سياسي معيّن.
ولا يُقتصر استخدام هذه التقنيات على الدول وحدها، وإنما يقوم بتوظيفها باطراد فاعلون من غير الدول أيضًا.
أصبحت منصّات التواصل الاجتماعي هي المسارح الأساسية التي يدور عليها الصراع النفسي. ويجري استخدام الوسوم (الهاشتاغات)، والميمات، والصور المُعدَّلة، وحملات التعليق المنسّقة -التي كثيرًا ما يتم تضخيمها من خلال حسابات آلية- لتأطير الأحداث، وتحديد المسؤوليات، وصياغة الاستجابات العاطفية على نطاق واسع.
ولعل العامل الأهم هو أن الجمهور لا يكون متلقيًا سلبيًا لهذه السرديات. إن الأفراد المتعاطفين مع تأطير معيّن يقومون بإعادة إنتاجها، وتعزيزها، و"حراستها" داخل غرف الصدى الرقمية. وبهذه الطريقة يزدهر التحيّز التأكيدي، بينما يجري تهميش التفسيرات البديلة، أو رفضها أو مهاجمتها.
لذلك، لا يكون التحكم في السردية بُعدًا ثانويًا للصراع، وإنما يشكل ساحة معركة مركزية له. ويمكن لطريقة تأطير الانتفاضة أن تؤثر في مسارها وأن تُشكّله. وقد تحدد ما إذا كانت ستبقى سلمية أم أنها ستنقلب إلى عنف؛ وما إذا كان سيُنظر إلى القمع الداخلي أو التدخل الخارجي على أنهما مبرَّرين أو حتميَّين.
سردية النظام الإيراني
دأب النظام الإيراني على تأطير الانتفاضة الجارية بوصفها مؤامرة تمت هندستها في الخارج، تقف وراءها إسرائيل والولايات المتحدة وأجهزة استخبارات حليفة لهما. ووفق هذه السردية، ليست الاحتجاجات تعبيرًا عن مظالم داخلية، وإنما امتداد للمواجهة الأخيرة بين إسرائيل وإيران. ويجادل النظام بأن ذلك يندرج ضمن حملة أوسع لإسقاطه وإغراق البلاد في الفوضى.
بعد أسبوعين من اندلاع الاحتجاجات، عمدت الدولة إلى تنظيم تظاهرات حاشدة مؤيدة للنظام. وبعد ذلك بوقت قصير، أعلن المرشد الأعلى الإيراني، آية الله علي خامنئي، أن هذه التجمعات "أحبَطت مخطط الأعداء الأجانب الذي كان يُراد تنفيذه باستخدام مرتزقة محليين".
وكانت الرسالة واضحة: المعارضة ليست غير مشروعة فحسب. إنها خيانة. وجرى تصوير المشاركين فيها على أنهم أدوات لقوى خارجية وليس مواطنين يطرحون مطالب سياسية.
تؤدي شيطنة المعارضة دورًا مزدوجًا؛ فبالإضافة إلى كونها وسيلة لإسكات المعارضين، تعمل كأداة لهندسة الإدراك العام وتشكيل الاستجابات العاطفية.
من خلال تصوير المحتجين بوصفهم عملاء أجانب، يسعى النظام إلى تصنيع الامتثال، وردع المؤيدين المترددين، ونشر صورة عن تمتعه بتأييد شعبي واسع. ولا يقتصر الهدف على معاقبة المنتقدين، بل يتعداه أيضًا إلى إيصال رسالة تقول إن الاعتراض العلني ستكون له كلفة باهظة.
لتعزيز هذه السردية، قامت حسابات موالية للنظام على وسائل التواصل الاجتماعي بتداول محتوى يمزج بين التأطير الأيديولوجي ومادة واقعية منتقاة بعناية. وجرى على نطاق واسع تداول تحليلات تزعم أن ما يحدث في إيران يتبع "كتابًا إرشاديًا مألوفًا لتغيير الأنظمة"، إلى جانب عرض تصريحات إسرائيلية توحي بوجود عمليات استخباراتية داخل إيران. ويشكل الاختيار الانتقائي لتعليقات خبراء أو نقاط بيانات معزولة لتبرير القمع سمة شائعة لهذا النهج.
كما أن توقيت عرض هذا المحتوى وآليات تضخيمه لا يقلان أهمية، حيث يتم تسخير شبكات التواصل الاجتماعي من خلال ما يُعرف بـ"التلاعب الخوارزمي" لجعل التأطير الذي يضعه النظام ينتشر على نطاق واسع، بينما يتم تهميش الآراء المضادة.
ومع تطوّر هذه الحملة الرقمية، يجري دعمها بأشكال أكثر تقليدية من السيطرة. وتعمل القيود التي تُفرض على الإنترنت وعمليات قطعه على الحدّ من الوصول إلى مصادر بديلة للمعلومات، ما يتيح لوسائل الإعلام الرسمية الهيمنة على تدفق الاتصالات وإحباط أي تحديات للرواية الرسمية.
وفي هذا السياق، تؤدي رواية النظام وظيفة دعائية، لكنها تعمل أيضًا كأداة استراتيجية تهدف إلى إعادة تعريف الانتفاضة، ونزع الشرعية عن المعارضة، والحفاظ على السلطة من خلال التحكم في كيفية فهم الأحداث.
سردية المعارضة
المعارضة في إيران منقسمة، لكنّ مجموعتين رئيسيتين برزتا بوصفهما الأكثر نشاطًا في صياغة سردية المعارضة هناك: أنصار عودة الملكية في إيران؛ وجماعة "مجاهدي خلق" المسلحة المعارضة. وعلى الرغم من اختلافاتهما، أسهم الطرفان في بناء القصة نفسها.
صاغ هذان الفصيلان سردية للإقناع تُؤطِّر الانتفاضة باعتبارها حالة طوارئ أخلاقية تستدعي تدخّلًا خارجيًا -خاصة من الولايات المتحدة وإسرائيل. ولا تمثّل هذه السردية جميع أصوات المعارضة، لكنها اكتسبت حضورًا واسعًا في وسائل التواصل الاجتماعي، ووسائل إعلام المنفى، وشبكات الناشطين. ويتمثل هدفها الجوهري في استقطاب الانتباه الدولي إلى الصراع، وبناء مرافعة من أجل تغيير النظام في إيران، ثم الدفع نحو تحقيقه.
كانت إحدى التقنيات المركزية في هذا السياق هي إضفاء الشرعية على العنف وتشجيعه. وعكست الدعوات إلى الاحتجاج المسلح والمواجهة المباشرة مع قوات الأمن انتقالًا واضحًا من وجود حشد مدني قائم على المطالب إلى انتفاضة عنيفة.
يشكل العدد المرتفع من خسائر قوات الدولة -الذي قيل إنه تجاوز 114 قتيلًا حتى 11 كانون الثاني (يناير)- مثالًا على فعالية هذه التقنية. وغالبًا ما يتم تبرير هذا التصعيد بوصفه ضروريًا "لإبقاء الحركة حيّة"، وخلق مستوى من إراقة الدماء يكون من شأنه أن يدفع المجتمع الدولي إلى التدخل. ووفقًا لتقييمات خارجية لرصد النزاعات، أسفرت الاشتباكات بين محتجين مسلحين وقوات الدولة فعلًا عن خسائر كبيرة في صفوف الطرفين.
تتمثل التقنية الثانية في التضخيم الاستراتيجي لأعداد الضحايا. وقد ادّعت منصات المعارضة أن حصيلة القتلى أعلى بكثير من الأرقام التي توردها التقديرات المستقلة.
ويخدم هذا التضخيم غرضًا نفسيًا وسياسيًا واضحًا، حيث يهدف إلى إحداث صدمة للرأي العام الدولي والتأثير فيه، وتأطير الوضع على أنه إبادة جماعية أو حالة استثنائية، وزيادة الضغط على الحكومات الأجنبية للتحرك عسكريًا.
يتمثل العنصر الثالث في استخدام الترهيب والإكراه الخطابي. في بعض الحالات البارزة من الظهور الإعلامي، لوّحت شخصيات من المعارضة علنًا بتهديد معلّقين موالين للنظام، محذرين من إمكانية الانتقام منهم بعد تغيّر موازين السلطة.
تؤدي هذه اللغة وظائف متعددة؛ فهي تسعى إلى إسكات وجهات النظر البديلة؛ وترويج صورة من الثقة والحتمية؛ وتقديم المشهد بوصفه صراعًا بين الخير والشر. وفي الوقت نفسه، تنطوي هذه الخطابة على مخاطر تنفير الجماهير المترددة، وتعزيز مزاعم النظام بأن الانتفاضة ستقود إلى الفوضى أو إلى جلب سياسة انتقامية.
تكشف هذه الممارسات كيف أن أجزاءً من المعارضة تبنّت هي الأخرى "حرب السرديات" كأداة استراتيجية. وقد استخدمت هذه السردية لتضخيم العنف، والمبالغة في حجم الأذى، وقمع التفسيرات المنافسة. وهدفت إلى إعادة تعريف الانتفاضة -ليس باعتبارها تمرّدًا داخليًا فحسب، بل بوصفها أزمة إنسانية وأمنية تستوجب تدخّلًا خارجيًا.
وبذلك، كانت هذه السرديات تعكس، على نحو مختلف، مسعى النظام نفسه إلى تسليح الحكاية في صراع تكون فيه الصورة الذهنية والتصوّر العام ذات تأثير لا يقل حسمًا عن عامل القوة نفسه.
وفي نهاية المطاف، تُهمِّش كلتا السرديتين المحتجّين أنفسهم، كلٌّ بطريقتها الخاصة. وهما تختزلان حركة شعبية متنوعة وقاعدية إلى مجرد أداة في صراع على السلطة، إما لتبرير القمع في الداخل أو لتسويغ التدخل من الخارج.
*علي معموري Ali Mamouri: باحث وأكاديمي متخصص في شؤون الشرق الأوسط، يعمل زميلًا باحثًا في دراسات الشرق الأوسط بجامعة ديكن في أستراليا، وتركّز أبحاثه على السياسة الإيرانية، والحركات الإسلامية، والديناميات الطائفية، والحرب السردية والعمليات النفسية في النزاعات المعاصرة، وله إسهامات بحثية وتحليلية منشورة في منصات أكاديمية وإعلامية دولية.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: One uprising, two stories: how each side is trying to frame the uprising in Iran