الغد-عزيزة علي
يوثق كتاب للدكتور إبراهيم خليل "مآثر الأعلام من فلسطين أرض السلام: معجم لمبدعي فلسطين من الجيل الحاضر". الصادر عن دار الخليج للنشر. المشهد الثقافي الفلسطيني المعاصر، وقد جمع منجزاته في مرجع واحد. مقدّما تراجم ومقالات كُتبت في مناسبات مختلفة، لتشكّل في مجموعها صورة شاملة لتجارب إبداعية متنوّعة في مجالات الشعر والرواية والقصة والنقد واللغة والترجمة.
يضم الكتاب نحو 120 أديبا وأديبة، ولا يقتصر على التوثيق فحسب، بل يكشف عن اتساع حضور المثقف الفلسطيني داخل الوطن وفي الشتات، ويبرز إسهاماته في الحياة الثقافية العربية، من خلال رصد سير عدد من الأعلام وأعمالهم. كما يقدّم الكتاب مادة مرجعية موجزة تسعى إلى حفظ هذا النتاج من التشتت، وتيسير الإفادة منه للباحثين والمهتمين، في سياق يؤكد غنى التجربة الثقافية الفلسطينية وامتدادها عبر الزمن.
ويشير د. إبراهيم خليل في مقدمته إلى أن كتابه يجمع بين خصائص عدة؛ فهو يشبه المعاجم من حيث الترتيب والتبويب، ويماثل كتب التراجم والسير في اهتمامه بالتعريف بأعلام الأدب عامة، والفلسطينيين منهم خاصة، كما يقترب من كتب تاريخ الأدب من حيث تغطيته لأدباء فلسطين في القرن العشرين والربع الأول من القرن الحادي والعشرين.
ويبدأ الكتاب بذكر خليل بيدس، أحد رواد الجيل الأول، ويختتم بالراحل أكرم شريم الذي توفي في 25 يناير (كانون الثاني) 2026. ولا يقتصر الكتاب على الأدباء الراحلين، بل يشمل أيضا التعريف بالأحياء وإبراز منجزاتهم.
ويؤكد أن الكتاب لا يلتزم بنوع أدبي محدد، إذ يضم تراجم لشعراء مثل أحمد أبو عرقوب، ومطلق عبد الخالق، ومحمود درويش، وحنا أبو حنا، إلى جانب عدد من كتاب القصة والرواية، منهم غسان كنفاني، ورشاد أبو شاور، وفيصل حوراني، وفاروق وادي، وليلى الأطرش، وآخرون.
ويضم الكتاب عددا من النقاد، منهم هاشم ياغي، وجبرا إبراهيم جبرا، وعيسى بلاطة، ومحمود السمرة، وإبراهيم السعافين، وعبد الرحمن ياغي، ومحمد شاهين. كما يشتمل على باحثين مثل خليل أبو رحمة، وياسين عايش، ومحمود العابدي، ويوسف سامي اليوسف، الذي يُعدّ ناقدا أيضا. ومن النحاة واللغويين يبرز داود عبده، ومحمود حسني مغالسة، وعبد الكريم مجاهد.
كما يضم أدباء من داخل الوطن، مثل محمود غنايم، وجمال بنورة، وسميح القاسم، وحنا أبو حنا، وعلي الخليلي (رحمه الله)، إلى جانب عدد كبير من أدباء الشتات الفلسطيني، منهم حسام الخطيب، وفواز عيد، وحكمت العتيلي، وخالد أبو خالد، وأحمد دحبور، ومحمد القيسي، وغيرهم كثير. ويشكّل أدباء الشتات النسبة الأكبر من الأعلام الذين تناولهم الكتاب، سواء في البلاد العربية أو خارجها، ومن أبرزهم إدوارد سعيد وحكمت العتيلي.
ويشير خليل إلى أن هذه المقالات تحمل طابعا تجميعيا؛ إذ كُتبت ونُشرت في مناسبات متعددة وأزمنة متباعدة. فقد ارتبط بعضها بصدور كتب جديدة، أو برحيل أحد أعلام الأدب – رحمهم الله – أو بإحياء ذكراهم، بصرف النظر عن ترتيب تلك الذكريات.
وجاءت بعض المقالات بمناسبة صدور سيرة ذاتية أو كتاب يتناول أحد الأدباء، أو في سياق فعاليات واحتفاءات ثقافية مختلفة. وتم تخصيص ملفات خاصة في المجلة الشهرية "أفكار"، عن الشاعر الراحل عبد الرحيم عمر، وأخرى عن راضي صدوق، وثالثة عن محمود السمرة.
ويبين خليل أنه لا يدّعي الإحاطة الشاملة في كتابه بمبدعي الأدب أو المشاركين في الدراسات الإعلامية والثقافية واللغوية واللسانية؛ إذ لم يكن ذلك هدفه. وإنما انصرف الجهد إلى جمع ما تفرّق من مقالات تناولت أعلاما أسهموا في الحياة الأدبية العربية، سواء قُدّمت في ندوات ومؤتمرات، أو نُشرت في دوريات وصحف محلية وعربية، أو وردت في كتب سابقة للمؤلف صدرت في أزمنة متباعدة.
وقد جاء هذا الجمع حرصا على صون تلك المواد من الضياع، وتيسير الرجوع إليها في مرجع موجز سهل التناول، يفيد الدارسين والباحثين، مبتدئين كانوا أم متقدمين. وبناء على ذلك، فمن الطبيعي أن يلاحظ بعض القرّاء غياب أسماء بعينها، غير أن هذا أمر متوقّع، في ظل عدم ادعاء الاستقصاء التام أو الإحاطة بجميع الأعلام الذين أسهموا في فنون الأدب.
وفي خاتمة الكتاب، يشير إبراهيم خليل إلى أن هذا النوع من المؤلفات لا يقتضي خاتمة تقليدية؛ إذ يقوم على طبيعة معجمية تُعنى بأعلام الأدب في بيئة وزمن محددين. كما يتميّز باعتماده على مقالات نُشرت سابقا في أوقات متباعدة ومنصات نشر مختلفة، وهو ما يجعله يفتقر إلى نسق منهجي موحّد يربط موضوعاته، أو إلى نتائج محددة على غرار ما نجده في الكتب البحثية التي تقوم على فصول مترابطة ومنهجية واضحة.
ويشير خليل إلى أن الكتاب يكشف بما يضمه من تراجم ومقالات، عن الحضور العميق للمثقف الفلسطيني وإسهامه الممتد في الثقافة الإنسانية عامة، والعربية على نحو خاص. ويقدّم بذلك دليلا واضحا، قائما على شواهد متعددة، على مكانة الشعب الفلسطيني ودوره الثقافي الراسخ عبر الزمن.
كما تؤكد هذه الجهود الثقافية المتراكمة، عبر عقود طويلة، رسوخ الهوية الفلسطينية واستمرارها، رغم محاولات طمسها أو إنكارها. فمن يطالع هذا القدر الغزير من العطاء الثقافي يدرك أن هذه الهوية متجذّرة في تاريخها وواقعها، ولا يمكن تغييبها أو تجاوزها.
يتجلّى في هذا الكتاب تنوّع العطاء الفلسطيني؛ في الشعر، والرواية، والقصة القصيرة، وفي مجالات اللغة من نحو ولسانيات، إضافة إلى التراث بنوعيه الشعري والنثري، فضلا عن البحث في قضايا المجتمع، والترجمة، والنقد. وتعكس هذه الحصيلة ثراء إبداعيا لافتا، فرضته ظروف موضوعية أسهمت في اتساع هذا النتاج وتعدّده.
ولو أُتيح استكمال ما لم يُستقصَ، لاستبانت أعداد أكبر ومواهب إضافية تؤكد هذا الاتساع والامتداد. ويُلاحظ أن الشعر والرواية والقصة تستحوذ على النصيب الأكبر من اهتمام المبدعين الواردين في الكتاب، في حين يحضر النقد والبحث والترجمة واللغات بنسبة أقل.
وخلص خليل إلى أن الكتاب يضم نماذج تجمع بين أكثر من حقل إبداعي؛ فثمة من يزاوج بين القصة والرواية، أو بين الشعر والرواية، أو بين النقد والترجمة. ومن هؤلاء سلمى الخضراء الجيوسي، وإدوارد سعيد، ومحمد شاهين، وحسام الخطيب، وإبراهيم السعافين، ووليد سيف، ومحمود سيف الدين الإيراني. ويؤكد هذا التداخل في التجارب غنى الأدب الفلسطيني واتساع آفاقه ثقافيا وفكريا.