الغد
العالم في حالة إعادة ضبط، هكذا كتب دونالد ترامب على منصته «تروث سوشيال»، قبيل بدء المفاوضات الأميركية الإيرانية في العاصمة الباكستانية إسلام آباد، وترك العالم يضرب أخماسا في أسداس عمّا يقصد، وقد استعار لغة الحاسوب، كأنه يشير إلى ما يعرف بإعادة الضبط إلى إعدادات المصنع، ذلك الضبط الذي يعيد الحالة إلى ما كانت عليه قبل ازدحامها بالبرامج الضارة، فهل يعترف ترامب بأن تجريب الأفكار والبرامج وضع العالم على المحك، وكاد يدفعه إلى حافة انفجار شامل، وأراد العودة إلى ما قبل زرع هذه البرامج في عقل النظام الدولي، قبل العبث بالمؤسسات، وقبل تآكل الاتفاقيات المستقرة للتجارة والاقتصاد، وقبل أن تصبح سيادة الدول مادة للتفاوض وليس مبدأً حاكما كالقوانين الدولية، وقبل أن يدرك الجميع أن الدخول إلى الحرب ليس كالخروج منها؟
في إسلام آباد، يقف العالم على أطراف أصابعه، لحظة معلقة بين احتمالات متناقضة، فقد تنتهي يوميات حرب ملعونة بدأت في الثامن والعشرين من فبراير 2026، واستمرت أكثر من أربعين يوما، قبل أن تتوقف لالتقاط الأنفاس من الطرفين، بينما يلوح طرف ثالث هو إسرائيل، يبدو أكثر رغبة في استمرار النار، لأهداف تتجاوز ساحة القتال إلى خرائط أوسع، ترى فيها ما يسمّى إسرائيل الكبرى، وتسعى من خلالها إلى التخلص من مراكز الثقل العربية، خاصة تلك التي تملك الطاقة والنفوذ، وتعيد تشكيل الإقليم عبر الفتنة، ودفع واشنطن إلى حافة الحرب أو ما دونها بقليل، على الأقل هذا ما تروجه بعض دوائر الصحافة الأميركية، وما يردده منشقون عن سياسة ترامب داخل التيار المعروف بشعار «لنجعل أميركا عظيمة مجددا»، وهم أصوات لم تعد هامشية في الداخل الأميركي.
وقد رد عليهم دونالد ترامب بهجوم مباشر، شكك في أدوارهم، وفي قدرتهم على التأثير في الرأي العام، غير أن الواقع يكشف تصدعا داخل المعسكر ذاته، حيث بدأت «الخيول الثقيلة» تغادر السباق أو تدفع خارجه، وعلى رأسهم راندي جورج، في مشهد دفع الكونجرس إلى استدعاء وزير الدفاع بيت هيجسيث للمساءلة، وسط حديث متصاعد عن تحولات داخل بنية القرار العسكري والسياسي، واحتمالات التضحية ببعض الوجوه كـ»أحصنة خاسرة» في سباق بالغ القسوة.
في خضم ذلك، يطفو سؤال آخر، لا يقل دلالة، حين خرجت السيدة الأولى ميلانيا ترامب لتنفي أي صلة لها بملف جيفري إبستين، في توقيت شديد الحساسية، مطالبة الكونجرس بفتح تحقيق شامل، والاستماع إلى الضحايا، ومساءلة كل من يثبت تورطه، أيا كان موقعه، وكأن السياسة هنا تتقاطع مع الأخلاق، أو تستخدم الأخلاق كسلاح في لحظة صراع مفتوح داخل الدولة العميقة نفسها.
قبل الإجابة عن هذه الأسئلة، لا بد من التوقف أمام ظاهرة رئيس أميركي يدلي بتصريحات متناقضة بوتيرة متسارعة، تربك الخصوم والحلفاء معا، وتعيد تشكيل الإيقاع اليومي للإعلام العالمي، الذي بات يتغذى على كل جملة تصدر عن دونالد ترامب، فبين تصريح وآخر لا مسافة زمنية كافية لالتقاط الأنفاس، ولا إطار ثابت يمكن الركون إليه، رجل يأتي بتعبيرات جديدة إلى السياسة الدولية، ويعيد تعريف اللغة ذاتها، رئيس فريد في مسيرته، من الملاحقات القضائية خلال ولايته الأولى، إلى عودته في ولاية غير متتالية، مرورا باتهامات العلاقة الملتبسة مع روسيا، وانتهاء بظل جيفري إبستين الذي يلاحقه سياسيا وإعلاميا، حتى من داخل دوائر قريبة.
يبدو أن يوميات حرب الغضب الملحمي، وفق التسمية الأميركية، أو «زئير الأسد» وفق بعض الأدبيات التوراتية، تمضي نحو لحظة فرز كبرى، لحظة قد تجرف فيها «البرامج الخبيثة» من «القرص الصلب» للنظام العالمي، أو يعاد تثبيتها بصورة أكثر تعقيدا، فهل كان حديث دونالد ترامب عن «إعادة الضبط» تعبيرا عن إدراك متأخر لحجم الفوضى، أم تمهيدا لصفقة كبرى تصاغ في كواليس إسلام آباد، حيث لا تكتب البيانات التقليدية، بقدر ما يتم رسم خرائط النفوذ القادمة؟