أسر تتستر على أبناء مدمنين خشية العيب والوصمة.. ومطالب بقانون يجرمهم
الغد-موفق كمال
عندما أدخل ابن أحد الأسر من المدمنين على المخدرات أمس إلى مركز علاج للإدمان في عمان، شدد والداه على عدم إبلاغ ابنهم بأنهم هم من طلبوا إدخاله للعلاج من هذه الآفة، خشية منه، كونه بات مصدر تهديد لحياة أفراد أسرته التي تتعرض حسب قولهما لعنف أسري متكرر منه، بالإضافة إلى مخاوفهم من الوصمة الاجتماعية.
وفي هذا الإطار، فإن أسرا فيها أفراد مدمنون، يتسترون عليهم، خشية من الوصمة الاجتماعية التي قد تلاحقهم، فتجعلهم يتغافلون عما قد يلحقه تسترهم عليه من أخطار قد يتعرضون إليها على يده، قد تصل إلى القتل. وبهذا فإن الوصمة هنا تغدو أقل خطورة مما قد يرتكبه المدمن من أعمال جرمية بحق أسرته أو بحق أشخاص من خارجها.
وغير بعيد عن ذلك، ما انشغل به الرأي العام الأردني أول من أمس بشأن حادثة مقتل المحامية زينة المجالي على يد شقيقها المدمن، إذ شدد غالبية من علقوا على هذه الجريمة في وسائط الإعلام أو في وسائل التواصل الاجتماعي على مطالبهم بتعديل قانون العقوبات، كي يتضمن نصا يفضي إلى إنزال عقوبة الحبس لمن يتستر أو يصمت على أي من أفراد أسرته المدمنين أو ممن يتعاطون المخدرات بينهم.
وأثارت الجريمة الأسرية بحق المحامية زينة التي تلقت أربع طعنات في أماكن متفرقة من جسدها، إحداها أصابت القلب فتسببت بنزف دموي حاد أدى لوفاتها، وفق تقرير الطب الشرعي، تساؤلات حول جدوى التستر الأسري على إدمان أي من أفراد الأسر على المخدرات، مع أن الجميع يدرك بأن المدمن هو في النهاية شخص معتل اجتماعيا وعقليا، والقبول به وسط الأسرة أو المجتمع هو قبول ببقاء قنبلة جاهزة للانفجار في أي وقت داخل منزل الأسرة أو وسط المجتمع.
كانت المحامية زينة قد أدرجت على صفحتها في موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك" قبل أسبوع من مقتلها، دعوة تفيد بضرورة عدم تستر الأسر على أي مدمن مخدرات فيها، كون المدمن يصبح شديد الخطورة على بقية أفراد الأسرة الأسوياء عند تناول المخدرات، أو عند عدم حصوله على مال للحصول عليها. وفي الحالتين، فإن المدمن يظل شخصا معتلا، لا يمكن التوافق مع سلوكه داخل الأسرة وخارجها، وهو جاهز باستمرار لارتكاب عمل جرمي ودون مقدمات.
وبالرغم من أنه لم يمض أسبوع على إدراج المحامية زينة لدعوتها بعدم التستر على المدمنين، تعرضت هي نفسها للقتل بعد أن احتد جدل بين شقيقها المدمن ووالدها، وما إن أقدمت على التدخل للدفاع عن والدها، حتى استل شقيقها سكينا منزليا وطعنها، لتسقط مضرجة بدمائها، وتفارق الحياة.
لم تكن هذه هي المرة الأولى التي يُقتل فيها أحد الأفراد على يد مدمن مخدرات؛ ففي أيلول (سبتمبر) 2022، اشتبك مواطن في منطقة يرقا بمحافظة البلقاء مع ولديه المدمنين، لينتهي أمر الاشتباك إلى مقتل أحد الشقيقين، وشقيقة لهما استخدمها أحدهم درعا بشريا لحماية نفسه من غضب والده، الذي سبق له وأن قدم بلاغا حول إدمان ولديه على المخدرات، وتسببهما بجرائم عنف أسري بحق شقيقتهم المغدورة ووالدتهما.
لا عقوبة للمتستر في القانون
مدير القضاء العسكري الأسبق العميد المتقاعد د. زياد العدوان، بيّن أن قانون المخدرات والمؤثرات العقلية لا يحتوي على نص يحاسب المتستر على المدمن، لكن القانون يحاسبه في الجانب الجنائي إذا كان التدخل أكبر من التستر، فهذا القانون الذي يحمل رقم 23 لسنة 2016 وتعديلاته، يجرّم على نحو واضح من يقع عليه جرم حيازة المخدرات أو تعاطيها أو الترويج لها. داعيا إلى ضرورة تعديل نصه ليشمل أيضا جريمة "التستر على المتعاطي" غير المدرجة على قائمة الجرائم الجنائية في نصوصه، لكنه وفي نطاق قانون العقوبات العام، يمكن تحميل الأسرة مسؤولية جنائية إذا سهلت لأحد من أفرادها ترويج المخدرات أو توزيعها أو إخفاء الأدلة أو المواد المخدرة، أو المساعدة على نقل مخدرات من مكان إلى آخر.
تعديل نظام صندوق مكافحة المخدرات
أستاذ القانون بالجامعة الأردنية د. محمد الفواعرة، رأى أن مشكلة تعاطي المخدرات والإدمان عليها ليست مرهونة فقط بتستر الوالدين أو المحيطين بالمدمن، بل تكمن في عدم وجود رعاية لاحقة للمدمن بعد تلقيه العلاج، برغم الإدراك بوجوب تعديل القانون ليتضمن ملاحقة المتستر، فالمدمن هو قنبلة موقوتة قابلة للانفجار في وجه الأسرة أو المجتمع في أي وقت ودون سابق إنذار، ما يضاعف خطورته.
وأشار الفواعرة إلى ضرورة تعديل نظام صندوق مكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية، مبينا أن المادة 32 من قانون المخدرات تنص على إنشاء هذا الصندوق، وأن يكون مستقلا، ويهدف لمكافحة جرائم المخدرات والمساهمة بمعالجة المدمنين، ودعم القائمين على تطبيق أحكام قانون المخدرات.
مبينا أن موازنته تتمثل باقتطاع
20 % من الغرامات المحكوم بها المدانون بجرائم المخدرات، وتحويل الـ 80 % من قيمة هذه الغرامات لخزينة الدولة. وبحسبه، يجري وضع نظام لتنفيذ ذلك يسمى "نظام صندوق مكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية"، وتنص مادته الـ (7) على توزيع إيراداته على النحو التالي: إدارة مكافحة المخدرات 50 %، نفقات علاج المدمنين 15 %، مديرية القضاء العسكري (محكمة أمن الدولة) 10 %، مؤسسة الدواء والغذاء 15 %، مركز تأهيل المدمنين بوزارة الصحة 10 %.
ولفت الفواعرة إلى ضرورة إيجاد رعاية لاحقة لمن تعافى من التعاطي، حتى لا يعود مرة أخرى إلى البيئة التي زجت به في عالم المخدرات.
70 % من المتعافين يعودون للتعاطي
اختصاصي علم الاجتماع د. حسين الخزاعي أكد أن 26 % ممن يتعاطون المخدرات يتعاطونها في منازلهم، أي أن هذا يعني بأن الوالدين وبقية أفراد الأسرة على علم بتعاطي أفراد أسرهم، لكنهم يتسترون على قنبلة موقوتة بينهم، ستنفجر على شكل جريمة أسرية بحق أي منهم أو بحق غيرهم من خارج الأسرة.
وحول عدم توافر رعاية لاحقة للمدمن، أوضح الخزاعي بأن 30 % من المتعاطين هم أصلا كانوا نزلاء في دور رعاية وتأهيل للأحداث.
كذلك تتغلب في كثير من الأحيان مسألة الخوف من سلوكيات المدمن والوصمة الاجتماعية في منع الأسرة من الإبلاغ عن المتعاطين والمدمنين فيها، مبينا أنه ووفق دراسات رسمية شارك في إعدادها، هناك 70 % من المدمنين يعودون إلى التعاطي بعد رحلة العلاج، والسبب أنهم يعودون إلى رفاق السوء والبيئة الاجتماعية التي تنتشر فيها المخدرات.
وطالب الخزاعي بضرورة تعديل قانون المخدرات، ومحاسبة المتسترين على المدمنين، حتى لو كان أحدهم والديهم، مشيرا إلى وجوب إلزام كل من ينوي الزواج، شابا أو فتاة، بإجراء فحص يؤكد خلوه من تعاطي المخدرات.
معاقبة المتستر تخفض جرائم العنف الأسري
المختص في الوقاية من أخطار المخدرات والإدمان أنس الطنطاوي، قال إن معاقبة المتستر على المدمن، تسهم في تخفيض جرائم العنف الأسري الناجم عن سلوك إدماني، لافتا إلى أن هذا التعديل على القانون، يحتاج إلى حملة إعلامية، تسعى إلى توعية المجتمع بأضرار المخدرات، إلى جانب إدانة التستر على المدمنين، داعيا إلى أن يتضمن القانون حماية من يعيشون حول المتعاطي مما قد يرتكبه من جرائم عنف أسري، ومنع انتقال عدوى التعاطي إلى أفراد الأسرة الباقين.
وأشار الطنطاوي إلى أن قانون المخدرات الأردني، عصري وحضاري، يمنح المدمن سواء من خلاله أو عبر ذويه، فرصة التقدم إلى العلاج في نطاق شديد السرية، وبدون أي قيود أو ملاحقات قضائية، مشيرا إلى أنه كلما تأخر المدمن في العلاج، أصبح خطره بالغا على أسرته ومجتمعه، كون السلوك الإدماني يتصاعد ويتنامى ولا يتراجع، لذا فإن أفراد الأسرة الموجود فيها مدمن أو متعاط، يكونون أكثر عرضة لجرائم قد يرتكبها المدمن، بخاصة عندما يصبح بحاجة للحصول على جرعة مخدرات، إلى جانب الأعراض الانسحابية الخطرة التي تظهر عليه، عند انقطاع المادة المخدرة عنه، ما يجعل سلوكه عدوانيا حادا.
ووفق إحصائيات مديرية الأمن العام، تعامل الأردن حتى نهاية عام 2024 مع 25260 جريمة مخدرات، بينها 17498 قضية حيازة وتعاط.
بينما كشفت مصادر رسمية، أن عدد نزلاء مراكز الإصلاح والتأهيل يصل إلى 22 ألفا، نصفهم موقوفون أو محكومون في قضايا مخدرات مختلفة.
وبيّنت المصادر، أن هناك 380 سريرا في مراكز علاج الإدمان، تستوعب هذا العدد من الراغبين بالعلاج، وتصل نسبة إشغال الأسرّة إلى 70 %، مشيرة المصادر إلى أن المدمن يخرج من مرحلة العلاج نظيفا من المخدرات، لكن عودة بعض المدمنين بعد التعافي إلى بيئات محرضة على التعاطي بخاصة البيئات السابقة، ستعيدهم إلى المربع الأول في الإدمان.