جوهر الصراع بين إيران وإسرائيل*د. فيصل أحمد السرحان
الراي
يظهر الصراع المحتدم بين إيران وإسرائيل على أنه صراع عقائدي متأصل، إلا أن المتتبع لمعرفة حقيقة دوافع الحرب الدائرة بين الطرفين، والسياسات السائدة في الإقليم، والتنافس الدولي الحاصل، سرعان ما يكتشف أن هذا الصراع ما هو إلا صراع "نفوذ وسيطرة إقليمية" بالمقام الأول، حيث يسعى كل طرف إلى تمتين قواعده وأذرعه لتحقيق أكبر مكانة استراتيجية على مستوى منطقة الشرق الأوسط.
في علم العلاقات الدولية، يعتبر النفوذ الإقليمي أحد أهم أسباب الصراعات بكافة أشكالها، حيث يسعى المتصارعون إلى السيطرة على مناطق النفوذ الاستراتيجية، وتقزيم الخصوم من التمدد في مناطق قريبة، وإعاقتهم من لعب أدوار قوى إقليمية فاعلة من أجل حماية مصالحهم المختلفة. ما نشهده اليوم من أحداث ينطبق بوضوح على الحالة بين إيران وإسرائيل، حيث يتبارى كل منهما على تحديد شكل النظام الإقليمي في المنطقة ودوره فيه.
الجمهورية الإيرانية عمدت ومنذ الثمانينيات إلى توسيع نفوذها في لبنان عبر دعم وتمكين حزب الله مالياً وعسكرياً، حيث مكنها ذلك من ترسيخ نفوذها وسيطرتها على الحدود الشمالية لإسرائيل. وقامت بدعم النظام السوري السابق خلال الحرب الداخلية، وهو ما وفّر لها تواجداً عسكرياً قرب مرتفعات الجولان التي تحتلها إسرائيل. وكذلك فعلت في العراق عبر دعم وتسليح فصائل وأحزاب سياسية بعد سقوط حكم صدام حسين، ثم دعمها القوي لجماعة الحوثيين في اليمن، مما وفر لها موطئ قدم آخر بالقرب من الممرات البحرية المفصلية.
يفهم من هذه التحركات والتمددات أنها لا يمكن تفسيرها بدوافع عقائدية فقط، بل بدوافع استراتيجية لتوسيع نفوذها السياسي والعسكري في المنطقة.
في مقابل ذلك، يأتي الرد الإسرائيلي على شكل استراتيجية "احتواء لهذا النفوذ"، عبر تنفيذ ضربات جوية مدمرة ضد مواقع عسكرية ولوجستية ومالية مرتبطة بإيران في كل من سوريا ولبنان من جهة حدودها الشمالية. حيث تشير إسرائيل إلى أن هدف هذه العمليات هو منع تمركز وجود إيراني دائم قرب حدودها، ومنع خصم إقليمي من تثبيت نفوذه، وتفكيك ما يُسمى بـ "محور المقاومة".
برنامج إيران النووي أيضاً يعتبر من أهم بؤر التوتر مع إسرائيل، بدلالة رفضها لامتلاك إيران قدرات نووية قد تكون عسكرية. وعبرت عن رفضها هذا بعمليات اغتيال لعلماء ذرة إيرانيين، وتدمير وتخريب المواقع النووية، وفرض اتفاقات دولية صارمة تقيّد إيران من امتلاكها لسلاح نووي خوفاً من استغلاله كقوة ردع تفرض توسع نفوذها الإقليمي.
إسرائيل تستغل تحالفاتها الدولية والإقليمية بشكل متقن، وتعاونها المتين مع الولايات المتحدة وأوروبا الغربية والشرقية وآسيا وبعض العلاقات المطوّرة مع دول عربية مكنّها من الحصول على مساندة قوية في وجه النفوذ الإيراني. ولا أنسى أيضاً أن الجغرافيا السياسية تمثل عاملاً آخر كمحرك لصراع النفوذ بين الطرفين، على اعتبار أن منطقة الشرق الأوسط منطقة غنية بالموارد الطبيعية مثل النفط والغاز، ولها ممرات مائية حيوية، وموقع جغرافي متوسط بين أوروبا وآسيا.
تأسيساً على ما سبق، أفهم أن هذا الصراع يستلزم النظر إليه من زاوية المصالح وتوازن القوى وليس الدافع العقائدي فقط.