عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    23-Feb-2026

العلاقات الإستراتيجية بين الأردن والولايات المتحدة*حسن الدعجة

 الغد

لعقود طويلة، شكّل الأردن ركيزة أساسية للاستقرار الإقليمي بالنسبة للولايات المتحدة. وينظر صانعو السياسات الأميركيون عمومًا إلى المملكة كشريك أمني موثوق، ووسيط براغماتي، وصوت معتدل في منطقة شديدة الاستقطاب. إلا أن هذا الدور الخارجي المتماسك يتزامن مع ضغوط داخلية متزايدة، مما يضع صانعي السياسات الأردنيين أمام معادلة دقيقة: كيف يمكن الحفاظ على الشراكة الإستراتيجية مع الولايات المتحدة دون المساس بالتوازن الداخلي؟
 
 
يواجه الأردن مجموعة معقدة من الضغوط الداخلية، يمكن تلخيصها في ثلاثة مجالات رئيسة؛ وهي الضغوط الاقتصادية، وارتفاع الدين العام، والبطالة، لا سيما بين الشباب، وتباطؤ النمو الاقتصادي، وكلها عوامل تغذي الإحباط الشعبي. وعلى الرغم من برامج الإصلاح المنفذة بالتعاون مع صندوق النقد الدولي، لا تزال شرائح واسعة من السكان تشعر بأن فوائد الإصلاح لا تنعكس بشكل مباشر على حياتهم اليومية.
تُمثل التحولات السياسية التي بدأها الملك عبدالله الثاني مسارًا نحو تحديث النظام السياسي من خلال قوانين جديدة للانتخابات والأحزاب، بهدف تعزيز المشاركة الحزبية وتطوير الحياة البرلمانية. إلا أن هذه الإصلاحات تسير تدريجيًا وبحذر، مما يُحدث فجوة بين تطلعات بعض القوى السياسية ونهج الدولة الحذر.
يُعدّ الرأي العام بشأن القضية الفلسطينية عنصرًا بالغ الحساسية في الأردن، نظرًا للروابط الديموغرافية والتاريخية. فمع كل تصعيد في الضفة الغربية أو قطاع غزة، يتزايد الضغط الشعبي من أجل موقف أكثر حزمًا تجاه إسرائيل، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على الخطاب السياسي الداخلي. تجعل هذه العوامل مجتمعةً البيئة الداخلية أكثر حساسية لأي قرار يُنظر إليه على أنه مُنحاز تمامًا لواشنطن أو مُتعارض مع الرأي العام.
على الرغم من هذه الضغوط، تبقى العلاقة مع الولايات المتحدة حجر الزاوية في الإستراتيجية الوطنية الأردنية. وتستند هذه العلاقة إلى ثلاثة أركان رئيسة؛ الدعم الاقتصادي المباشر، حيث تُعدّ الولايات المتحدة أكبر مانح ثنائي للأردن، مما يُوفر للمملكة الدعم المالي اللازم للحفاظ على استقرارها الاقتصادي والاجتماعي، والتعاون العسكري والأمني، حيث تُعدّ الأردن شريكًا محوريًا في مكافحة الإرهاب وتأمين حدودها، لا سيما في ضوء التحديات الناجمة عن سورية والعراق، واستضافة المملكة لقواعد ومنشآت عسكرية أميركية تُعزز التنسيق العملياتي؛ والتنسيق السياسي الإقليمي، الذي يلعب دورًا محوريًا، حيث تعتمد واشنطن على عمّان في القضايا الحساسة، بدءًا من إدارة التصعيد في الضفة الغربية وصولًا إلى الترتيبات الإقليمية الأوسع. بالنسبة للأردن، لا تُمثل هذه العلاقة خيارًا تكتيكيًا، بل عنصرًا هيكليًا في منظومة أمنه القومي.
لا يُمكن إدارة هذا التناقض الظاهر بين السياسة الداخلية والخارجية من خلال خطاب واحد، بل من خلال مزيج من السياسات المدروسة بعناية، بما في ذلك الفصل بين الخطاب والسياسة. تتخذ الأردن أحيانًا موقفًا سياسيًا حازمًا على الصعيد الداخلي، لا سيما في القضايا المتعلقة بالقدس أو الانتهاكات في الضفة الغربية، لاستيعاب الغضب الشعبي، مما يُتيح هذا الفصل إدارة الرأي العام دون المساس بالركائز الإستراتيجية.
تعزيز صورة الوسيط المستقل، تسعى الأردن إلى تقديم نفسها لواشنطن لا كطرف تابع، بل كفاعل مستقل يمتلك مفاتيح الاستقرار. عندما تنتقد عمّان علنًا السياسات الإسرائيلية، فإنها تبرر ذلك لشركائها الأميركيين باعتباره ضروريًا للحفاظ على الاستقرار الداخلي ومنع التصعيد. وبهذه الطريقة، تصبح المواقف الحازمة عنصرًا يخدم المصالح المشتركة بدلًا من أن يهددها.
استخدام الإصلاح السياسي كصمام أمان، ومن خلال فتح الباب أمام تمثيل حزبي أوسع، بما في ذلك القوى ذات التوجهات الإسلامية أو المعارضة، تسعى الدولة إلى احتواء حركات الاحتجاج ضمن الإطار المؤسسي. يقلل هذا النهج من احتمالية خروج السخط إلى الشوارع بشكل غير منضبط، ويمنح النظام قدرة أكبر على استيعاب الضغوط دون تغييرات جذرية.
تنويع الشراكات دون الإخلال بالتحالف: على الرغم من مركزية علاقتها مع الولايات المتحدة، عملت الأردن في السنوات الأخيرة على توسيع شبكة علاقاتها الإقليمية والدولية، سواء من خلال تعميق التعاون مع دول الخليج أو الانفتاح على قوى دولية أخرى. ومع ذلك، لم يصل هذا التنويع إلى حد إعادة التموضع الإستراتيجي، بل ظل ضمن حدود لا تُضعف التحالف مع واشنطن.
مع ذلك، فإن قدرة الأردن على إدارة هذا التوازن ليست مطلقة، ثمة ثلاثة عوامل قد تحدّ من هامش مناورته في المستقبل، فاتساع الفجوة بين الرأي العام والسياسة الرسمية؛ إذا تفاقمت الأزمات الإقليمية دون حلول سياسية، فقد يصعب الاستمرار في فصل الخطاب عن السياسة. وتراجع الدعم الاقتصادي الخارجي، أي انخفاض كبير في المساعدات الأميركية قد يضغط على الاستقرار الداخلي ويضعف القدرة على استيعاب الأزمات. وتحوّل في السياسة الأميركية قد تتغير أولويات واشنطن، أو قد يؤدي انشغالها بقضايا أخرى إلى تقليص مركزية الأردن في حسابات الولايات المتحدة، مما يدفع عمّان إلى إعادة تقييم بعض خياراتها.
لا يُدير الأردن تناقضًا بقدر ما يُدير معادلة "الاستقرار المشروط". يتطلب الاستقرار الداخلي هامشًا سياسيًا واقتصاديًا توفره الشراكة مع الولايات المتحدة، بينما يعتمد استدامة هذه الشراكة على قدرة الدولة على الحفاظ على تماسكها الداخلي. تُفسّر هذه المعادلة النهج الأردني القائم على البراغماتية والمرونة بدلاً من التوافق الأيديولوجي، فالمملكة لا تسعى لإعادة تعريف تحالفها مع واشنطن، بل إلى إعادة ضبطه باستمرار بما يتماشى مع التحولات الداخلية والإقليمية، بالنسبة لصناع القرار في واشنطن، يكمن الدرس الأساسي في إدراك أن عمق التعاون العسكري أو حجم المساعدات وحده لا يقيس قوة الشراكة مع الأردن، بل أيضاً مدى فهم التعقيدات الداخلية التي تحكم قرارات عمّان، إن دعم الاستقرار الأردني- اقتصادياً وسياسياً- لا يخدم المملكة فحسب، بل يُعزز أيضاً أحد أهم ركائز النظام الإقليمي الذي سعت الولايات المتحدة إلى ترسيخه، والذي ترسخ على مدى العقود الماضية.
وفي ظل بيئة شرق أوسطية متغيرة تتسم بتحالفات متقلبة وصراعات غير متكافئة متصاعدة، سيظل الأردن لاعباً حذراً، مفضلاً إدارة المخاطر على خيارات المواجهة، وإن كانت جذرية، وتُدرك المملكة أن أي تحالف غير مدروس قد يؤثر بشكل مباشر على جبهتها الداخلية الحساسة سياسياً واقتصادياً. لذا، تواصل عمّان الموازنة بين احتواء الضغوط الشعبية والحفاظ على قنوات التنسيق الإستراتيجي مع شركائها، وفي مقدمتهم واشنطن، هذا النهج، القائم على البراغماتية التدريجية، لا يمنح الأردن هامشاً أكبر للمناورة فحسب، بل يعزز أيضاً صورته كشريك موثوق في بيئة إقليمية شديدة التقلب.