عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    20-Mar-2025

الحضارات الآفلة: لماذا لا تعود للواجهة من جديد؟*موفق ملكاوي

 الغد

في الوقت الذي تشكلت فيه عبر قرون ماضية، وامتلكت القوة والتفرد، وسادت على أمم وشعوب كثيرة، يقبع شعوب الحضارات الماضية اليوم في أدنى سلم التطور والقوة، وامتلاك أدوات التنمية. وأيضا، فهم يشكلون المادة الأساسية للمستعمرين الذين يبحثون عن موارد جديدة.
 
 
ورغم وضعهم البائس هذا، إلا أنهم لا يلتفتون كثيرا للتفكير به، بل يبقون مأخوذين بنموذجهم الماضوي، ويصرون على التشبث به، وهم يبنون شبه قطيعة مع كل ما هو حاضر وحداثي ومدني.
 
لقد جاءت سيرورة الأحداث ومآلاتها في الماضي، ضمن اشتراطات زمنية ومعرفية معينة، وتلك الاشتراطات حكمتهم مع الشعوب الأخرى، وربما منحتهم بعض الأفضلية على خصومهم، ما أدى إلى سيادتهم عليهم. لكن الأمر اليوم يحتاج إلى ما هو أكثر من «بعض الأفضلية» من أجل التفوق، فاشتراطات التنمية والنهوض تشتمل على قائمة طويلة من الضروريات، والتي بغيابها يستحيل تحقيق التفوق.
لكن الأمر الآخر المهم أيضا، هو أن العالم يعيش في حالة اتصال دائمة، والدول القوية تراقب العالم كله، وهي قادرة على منع امتلاك أي دولة سبل القوة والتطور. هذا الأمر يحدث دائمة، فقد تشكلت على مدى القرون القليلة الماضية قوى إمبريالية، وتحالفات استعمارية، تشاركت في حكم العالم، ومنعت الآخرين من محاولة امتلاك القوة، فشنت الحروب والاستعمارات وحروب الوكالة، وغيرها من الأساليب التي أدت إلى محاصرة الشعوب وحكمها عن بعد، وعن طريق «أوليغارشيات» ربطتها بمصالحها.
كل هذا قاد إلى إحباطات كبيرة لدى الشعوب المقهورة، وجعلها تعتقد جازمة أن العودة إلى النماذج القديمة قادر على منحها وسيلة للقوة، وأنه لا يمكن لها امتلاك الحاضر أو المستقبل دون بالعودة إلى ذلك الماضي، و»نمذجة» الحاضر بحسبه، معتقدة أن الأمر سينجح اليوم، وأنها قادرة على صياغة تلك المعادلة المعقدة.
محاولة استرجاع النموذج الماضوي نفسه الذي كانت عليه عندما كانت قوية، جعلها تعيش ردة كبيرة، وتتمثل الماضي كله، من دون أن تلتفت إلى ما سواه، وهو أمر عطل التقدم والتنمية، ولعل أهم ما تم إهماله قوة العلم والبحث العلمي، فنحن نرى أن الأمم الضعيفة اليوم تقبع في أدنى درجات سلم الإنفاق على البحث العلمي وتوطين المعرفة والتكنولوجيا.
يجب على هذه الأمم أن لا تنسى أن إعادة التاريخ مهمة شبه مستحيلة، فالتاريخ يسير إلى الأمام، والأمم التي هزمتها وتصدرت التاريخ عرفت أن السر بامتلاك أدوات العصر، والشروط المطلوبة للانتصار، بينما مقولة «التاريخ يعيد نفسه» ليست ثابتة، وإن ثبتت فهي تتعلق بالحدث، وليس بالأدوات.
الأمم التي تنهض اليوم لا تعتمد على فض الاشتباك مع التاريخي والتراثي فقط، ولا على استلهام الحاضر وتجاذباته فقط، وإنما على قراءة المستقبل ومآلاته المعقولة والواقعية، والاحتمالات التي قد تنشأ عنها، ووضع سيناريوهات تخطي تلك التحديات، أو تعظيم الاستفادة من الفرص التي قد تولدها. بدون ذلك، سوف عرضة للاستعمار والاحتلال والاضطهاد.
قصر سيناريوهات التفوق والتفرد على نموذج واحد ماضوي، وعدم رؤية واستلهام التاريخ في سيرورته الطويلة والشائكة، يؤدي إلى حالة سكونية تعيق التفكير والبناء والتقدم، كما اؤدي إلى بناء تعارض بنيوي يتأتى من استلهام ماضوي لبناء حاضر ومستقبل.