عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    12-Oct-2026

السرارحة يضيء تحولات الشعر العربي الحديث بتجربة جبران والريحاني

 الغد-عزيزة علي

 يسلط كتاب "النثر الشعري والشعر المنثور: قراءة في نتاجي جبران خليل جبران وأمين الريحاني"، للباحث سراح محمود السرارحة، الضوء على التحولات التي شهدها الشعر العربي الحديث، متتبعا بدايات التجديد في تجربة جبران والريحاني ودورهما في تجاوز القوالب الشعرية التقليدية.
 
 
وتتناول الدراسة التي صدرت بدعم من وزارة الثقافة، عن دار ناشرون الآن وموزعون،
الرؤية الشعرية واللغة والإيقاع والصورة الفنية والاتجاهات القومية والإنسانية والفلسفية في نتاج الشاعرين، مؤكدة أن تجربتهما شكلت إرهاصا مهما لظهور أشكال شعرية جديدة، وأسهمت في التمهيد لقصيدة النثر العربية.
كتب عميد كلية الآداب واللغات في جامعة جدارا، الدكتور عبدالرحيم عزام مراشدة، تقديما للكتاب، بين فيه أن الباحث سراح السرارحة خاض مسارا نقديا صعبا حين وقف بين الشعري واللاشعري، فلم ينحز إلى ما يُعرف اصطلاحا بـ"قصيدة النثر"، ولا إلى القصيدة الكلاسيكية، بل شق لنفسه طريقا مختلفة، ساعيا إلى اجتراح رؤية خاصة تكشف جدية الباحث وتمرسه في القراءة. وقد انطلق من سؤال جدلي ومعرفي هو: "ما الذي يجعل من الكلام شعرا؟".
ويرى مراشدة أن هذا السؤال يذكّر بسؤال سارتر: "ما الأدب؟"، وما انتهى إليه من أن الأدبية في الأدب هي التي تجعل من الكلام أدبا. ومن هذا المنطلق، تصبح مكونات النص، وعلاقتها باللغة واختيار مفرداتها وأساليبها، عوامل تسهم في إنتاج نص مختلف قد يتخذ جنسا أو نوعا أدبيا جديدا. وقد أطلق الباحث، بصورة مباشرة أو مضمرة، السؤال المقابل: "ما الذي يجعل من الكلام شعرا؟"، وهو سؤال يتقاطع كذلك مع تساؤل أنسي الحاج في مقدمة مجموعته "لن": "هل يخرج من النثر قصيدة؟".
ويؤكد مراشدة أن الباحث لم يكن مقلدا أو محاكيا، بل حاول الكشف نقديا عن العناصر التي تجعل الكلام شعرا، مستفيدا من تاريخ التحولات التي شهدها الشعر العربي. فمنذ محاولة الخليل بن أحمد الفراهيدي تقنين الشعر العربي، ظل الشعر في حالة تجدد وتجاوز للقوالب؛ إذ لم يستطع الخليل الإحاطة بجميع إيقاعاته، ثم جاء الأخفش ببحر المتدارك، وتتابعت محاولات التجديد لدى بشار وغيره، وصولا إلى الموشحات في الأندلس. وهذا يؤكد أن الشعر لا يقبل الانضغاط في قالب جاهز، وأنه، في جوهره، متجاوز للقالب.
كما يشير إلى أن التحولات التي شهدتها القصيدة العربية الحديثة لدى السياب ونازك وثريا ملحس وغيرهم، فضلا عن تجارب شعراء المهجر، أسهمت في الانفلات من صرامة الشكل، والانتقال من كسر الإيقاع الخارجي إلى إعادة تشكيل البنية الداخلية والموضوعات والإيقاعات. وقد حملت هذه التحولات والتراكمات المعرفية الباحث على اقتراح طرائق جديدة في توصيف الشعر وكينونته.
ويرى مراشدة أن البنية الفلسفية والفكرية لدى الباحث أسهمت في تكوين وعي نقدي خاص، مكنه من تفكيك النصوص والخطابات وفحصها بعيدا عن المسلمات الجاهزة، مع الإفادة منها بقدر ما يخدم البحث والاستقصاء. ومن هنا جاءت أطروحاته حول "الشعر المنثور والشعر النثري"، وغيرها من التسميات غير المستقرة التي أطلقت على أنماط القصيدة العربية المعاصرة، متجاوزا بعض التصورات النقدية السائدة، وطارحا إمكانية وجود شعرية مفتوحة لا تنغلق على تعريف نهائي للنص الشعري.
ويستحضر مراشدة، في هذا السياق، بعض مقولات هيجل وفينلون حول الشعر والإيقاع والقافية، للدلالة على أن الشعر ظل دائما مجالا للتجاوز وإعادة النظر في أشكاله ووسائله. ومن ثم، فإن اجتراحات المؤلف حول "شعرية الشعر"، تقع في منطقة تتجاوز شعرية قصيدة النثر والتصورات السابقة غير المستقرة، وتحاول رتق ما تناثر من الرؤى النقدية، بما ينسجم مع طبيعة الشعر المتجددة وفق الزمان والمكان والتحولات الحضارية والفكرية.
ويخلص مراشدة إلى أن الجهد المبذول في الكتاب نوعي، وأنه يقدم بنيات تفكير تليق بالشعر والخطاب الشعري والقصيدة العربية المعاصرة، من دون أن يغلق الباب أمام تحولات الشعر المستقبلية. وفي هذا الإطار يستشهد بمقولة محمد لطفي اليوسفي: "الشعر يُعرَف مما ليس منه". ويرى أن السرارحة من الباحثين العرب الجادين الذين يبشرون بمستقبل نقدي واعد، وأن كتابه يشكل رافدا مهما لكل من يتابع تحولات الشعر والشعرية في الدرس النقدي الحديث.
يتحدث الباحث سراح محمود السرارحة، في مقدمته للكتاب، عن اغتراب الأدب العربي في العصر الحديث وتجدد بعض أشكاله خارج موطنه، ولا سيما مع هجرة عدد من الأدباء العرب، خصوصا من بلاد الشام، إلى الأميركتين. وقد حمل هؤلاء معهم هموم أمتهم وآمالها، وما رافق هجرتهم من آلام نفسية وحنين إلى الوطن، فضلا عن معاناتهم في مجتمعات جديدة تختلف في تكوينها الثقافي والاجتماعي عن مجتمعاتهم العربية.
ويرى السرارحة أن آلام الغربة والحنين إلى الوطن أسهما في تفجير طاقات المهاجرين الإبداعية، فتألق عدد من الشعراء ونضجت تجاربهم الأدبية، وظهرت لديهم أشكال شعرية جديدة كان لها أثر واضح في أجيال لاحقة من الأدباء العرب، رغم ما واجهته من معارضة نقدية.
ويؤكد أن جهود جبران خليل جبران وأمين الريحاني في تجديد الشعر العربي لم تكن محاولة عابرة، بل مثلت بداية مرحلة جديدة أفضت إلى ظهور أشكال من الشعر المنثور لم تكن مألوفة في الساحة الأدبية. وقد عبر شعرهما عن تجاربهما الوجدانية والفكرية وقضايا الوجود والحياة، مستفيدا من طاقات اللغة بوصفها أساسا للعملية الإبداعية.
ويرى أن "التمرد والتجدد" كان مدخلا إلى آفاق حداثية أسهمت في نقل النص إلى تشكيلات لغوية وإيقاعية جديدة، وأتاحت تجاوز الحدود التقليدية بين الأجناس الأدبية، وإقامة صلة بين الشعر والنثر ضمن نصوص هجينة أسهمت في بروز "النثر الشعري" و"الشعر المنثور".
ومن هنا جاءت هذه الدراسة بعنوان: "النثر الشعري والشعر المنثور: قراءة في نتاجي جبران خليل جبران وأمين الريحاني"، بهدف الكشف عن مظاهر الحركة الحداثية التي شهدتها القصيدة العربية وما نتج عنها من أشكال وخصائص وأفكار جديدة.
وتكونت الدراسة من تمهيد وأربعة فصول. تناول التمهيد نبذة عن جبران والريحاني، فيما بحث الفصل الأول "الشعر المنثور والنثر الشعري بين المفهوم والنشأة"، الدلالات اللغوية والاصطلاحية وإشكالية التجنيس وعوامل النشأة وأبرز الأعلام. وناقش الفصل الثاني "المؤثرات التكوينية للشعر المنثور والنثر الشعري"، المؤثرات العربية والغربية. أما الفصل الثالث "التجليات الفكرية في نتاجي جبران خليل جبران وأمين الريحاني"، فتناول الاتجاهات القومية والتأملية والإنسانية والفلسفية. وخصص الفصل الرابع لـ"قضايا فنية"، فدرس بنية اللغة الشعرية، والصورة الفنية، والظواهر الأسلوبية، والتشكيل الطباعي.
واعتمد البحث المنهج الوصفي التحليلي لتتبع الظاهرة المدروسة والكشف عن أبعادها وخصائصها. وخلص إلى عدد من النتائج، أبرزها أن الشعر العربي شهد إرهاصات مبكرة ورغبة متزايدة في التجديد، وأن الظروف الثقافية والاجتماعية كانت مهيأة لهذا التحول. كما أسهم احتكاك الشعراء المهاجرين بالحضارات الأخرى، وفي مقدمتهم جبران والريحاني، في تأسيس رؤى جديدة لتحديث الشعر العربي وتجاوزه بعض أشكال عصر النهضة.
وبينت الدراسة، كذلك، أن تجربتي جبران والريحاني شكلتا محطة مهمة في تحولات النص الشعري، وأسهمتا في التمهيد لولادة أنماط شعرية جديدة. ويأمل الباحث أن تفتح هذه النتائج المجال أمام دراسات لاحقة تواصل البحث في تلك المرحلة، وتعيد قراءة الشعر والنقد العربيين من منظور نقدي جديد.
وقد خلصت الدراسة إلى أن تجربة جبران خليل جبران وأمين الريحاني تمثل مرحلة مهمة في مسيرة التجديد الشعري العربي، من خلال تمردهما على القوالب التقليدية وانفتاحهما على لغة شعرية تستجيب للحياة ومشاعر الإنسان وقضاياه. وقد أسهمت تجربتهما في ترسيخ الشعر المنثور والنثر الشعري، بوصفهما شكلين يجمعان بين خصائص الشعر والنثر، ويمهدان لظهور قصيدة النثر العربية.
وأظهرت الدراسة أن التكرار، والتوازي، والتقابل، والإيقاع الداخلي، والصورة الشعرية، كانت من أبرز الأدوات الفنية في نتاج الشاعرين، وأسهمت في إثراء الدلالة والجمال والتأثير في المتلقي. كما برز الاتجاه التأملي في شعرهما من خلال امتزاج مظاهر الطبيعة بمشاعرهما وأفكارهما.
وكشفت الدراسة عن حضور واضح للاتجاهات القومية والإنسانية والفلسفية في نتاجهما، ولا سيما الدعوة إلى الوحدة العربية، والتعبير عن قضايا الإنسان والحرية والظلم والحياة والوجود. وتميزت لغتهما بصدق العاطفة والعمق الوجداني، مما أسهم في استمرار تأثير أدبهما وتجاوزه حدود الزمان والمكان.
وتؤكد الدراسة، في مجملها، أن جبران والريحاني لم يقدما مجرد تجديد شكلي في الشعر، بل أسهما في إحداث تحول في الرؤية واللغة والإيقاع والبناء الفني، ومهدا الطريق أمام تطور الشعر العربي الحديث وأشكاله الجديدة.