عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    14-Jun-2019

مُعاداة السامِيَّة وتدوير العنصرية - د. عامر الحافي
 
الدستور - قامت محطة «توك راديو» الإذاعية قبل بضعة أيام، بإيقاف البرنامج الأسبوعي للنائب البريطاني السابق «جورج غالاوي»، بسبب تغريدة له على تويتر، اعتُبرت «معادِيَة للسّامِيَّة». وقال غالاوي في تغريدته، التي جاءت عقب مباراة نهائيِّ دوري أبطال أوروبا بين ليفربول وتوتنهام: «لا أعلام إسرائيلية في الكأس!». وذلك في إشارة إلى العلاقات القوية التي تربط توتنهام، بالمشجعين اليهود المؤيِّدين لإسرائيل.
تُذكِّرنا هذه القضية بما حدث في فرنسا عام 2004، عندما عُزل الصحفي الفرنسي «آلان مينارغ» نائب المدير العامّ لإذاعة فرنسا الدولية، بسبب وَصفِه إسرائيل بأنها «عنصرية».
تتَّصل قضية معاداة الساميَّة بشكل مباشر بالاضطهاد، الذي تَعرَّض له يهود أوروبا في القرون الوسطى بشكل عامّ، وعلى يد الحركة النازيّة بشكل خاصّ، خلال الحرب العالمية الثانية؛ ونَتج منها مقتل قرابة ستة ملايين يهوديّ(ة). وبعيدًا عن المبالغات الرقمية، فإن ما حصل لليهود الأوروبِّيِّين/ات يُعتبر جريمة بشعة، لا مجال لتبريرها بشكل من الأشكال، ولا مجال أيضًا للتكفير عنها بدعم إسرائيل، أو بتسويغ الجرائم التي يقترفها الاحتلال الصهيوني.
هناك جدل كبير حول صلة كثير من اليهود الغربيِّين بالساميِّين -هذا على افتراض وجود عِرْق مخصوص بهذا الاسم-. وعلى سبيل المثال: يذهب آرثر كوستلر في كتابه «إمبراطورية الخزَر وميراثها»، إلى أنّ: «الأغلبية العظمى من اليهود الباقين في العالم هُم من أصل أوروبي شرقي، ومن ثَمَّ من أصل خزري. وإذا كان الأمر كذلك فإن هذا قد يعني أن أسلافهم لم يأتوا من وادي الأردن، وإنما من الفولجا «. وعلى مستوى الدراسات الأنثروبولوجية، لا يوجد لدينا «عِرْقٌ سامِيٌّ»؛ وإنما لدَينا لُغات ساميَّة، منها: اللغات العِبْرية والعربية والأمهرية والآرامية. ومن هنا، ندرك أن إطلاق تسمية العِرق الساميِّ على اليهود دون غيرهم، ينطوي على مجازفة علمية لا يمكن قبولها.
لا بد من فهم العلاقة الوثيقة بين تشريع قوانين تُجرِّم مُعاداة الساميّة، ومحاولة التكفير عن عقدة الشعور بالذنب، التي يعيشها كثير من أبناء المجتمع الغربي، نتيجة ما قام به أجدادهم من اضطهاد وظلم تجاه اليهود. أيضًا لا بد من إيقاف استغلال دوائر النفوذ الصهيونية لذلك الشعور الجمعي، باتجاه دعم إسرائيل والسكوت عن جرائمها، في حقِّ الشعب العربي الفلسطيني.
في محاولة منه لتعميم مشكلة معاداة الساميَّة وتدويلها، يذهب الكاتب اليهودي برنارد لويس في كتابه «الساميُّون والمُعادُون للساميّة»، إلى أن مُعاداة الساميّة أصبحت جزءًا أساسيًّا من الحياة الفكرية العربية، ويَعتبر مقارَنة «الصهيونية» بالنازيّة شكلًا من أشكال المعاداة للساميّة. ولا يحاول لويس التفريق بين كراهيَة اليهود لاعتبارات دينية عَقَدِيّة، وكراهيَة ما قامت به –وما تزال- العصابات الصهيونية، من قتل وتشريد للشعب الفلسطيني.
كثيرًا ما يَتَّهم المدافعون/ات عن قوانين تجريم معاداة الساميَّة، النصوصَ الدينية المسيحية، بمعاداة الساميّة، حسب ما يَقْرؤون في قول المسيح للفريسيين: «يا أولاد الأفاعي! كيفَ تقدرُونَ أن تتكَلَّمُوا بالصَّالحاتِ وأنتُمْ أشرارٌ؟» (مت 12: 34). كذلك يتهمون النصوص القرآنية التي تخاطب اليهود، كما في الآية: {ولقدْ علمْتمُ الَّذينَ اعتدَوْا منكُمْ في السَّبتِ فقلنَا لهُمْ كونُوا قرَدَةً خاسِئِينَ} [البقرة: 65]. والواقع أن هذا الخطاب النقدي لليهود في الإنجيل والقرآن، يخصُّ العصاة الخارجين/ات عن شريعة موسى، لا عموم أتباعه. والدليل على ذلك، أن القرآن يمتدح اليهود الذين يَهتدُون بالحقِّ ويقيمون العدل، بقوله: {ومِن قومِ موسَى? أمَّةٌ يهدُونَ بِالحَقِّ وبِهِ يعدِلُونَ} [الأعراف: 159].
لا يختلف ما جاء في الإنجيل والقرآن، عن النقد الشديد الذي تُوجِّهه بعض الأسفار اليهودية إلى العصاة من اليهود، كما في قول النبي إِرْمِيَا: «هَلْ رأيْتَ ما فعلتِ العَاصيةُ إسرَائيلُ؟ انطلقَتْ إلَى كُلِّ جبلٍ عالٍ، وإِلى كُلِّ شجرَةٍ خضرَاءَ وزنَتْ هناكَ» (إرميا 3: 6)، وقوله أيضًا:» لأنَّ شعبي أحمقُ. إيَّايَ لم يعرفوا. هم بنُونَ جاهلُونَ وهمْ غير فاهمِينَ. همْ حكماءُ في عملِ الشَّرّ، ولعملِ الصَّالحِ ما يَفهَمُونَ» (إرميا 4: 22).
لا بد من تأكيد أن معاداة اليهود باعتبارهم «أشرارًا بالفطرة»، تنطوي على فكرة عنصرية مريضة، قام المشروع الصهيوني باستغلالها وإعادة تدويرها باتجاه الشعب الفلسطيني. فمُعاداة أتباع أيِّ دين أو عِرق، لمجرَّد كَونهم ينتسبون إلى ذلك الدِّين أو العِرق، تُمثِّل جهلًا وحماقة، لا يمكن تبريرها أو الدفاع عنها. وبناءً على ذلك، فإنَّ اختزال جريمة معاداة السامِيَّة بمعاداة اليهود، دون رفض خطابات الكراهيَة تجاه العرب أو المسلمين/ات، أو غيرهم من أيِّ أبناء قَوميّة أو ديانة كانوا؛ يبقى فارغًا من مضمونه الأخلاقي، ومجرَّد صيغة للتمييز، وإعادة تدوير للعنصرية البغيضة.
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات