عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    27-Apr-2026

إيران والجغرافيا المضادة*هزاع البراري

 الراي 

هكذا تصبح الجغرافيا مضادّة، وتنقلب على أصحابها، فبقدر أهمية الموقع الجغرافي وعلاقته الجوهرية في الاستراتيجية الجيوسياسية لأي دولة، يكون في الوقت ذاته جلّابًا للمصاعب والأطماع، وبؤرةً مولِّدة للصراعات والحروب، خاصة إذا ما اقترن ذلك بسوء السلوك الإقليمي والدولي، وما يفضي إليه هذا السلوك من تهديد مصالح الشركاء الإقليميين، وسلامة التجارة الدولية، وأمن سلاسل التوريد، وتهديد السلم والاستقرار الدوليين. وهنا، بالتحديد، تتحول الميزات الجغرافية إلى نقاط ضعف تنخر قواعد الدولة على المدى البعيد، وهذا بلا شك مردّه التوظيف الخاطئ للجغرافيا السياسية، باعتبارها سلاحًا متعدد الاستخدامات، والحدّ الفاصل بين أن تصبح الجغرافيا مصدرًا رئيسيًا للتنمية والرخاء، وجسرًا للتواصل والتعاون وبناء العلاقات النافعة، وبين أن تتحول إلى أداة لصناعة هيمنة إقليمية/ عالمية وتهديد وجودي للجوار.
 
عمل نظام إيران دائمًا على توظيف الجغرافيا لصالح أطماعه إقليميًا ومكاسبه عالميًا، مستخدمًا أساليب متعددة، دمج خلالها تعميق الأبعاد الأيديولوجية والعسكرية في بناء أذرع/ميليشيات عابرة لحدود الدول المجاورة، والأمثلة على ذلك واضحة للعيان، ونتائجها المدمرة تعلن عن نفسها كل يوم في عدد من دول المنطقة، بما يشمل شبكات العملاء والخلايا التخريبية الإرهابية. كما عمل على إدخال الجغرافيا كأداة حرب لا هوادة فيها، مستغلًا ما يمثله الموقع الجغرافي/الجيوسياسي لإيران من مصادر قوة متعددة التأثير؛ فإيران بوابة آسيا الوسطى الغنية بالموارد الطبيعية، ولها شواطئ طويلة على بحر قزوين، ملتقى دول العمق الآسيوي، ومنفذ تجاري استراتيجي بعيد نسبيًا عن التأثير الدولي المباشر. كما أن تفردها بالساحل الشرقي للخليج العربي، وهيمنتها على عدد من الجزر الرئيسية فيه، جعلها تستشعر حجم مكانتها الجغرافية وهي تمسك بأهم مصادر وممرات الطاقة العالمية، وكل هذه العوامل عززت اعتقادها بقدرتها على أن تكون دولة محورية ذات نفوذ إقليمي مقبول عالميًا.
 
هذا هو عقل إيران، ليس اليوم فقط، لكنه يتجلى بشكل سافر في هذه المرحلة؛ فما برنامجها النووي والصاروخي، وما يتبعه من أسراب المسيّرات، إلا تعبير عن هذا التفكير. وقد عبّر نظام الحرس الثوري عن ذلك بوضوح عندما قام بإغلاق مضيق هرمز، ليعلن للعالم أنه يمسك بمفاتيح لعبة الأمم، وقادر على خنق شرايين الاقتصاد العالمي. ويندرج ضربه لمصادر وخطوط إمداد النفط والغاز في دول الخليج ضمن سياسة خلق ورقة ضغط جغرافية على العالم بأسره.
 
لكن النظام في إيران نسي أن الجغرافيا قد تنقلب إلى الضد في أي لحظة حاسمة، وأن الميزة قد تتحول إلى نقطة ضعف؛ فقيام الولايات المتحدة بفرض حصار على إغلاق المضيق حوّل هذه الورقة الاستراتيجية إلى أداة خنق لأهم موارد إيران. فالخليج هو روح الاقتصاد الإيراني تصديرًا واستيرادًا، وقد ضُربت سلاسل الإمداد الرئيسية، وتعطل تصدير النفط الإيراني، في وقت هي بأمسّ الحاجة فيه إلى تخفيف أضرار الحرب، وإعادة الإعمار، وتحسين الواقع المعيشي المتردي للشعب، مما قد يدفع الداخل إلى مرحلة يصعب على النظام احتواؤها.
 
إن محاولة إيجاد بدائل سريعة ومنافسة، مثل النقل البري وخطوط السكك الحديدية، تبدو خيارات غير واقعية؛ إذ تحتاج إلى إعادة تأهيل بكلف باهظة ووقت طويل، وهي في جميع الأحوال غير منافسة من حيث الكلفة والزمن، مما يجعل تحقيقها عمليًا شبه مستحيل في المدى القريب، قبل إعادة بناء منظومة الشحن البري بشكل جذري، وهو ما يتطلب سنوات ومليارات الدولارات. يضاف إلى ذلك أن العالم قادر على إيجاد بدائل متعددة للنفط الإيراني، كما أن دول الخليج تمتلك بدائل فعلية لمضيق هرمز، مثل ميناء الفجيرة وموانئ البحر الأحمر وغيرها، وهي بدائل جاهزة يمكن أن تصبح أكثر فاعلية على المدى الاستراتيجي. ولعل من أهم نتائج هذه الحرب تنبّه دول الخليج إلى ما تملكه من خيارات جغرافية، وهو ما تفتقر إليه الجغرافيا الإيرانية في المنظورين القريب والمتوسط.