الغد
مارك ألموند – (الإندبندنت) 11/4/2026
بعد وصف دونالد ترامب للتحالف الغربي بأنه "نمر من ورق"، وإعلانه صراحة أنه يدرس التخلي عنه، لم يعد تهديده بالانسحاب من "الناتو" مجرد ابتزاز سياسي عابر، وإنما تحول إلى إنذار إستراتيجي يضع أوروبا أمام احتمال فقدان المظلة الأميركية في مواجهة روسيا وأزمات الخليج معا. وفي ظل إدراك القادة الأوروبيين أن بناء بديل أوروبي للحلف لن يكون سريعًا ولا رخيصًا، تبدو القارة أقرب من أي وقت مضى إلى اختبار قاسٍ: هل تستطيع الدفاع عن نفسها وحماية مصالحها من دون واشنطن؟
ليست هذه المرة الأولى التي يفجر فيها دونالد ترامب قنبلة سياسية. وعلى خلاف ضرباته الجوية التي وجهها إلى إيران في شباط (فبراير)، لم تكن هذه القنبلة مفاجئة تماماً، لكنها لا تقل أضراراً بالنظام العالمي.
فقد هاجم الرئيس الأميركي "حلف شمال الأطلسي"، (الناتو)، واصفاً إياه بأنه "نمر من ورق"، وكشف عن أنه "يفكر بجدية" في سحب الولايات المتحدة منه، بعدما امتنع أعضاؤه عن الانضمام إليه -أو بالأحرى عن نجدته- في مغامراته الخاطئة في الشرق الأوسط.
هل يتحول "الناتو" إلى ضحية جانبية لحرب الخليج الكارثية التي يقودها دونالد ترامب؟ من المؤكد أن تهديده هذا يعرض شبكة واسعة من التحالفات العالمية التي كانت قد بنيت على مدى 80 عاماً، لخطر الانهيار. لكن هذه ليست المرة الأولى التي يواجه فيها الحلف أزمة وجودية ويخرج منها.
قبل 35 عاماً، مع نهاية الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفياتي، شاع داخل مقر "الناتو" في مونس البلجيكية شعار: "إما الخروج من النطاق، أو الخروج من الخدمة". وقد عبّرت هذه العبارة، المنسوبة إلى السيناتور الأميركي ريتشارد لوغار، عن حاجة الحلف إلى الاضطلاع بمهام جديدة تتجاوز القارة الأوروبية لتبرير استمراره: إما أن يتنوع أو أن يزول.
وقد فعل. لكن الحرب التقليدية واسعة النطاق عادت لاحقاً، أولاً مع الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا، وهو أكبر نزاع مسلح في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية؛ ثم الآن مع توغلات الولايات المتحدة وإسرائيل في منطقة الخليج.
على الرغم من كل تهديدات ترامب واحتجاجاته، لم يقف "الناتو" على الحياد تماماً خلال غاراته على طهران. وبينما رفضت أطراف رئيسة مثل إسبانيا وفرنسا وإيطاليا السماح بعبور الطائرات أو إعادة تزويدها بالوقود، قدمت دول كثيرة في الحلف أشكالاً مختلفة من الدعم. فقد سمحت المملكة المتحدة للولايات المتحدة باستخدام قواعدها الجوية -ومنها دييغو غارسيا- للمشاركة في قصف "دفاعي" لإيران. وأتاحت ألمانيا استخدام قاعدة رامشتاين في عمليات الإمداد والإجلاء الطبي من منطقة الخليج. وعرضت الدنمارك إرسال كاسحات ألغام للمساعدة في تنظيف الممرات البحرية بعد أي عملية محتملة لفتح مضيق هرمز.
لكن انزعاج ترامب الطفولي من رفض الأوروبيين الانتظام في حربه المزاجية يخفي حقيقة أعمق، وهي أن الاستراتيجيين الأميركيين لطالما شعروا بخيبة أمل من كلفة الدور الذي تؤديه بلادهم داخل "الناتو".
ويراهن المتفائلون الذين يعدّون الأيام حتى مغادرة ترامب البيت الأبيض على قانون أقر في العام 2024، قبل توليه المنصب، يمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من تحالف قائم على معاهدة من دون موافقة مجلس الشيوخ. وهذا يجعل الانسحاب الرسمي من "الناتو" أمراً صعباً على ترامب، لكن بوسعه عملياً سحب تعاونه مع الحلف. على سبيل المثال، إذا تعرضت إحدى دول البلطيق لهجوم روسي، فقد يرفض ببساطة الإذن باتخاذ إجراء بموجب المادة الخامسة من "معاهدة شمال الأطلسي".
تنص المادة الخامسة، وهي حجر الزاوية في الحلف، على أن الهجوم على عضو واحد هو هجوم على الجميع، لكنها لا تلزم الأعضاء إلا بفعل ما يراه كل منهم مناسباً. وقد يقرر الرئيس ترامب أن عدم فعل أي شيء هو التصرف المناسب.
عندما وصف ترامب الأعضاء الأوروبيين في "الناتو" بأنهم "نمر من ورق"، أضاف بنبرة مقلقة: "بوتين يرى ذلك أيضاً". والسؤال الذي تركه معلقاً هو ما إذا كانت القوتان النوويتان الأخريان في الحلف، -بريطانيا التي قال ترامب إنها "لا تملك حتى بَحرية"، وفرنسا- قادرتين على تعويض المظلة النووية الأميركية. هل يمكن للندن أو باريس، في غياب واشنطن، أن تخاطرا بالفناء النووي دفاعاً عن تالين أو ريغا؟
تجعل هيمنة ترامب على المشهد الدولي من السهل نسيان أنه ليس وحده داخل الإدارة الأميركية الذي يرى أن تردد الأوروبيين في دعم الحرب على إيران قد يدفع واشنطن إلى إعادة النظر في "الناتو". فقد لوح وزير الخارجية، ماركو روبيو، بهذا الاحتمال في مقابلات عدة خلال الأيام الأخيرة، متراجعاً عن دعمه السابق المطلق للحلف.
لن يكون من الحكمة أن يفترض الأوروبيون أن "الناتو" سيعود إلى العمل الطبيعي بعد انتخابات الرئاسة الأميركية في العام 2028. فحتى لو خلف ترامب رئيس ديمقراطي في البيت الأبيض، فلن يتراجع إصرار واشنطن على أن تتحمل أوروبا، بما فيها المملكة المتحدة، نصيباً أكبر بكثير من أعباء الحلف. وكل ما في الأمر هو أن أسلوب لي الذراع سيصبح أكثر تهذيباً.
لن يكون بناء بديل أوروبي متماسك وفعال لـ"الناتو"، أو حتى مجرد ركيزة موازية للركيزة الأميركية داخله، رخيصاً ولا سهلاً ولا سريعاً. وسوف يتطلب ذلك كل شيء، من الإنتاج الكثيف للطائرات المسيرة ووسائل مكافحتها إلى معدات المراقبة عبر الأقمار الاصطناعية، في اقتصاد عالمي بات أقل مواءمة للأوروبيين مما كان عليه قبل هجوم 28 شباط (فبراير) الماضي.
ومع استعداد أوروبا للتعامل مع مرحلة ما بعد حرب الخليج التي يقودها ترامب، وهو الذي قال في مقابلة صحفية أن الولايات المتحدة يمكنها "إنهاء المهمة" في إيران خلال أسبوعين أو ثلاثة، بات على الأوروبيين أن يبدأوا الاستعداد لليوم التالي لـ"الناتو".
فهل يستطيعون وحدهم ردع روسيا، وضمان الملاحة في الخليج، أو حتى حماية غرينلاند من دون الأميركيين؟ الحقيقة المزعجة هي أنهم قد يضطرون إلى المحاولة، عاجلاً وليس آجلاً.
*مارك ألموند Mark Almond: مؤرخ وصحفي ومعلّق سياسي بريطاني، يكتب بانتظام في صحيفة "إندبندنت" حول الشؤون الدولية والجيوسياسية، خاصة ما يتعلق بروسيا وأوروبا الشرقية والشرق الأوسط. عمل أستاذًا زائرًا في دراسات الشرق الأوسط في كلية أوييل بجامعة أكسفورد، واشتهر بتحليلاته للتاريخ السوفياتي والسياسة الروسية المعاصرة والعلاقات الدولية. كما شارك في تقديم برامج وتحليلات سياسية في وسائل إعلام بريطانية ودولية متعددة.