عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    08-Mar-2026

"جالوب".. للتاريخ كلام آخر*جمال الكشكي

 الغد

في اللحظة التي يحاول فيها بنيامين نتنياهو إعادة رسم خريطة تحالفاته عبر بوابة آسيا وأفريقيا، مستندا إلى علاقات متنامية مع الهند ودول أخرى، يتكشف مسعاه لتوسيع نطاق الصراع خارج حدوده المباشرة، بحيث يتحول اتساع الحروب إلى جزء من إستراتيجية مفتوحة الأفق تتجاوز الحسابات الأمنية إلى رهانات أيديولوجية ورمزية، ومع ذلك يظل هذا الطموح معلقا على رافعة الدعم الأمريكي والغربي، الأمر الذي يجعل أي اندفاعة إقليمية رهنا بتحولات الداخل الأمريكي قبل أي ساحة أخرى.
 
 
غير أن الداخل الأميركي يتغير بوتيرة لا تبدو منسجمة مع حسابات نتنياهو ودائرته الضيقة، وفي خضم هذا التحول جاء استطلاع مؤسسة "جالوب" ليضع مؤشرا واضحا على تبدل المزاج العام، ف"جالوب" مؤسسة أميركية متخصصة في استطلاعات الرأي العام والبحوث الإحصائية تأسست في ثلاثينيات القرن العشرين على يد جورج جالوب، وتعد مرجعا بارزا في قياس اتجاهات الرأي داخل الولايات المتحدة وخارجها، كما تعتمد نتائجها في الأوساط الأكاديمية والإعلامية ودوائر صنع القرار بوصفها مؤشرا معتبرا على تحولات الرأي العام.
وفي هذا السياق يعكس أحدث استطلاع صادر عن " جالوب" تحولا عميقا في نظرة الأميركيين إلى الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، إذ يتقدم التعاطف مع الفلسطينيين على التعاطف مع الإسرائيليين بعد عقود ظلت فيها الكفة تميل بوضوح إلى جانب إسرائيل.
ويحمل هذا التغير طابعا لافتا، فالمقارنة بالسنوات القريبة الماضية تكشف تراجعا في المكانة المعنوية لإسرائيل داخل المزاج الشعبي الأميركي، في مقابل صعود ملحوظ في التعاطف مع الفلسطينيين، ما يشير إلى إعادة تشكل بطيئة لكنها ثابتة في النظرة العامة إلى الصراع، ولا سيما عقب الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة وما رافقها من تدفق صور ومشاهد دامية إلى الفضاء العام الأميركي.
كذلك تظهر القراءة الحزبية أن المستقلين كانوا في طليعة هذا التحول بعدما انتقلوا من ميل تقليدي نحو إسرائيل إلى مواقف أكثر توازنا تميل في بعض مؤشراتها إلى الجانب الفلسطيني، بينما واصل الديمقراطيون انحيازهم الواضح للفلسطينيين، في حين ظل الجمهوريون الأكثر دعما لإسرائيل مع تراجع نسبي مقارنة بسنوات سابقة، وبذلك يتشكل مشهد حزبي أكثر انقساما وأقل ثباتا مما عرفته العقود الماضية.
أما على المستوى الجيلي فيبرز تحول أعمق، إذ تميل الفئات العمرية الأصغر إلى تعاطف أكبر مع الفلسطينيين، وتراجع في مستويات الدعم التقليدي لإسرائيل، وهو اتجاه يعكس إعادة صياغة للوعي السياسي لدى جيل يتشكل بعيدا عن روايات الحرب الباردة، والتحالفات الصلبة التي حكمت الموقف الأميركي طويلا.
وفي الصورة العامة تقترب النظرة الإيجابية لإسرائيل من أدنى مستوياتها التاريخية، بينما تسجل النظرة الإيجابية تجاه الفلسطينيين مستويات غير مسبوقة، حتى إن بعض الفئات باتت تنظر إلى الطرفين بدرجة متقاربة، وهو تطور رمزي يعكس اهتزاز الصورة النمطية التي سادت لعقود.
وعند سؤال الأميركيين عن مستقبل الحل السياسي تحظى فكرة إقامة دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل بدعم واضح مع تباين حزبي معروف، ما يعني أن حل الدولتين بات طرحا مقبولا في الوعي الأميركي وخيارا يحظى بشرعية شعبية معتبرة.
إضافة إلى ذلك يربط مراقبون هذا التحول بتنامي تأثير الحركات الشعبية المؤيدة لفلسطين داخل الولايات المتحدة، من خلال الحراك الطلابي، وحملات المقاطعة، وسحب الاستثمارات، والضغط داخل الكونجرس، فضلا عن الحضور الكثيف على منصات التواصل الاجتماعي، كما أسهم توثيق ما يجري في الضفة الغربية وقطاع غزة وبثه مباشرة إلى الجمهور الأميركي في إعادة تشكيل الوعي العام، لا سيما بين الشباب والمستقلين، إلى جانب أصوات إعلامية وسعت دائرة النقاش، ومن بينهم تاكر كارلسون الذي أجرى حوارا لافتا مع مايك هاكابي  السفير الأميركي في إسرائيل وأحد رعاة الفكرة الإسرائيلية، تناول فيه طبيعة الدعم الأميركي لإسرائيل وحدود الانخراط في صراعات مفتوحة، وقد شكلت آراء هاكابي صدمة للرأي العام الأميركي .
وبناء على ذلك تبدو أي محاولة لجر الولايات المتحدة إلى صراعات أوسع أكثر تعقيدا مما كانت عليه في السابق، إذ يشهد الرأي العام الأميركي تحولا يعيد طرح أسئلة الكلفة والجدوى وحدود القوة، ومن ثم يغدو الطريق إلى الدولة الفلسطينية أقصر على مستوى الوعي الشعبي الأميركي، بينما تتزايد الضغوط الداخلية لإعادة النظر في طبيعة الالتزام الإستراتيجي في الشرق الأوسط ومآلاته على النظام الدولي المقبل.
ولعل نتنياهو ودائرته يشعرون بشيء من الردع بعد هذا الاستطلاع، ما قد يضعف قدرتهم على دفع واشنطن إلى خوض مواجهة تبدو وشيكة مع إيران، إذ إن أي اندلاع لمثل هذا الصراع كفيل بتغيير وجه العالم، ومن هنا تبدو الحاجة ملحة أمام دول الإقليم لقراءة هذا التحول في المزاج الأميركي، والاستفادة منه قبل أن تتبدل المعادلات من جديد.