لندن ـ «القدس العربي»: أصبحت شبكات التواصل الاجتماعي أكثر خطراً على البشر من كثير من العادات السيئة والضارة مثل الكحول وربما المخدرات، وذلك بسبب أنها تسبب الإدمان وتؤدي إلى العديد من الأضرار النفسية والبدنية، وخاصة بالنسبة للمراهقين والأطفال ومن هم في مقتبل العمر من الطلبة والذين وصل الحال ببعضهم أنه فقد حياته بسبب نشاطه على شبكات التواصل الاجتماعي.
وأظهر بحث جديد في ألمانيا، يسلط الضوء على ارتفاع عدد المراهقين الذين يطورون عادات إدمانية وخطيرة مرتبطة بوسائل الإعلام الرقمية، أن شبكات التواصل الاجتماعي والألعاب الإلكترونية أصبحت أكثر تهديداً وأكثر خطورة على المراهقين من استهلاك المشروبات الكحولية وتعاطي الحشيش والإدمان عليهما.
ونقلت وكالة «أسوشيتد برس» في تقرير لها عن راينر توماسيوس، المدير الطبي للمركز الألماني لحالات الإدمان في الطفولة والمراهقة بجامعة المركز الطبي هامبورغ-إيبندورف التي أجرت الدراسة، قوله: «إننا نواجه تسونامي من اضطرابات الإدمان بين صغار السن، والذي أعتقد أننا نقلل من شأنه تماماً».
وخلصت الدراسة إلى أن أكثر من ربع المراهقين الذين تتراوح أعمارهم بين عشرة أعوام و17 عاماً يظهرون استخداماً مفرطاً أو خطيراً لوسائل التواصل الاجتماعي، بينما يُعتبر 4.7 في المئة منهم مدمنون عليها وفقاً للخبراء.
وصرح توماسيوس: «إن الأرقام المتعلقة بالاستخدام المثير للمشاكل لوسائل التواصل الاجتماعي أعلى بخمس كرات إلى خمسين مرة مقارنة بالاستهلاك الخطير للقنب والكحول في هذه الفئة العمرية».
وعلى الرغم من أن استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، على عكس الكحول أو القنب، لا يؤثر بشكل مباشر على الجهاز العصبي المركزي، إلا أنه يؤثر على ما يُعرف علمياً بـ«نظام المكافأة في الدماغ».
وأضاف توماسيوس أن هناك خطورة من الإدمان في الحالتين، إذ «يؤدي الاستخدام المفرط إلى البحث المستمر عن المزيد وفقدان السيطرة». وأوضح أن «الوقت الكبير المستهلك في استخدام تطبيقات التواصل الاجتماعي يؤدي إلى إهمال جوانب أخرى من الحياة».
ويشار إلى أن فقدان السيطرة على سلوكيات التعامل مع تطبيقات التواصل الاجتماعي قد تكون له تداعيات خطيرة على حياة صغار السن، إذ يؤدي في كثير من الحالات إلى تراجع الأداء الدراسي، الذي قد يصل إلى الفشل، إضافة إلى العزلة الاجتماعية، وفقدان الاهتمام بالأنشطة الترفيهية، وازدياد الخلافات العائلية. ووفقاً للدراسة، فإن الصبية أكثر تأثراً بهذه الظاهرة، حيث يعاني 6 في المئة منهم من الاستخدام المرضي لوسائل التواصل الاجتماعي، مقابل 3.2 في المئة من الفتيات. ويرى توماسيوس أن الفتيات غالباً ما يتمتعن بمهارات اجتماعية أقوى خلال فترة البلوغ، حيث يمارسن هذه المهارات بطرق مختلفة وفقاً لأدوارهن المجتمعية، ما يجعلهن أقل عرضة للعزلة مقارنة بالصبية، وهو عامل رئيسي في الوقاية من الإدمان الشديد.
وأوضح توماسيوس أن الفرق بين الاستخدام الخطير والمرضي لتطبيقات التواصل الاجتماعي ليس واضحاً دائماً، مشيراً إلى أن الأعراض المبكرة عادةً ما تشمل تراجع الأداء الدراسي وفقدان الاهتمام بالدروس. ومع ذلك، قد تكون هذه المشاكل ناتجة أيضاً عن أزمات البلوغ أو الاضطراب العاطفي الناجم عن الضغط بين أصدقاء المدرسة. ويُصنف استخدام تطبيقات التواصل الاجتماعي مرضياً عندما تستمر الأعراض مدة 12 شهراً على الأقل. وقد استخدمت الدراسة هذا المعيار عمداً لتجنب التشخيصات المتسرعة، وللتمييز بين الإدمان الفعلي والأزمات المؤقتة المرتبطة بمرحلة المراهقة.
وأكد توماسيوس على ضرورة تدخل الآباء مبكراً قبل أن يتفاقم الإدمان، مشدداً على أهمية استخدام الآباء حدسهم وخلق علاقة جيدة مع أبنائهم وبناتهم. وبجانب التنظيم المستمر لوقت ومحتوى استخدام تطبيقات التواصل الاجتماعي، من المهم بصورة خاصة أن يظهر الآباء اهتماماً بأنشطة أبنائهم الإلكترونية، كما «عليهم تقديم الإرشاد، حيث يتعين عليهم أن يكونوا معلمين ومشرفين جيدين».
لكن العديد من أولياء الأمور يشعرون بالضغط بسبب انتشار تطبيقات التواصل الاجتماعي وعجزهم عن التعامل معها بفعالية. ويتطلب توجيه الأطفال لاستخدام هذه التطبيقات جهوداً كبيرة وتوعية مستمرة. وأوضح توماسيوس أن تربية الأبناء في هذا العصر تحتاج إلى مهارات إعلامية، إلى جانب قدر كبير من الاتساق في التعامل معهم. وأضاف: «هذه عملية طويلة تتطلب الصبر، إضافة إلى امتلاك معرفة تفوق ما لدى الأطفال، خاصة عندما يتعلق الأمر بتقييم المخاطر الرقمية».
ومع ذلك، يواجه العديد من أولياء الأمور صعوبات في التعامل مع تأثير وسائل التواصل الاجتماعي، حيث أظهرت الدراسة أن 40 في المئة منهم لا يفرضون قيوداً كافية على مدة استخدام أبنائهم هذه التطبيقات، بينما لا يشرف ربعهم على المحتوى الذي يطّلع عليه أبناؤهم عبر الإنترنت. ويرى توماسيوس أن «هذه نتائج مقلقة حقاً».