"الفضفضة" على المنصات الرقمية.. هل تقودنا إلى قرارات مؤذية؟
الغد-تغريد السعايدة
لحظة ضعف أو خذلان وأذى جسدي كان أو نفسي، قد تدفع بالكثيرين إلى اللجوء للعالم الافتراضي، للفضفضة والبحث عمن يدلي بدلوه من نصيحة أو دعم، وقد يقود هذا الشخص إلى أن يكون ضحية جديدة، للوقوع في فخ محاولة التخلص من المشكلة بـ "الانفصال، محاولة الانتحار أو قد يكون سببا في جريمة".
العالم الافتراضي بات الآن مساحة كبيرة، والعديد من القصص والأخبار تتحدث عن جرائم أو مشاكل أسرية عميقة، بسبب ما يتم طرحه فيه، لا مكان لعاقل فيها في بعض الأحيان، كما يقول البعض، فما أن يبدأ الشخص بطرح مشكلته حتى تنهال النصائح المحفزة "للأذى".
ومن الأمثلة على ذلك، تلك المجموعات التي تلجأ لها الآلاف من السيدات في العالم عبر "فيسبوك"، أكثر مواقع التواصل استخداما في العالم بحسب الإحصائيات العالمية، على أمل أن تكون شكواهن مسموعة وتجد آذانا مصغية وعقولا تقدم لهن حلولا أو نصائح لتجاوز مشاكلهن الأسرية على وجه التحديد.
ولكن، ولكون خاصية التعليق بأسماء مجهولة متاحة للجميع، ولصمت مشرفي تلك المجموعات على العديد من التجاوزات، تبين أن هناك تعليقات تحريضية أكثر مما هي نصائح "عقلانية"، فما أن تنشر السيدة مشكلتها الأسرية، حتى تبدأ بعضهن بتقديم كلمات التحريض بشكل مباشر، دون مراعاة لقوانين أو قواعد أو أعراف وتقاليد.
تلك النصائح قد تكون مؤثرة بالفعل على الشخص المقابل، وفي كثير من الأحيان قد تتطور الأمور لحد الطلاق، أو حتى أذية النفس، وفي إحدى الحالات، على مجموعة مخصصة للنساء، اضطرت فتاة قاصر إلى مغادرة منزل عائلتها بسبب تعرضها للأذى من والدتها، وما تبع ذلك من آثار نفسية وسلوكية على حياتها.
ومن جانبها ترى الاختصاصية في الإرشاد النفسي التربوي الأسري الدكتورة هنادي الجبالي أن السنوات الأخيرة شهدت تحول مجموعات مواقع التواصل الاجتماعي إلى مساحة مفتوحة للفضفضة، خاصة عند السيدات، حيث تطرح فيها مشاكل زوجية وأسرية، واحيانا جراح نفسية عميقة.
وهذا أمر مفهوم؛ كما تبين الجبالي، فالإنسان بطبيعته يحتاج إلى ما يعرف نفسيا بـ "التفريغ الانفعالي" (Emotional Venting)، أي إخراج ما بداخله لتخفيف الضغط والتوتر، خصوصا عندما يغيب الدعم في محيطه القريب.
وتعتقد الجبالي أن لهذه المجموعات جانبا إيجابيا، إذ تمنح شعورا بما يسمى "الدعم الاجتماعي المدرك" (Perceived Social Support)، حيث يشعر الشخص أنه ليس وحده، وأن هناك من يفهمه أو يمر بتجارب مشابهة، وهذا الإحساس بحد ذاته قد يخفف من وطأة المشاعر، ويساعد على ما يعرف بـ "تطبيع المشاعر" (Normalization)، أي إدراك أن ما يشعر به ليس غريبا.
ولكن المشكلة، بحسب الجبالي، تكمن في أن تتحول الفضفضة من تفريغ صحي إلى طلب قرارات مصيرية من أشخاص مجهولين، فالكثير من النصائح هناك تكون مبنية على تجارب شخصية، لا على معرفة علمية أو وعي كافٍ، وهنا يظهر خطر ما يمكن تسميته بـ "التوجيه غير المتخصص"، حيث قد تؤدي نصيحة واحدة إلى دفع شخص متعب نفسيا نحو قرار متسرع أو اندفاعي، خاصة في ظل ما يعرف بـ "الهشاشة النفسية".
وفي دراسة علمية حول التحريض الرقمي وأثره على الإنسان، صادرة عن جامعة الأزهر، تبين أن "البيئة الرقمية أفرزت أشكالا جديدة من التحريض تتجاوز المفاهيم التقليدية، مثل التحريض الجماعي عبر الوسائط، أو الضمني القائم على استراتيجيات التأثير الرقمي، وكذلك الإكراه النفسي الناتج عن الضغط المعنوي المتكرر، الذي قد يؤدي إلى تقويض الإرادة دون تهديد مباشر".
كما بينت الدراسة أن بعض الانظمة العالمية، كما في القانون الأميركي قد اجتهدت في تطوير موسع يستوعب هذه الأنماط، كما في "تجريم التحريض الرقمي صراحة والاعتراف بالإكراه السيبراني كظرف مخفف أو معف من المسؤولية، وتطوير معايير الإثبات الرقمي والنفسي".
"النصيحة كانت بجمل لأهميتها وعمقها وصدقها، الآن باتت تؤخذ من العامة عبر عالم افتراضي وهمي خال من المشاعر"، وهنا تقول سلام "من مستخدمي وسائل التواصل": إن "ضغط المجتمع والأهل دفعني إلى اتخاذ قرار مصيري ندمت عليه، ولكن أكثر الناس لا يعلمون، لا يعقلون، لا يتفكرون، ويخافون كثيرا من رأي المجتمع وكلام وانتقادات الناس".
ولكن، تؤكد الجبالي أن الأهم أن الناس ليسوا متشابهين، وهو ما يعرف في علم النفس بـ"الفروق الفردية"، فهناك من يمتلك مهارة التفكير النقدي والقدرة على التمييز، فيأخذ ما يناسبه ويترك ما لا يناسبه، وفي المقابل هناك من يكون في حالة ضغط أو ضعف تجعله أكثر قابلية للتأثر، فيتأرجح بين الآراء وربما ينجرف خلف أكثرها حدة أو تطرفا.
وتشير الجبالي أيضا إلى أن التكرار المستمر للحديث عن المشكلة دون وجود حلول عملية قد يدخل الشخص في دائرة ما يعرف بـ "التفكير الاجتراري" (Rumination)، حيث يعيد استرجاع نفس التفاصيل المؤلمة مرارا دون تقدم حقيقي، مما يزيد من القلق أو الحزن بدل أن يخففهما.
الاختصاصية والمعالجة النفسية خلود الرفايعة تتفق أيضا على أنه من الطبيعي أن تمر السيدات بأزمات أو ضغوط نفسية، أو مشكلات ضمن نطاق الأسرة أو بيئة العمل أو العلاقات الاجتماعية، مما يجعلهن بحاجة إلى الدعم النفسي، والتنفيس عن مشاعرهن، وطلب المشورة للوصول إلى قرارات مناسبة وحلول فعّالة.
وتشير الرفايعة إلى أن كبت المشاعر أو تجاهلها، وما يرافق ذلك من تراكم داخلي دون التعامل الآمن معها، يؤدي إلى زيادة حدتها وصعوبة فهمها، وقد ينعكس لاحقا على شكل مشكلات نفسية أخرى أكثر تعقيدا، لذا تحتاج كل سيدة إلى قنوات آمنة تعبر من خلالها عما تشعر به وتفكر فيه.
وقد تكون هذه القنوات أشخاصا مقرّبين موثوقين، قادرين على الاستماع دون إصدار أحكام، حيث لا يكون الهدف دائما إيجاد حل، بقدر ما هو احتياج نفسي للمشاركة والدعم وتخفيف العبء الانفعالي المصاحب للمشكلة، وأحيانا لا يكون الدعم كافيا.
وهنا تصبح الحاجة إلى مختصات أو مختصين في الصحة النفسية أو الإرشاد الأسري أمرا ضروريا، خاصة عندما تتجاوز المشكلة حدود التنفيس، وتحتاج إلى فهم أعمق أو تدخل مهني يساعد على التعامل الآمن مع الأزمة، واتخاذ قرارات متوازنة، كغيرها من أمور الحياة الأخرى، ويعد اللجوء إلى الاختصاصي النفسي الخيار الأكثر أمنا وفعالية.
لذا، عند اللجوء لأخذ النصيحة من الآخرين دون علمهم بتفاصيل حياتنا، قد يدفع ذلك الكثيرين إلى اتخاذ منحى مختلف في حياتهم، واختيار قرارات مؤذية للنفس، قد تصل أحيانا إلى الانتحار أو محاولة الانتحار، أو العزلة وحدوث الاكتئاب، كما يقول رمزي "من مستخدمي وسائل التواصل"، إنه وجد في الكثير من النصح على حالته عند طرحها للنقاش عبارات مثل: "ارحل، ابتعد، غادر، اقطع العالم دون تردد، وأمض بنفسك".
تلك النصيحة كانت كفيلة، كما يقول رمزي بأن تدفعه بالفعل إلى الانعزال، وهو الآن شخص منطوٍ "يشعر بالراحة" على حد تعبيره، على الرغم من تسلل شعور الوحدة لديه، ولكن هذا يعني أنه لم يجد من يساعده على التمسك بالحياة والمجتمع والمحبين من حوله.
"الفضفضة ليست خطأ، بل حاجة إنسانية طبيعية"، تقول الجبالي، ولكن الخطأ أن نبحث عن حلول عميقة في أماكن غير مهيأة لذلك، فليس كل تعليق دعم، وليس كل نصيحة إنقاذ. احيانا، كلمة قد تكون باب طمأنينة، واحيانا أخرى قد تكون بداية قرار خاطئ، والفرق بينهما ليس في النية، بل في الوعي.
وتشير هنا الرفايعة إلى نقطتين أساسيتين: "ما طبيعة المشكلة التي أحتاج مساعدة بشأنها؟، ومن هو الشخص أو الجهة المناسبة لطلب هذه المساعدة؟". ومع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، ظهرت العديد من المجموعات (الجروبات) التي تلجأ إليها السيدات للفضفضة وطلب المشورة، وبعضها يقوم على أسس توعوية، ويقدم توجيهات عامة تساعد على فهم المشكلة وتحديد المسار المناسب، من خلال مشاركة خبرات وتجارب.
وتوضح الرفايعة طبيعة تأثر الشخص المتلقي، والتي تتمثل بـ"مشاركة تفاصيل شخصية دقيقة دون مراعاة الخصوصية، والثقة بأشخاص مجهولي الهوية، مما قد يعرضهن للأحكام أو السخرية أو حتى الاستغلال، خاصة عند الانتقال إلى المحادثات الخاصة".
كما يظهر التأثر من خلال "تلقي نصائح من أشخاص ينتمون إلى ثقافات وبيئات مختلفة، قد لا تتناسب مع طبيعة المجتمع أو ظروف السيدة، مما يؤدي إلى تشويش في التفكير بدل المساعدة"، عدا عن تجاهل الفروق الفردية؛ فلكل سيدة ظروفها الخاصة ومواردها ونقاط قوتها، وهو ما يجعل الحلول غير قابلة للتعميم، ما يزيد من الإرهاق النفسي.
وفي النهاية، تشير الجبالي إلى أن الإنسان مدعو لحفظ خصوصيته، وعدم نشر تفاصيل حياته بشكل قد يسيء له أو لأسرته، كما أن طلب المشورة ينبغي أن يكون من أهل الحكمة أو الاختصاص، لا من جمهور واسع قد لا يدرك حساسية الموقف.