عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    17-Feb-2026

عن مستقبل "النظام العالمي الجديد": حوار مع جون ميرشايمر (3/1)

 الغد

 ترجمة: علاء الدين أبو زينة
كريس هيدجز* - (تقرير كريس هيدجز) 5/2/2026
في مقالته المعنونة "الثامن عشر من برومير لويس بونابرت"، قال كارل ماركس إن التاريخ يعيد نفسه "في المرة الأولى كمأساة، وفي المرة الثانية كملهاة". وقد أظهرت أفعال دونالد ترامب في السنة الأولى من ولايته الثانية لكثيرين أن مآسي التاريخ بدأت تتكرر -هذه المرة بالتأكيد في هيئة ملهاة.
 
 
في الحوار التالي، ينضم الباحث البارز والمؤلف وأستاذ العلوم السياسية وأستاذ  كرسي "آر. ويندِل هاريسون" للخدمة الرفيعة في جامعة شيكاغو، جون ميرشايمر John Mearsheimer، إلى المضيف كريس هيدجز في هذه الحلقة من برنامج "تقرير كريس هيدجز" لوضع مهام ترامب السياسية في سياقها من خلال عدسة التاريخ.
يقول ميرشايمر: "الأشياء مثل القوة الناعمة، والمؤسسات الدولية، والقانون الدولي، والحلفاء، ليست مهمة بالنسبة لـ[ترامب]". ويضيف: "يعتقد [ترامب] أن القوة الاقتصادية الأميركية والقوة العسكرية الأميركية هما كل ما يحتاج إليه ليكون، في الأساس، دكتاتورًا حميدًا ويتصرف بصورة أحادية ويحصل على ما يريد من أي مكان في العالم".
ويرى ميرشايمر أن هذا التفكير ينطوي على تهديدات حقيقية للنظام العالمي، خاصة في أوروبا وشرق آسيا. في أوروبا، يثير ازدراء ترامب للقانون الدولي وللتحالفات، مثل "حلف شمال الأطلسي" (الناتو)، قلق طبقة قيادية لطالما اعتمدت على الضمانات الأمنية الأميركية. وفي شرق آسيا، قد تصبح هيمنة الصين وعدم التزامها بالوضع الإمبريالي الغربي القائم نقطة اشتعال شبيهة بتلك التي شهدتها أوروبا قبل الحرب العالمية الأولى.
ويقول أيضًا: "للمرة الأولى في تاريخنا، أصبحنا نواجه مشكلة جدية في شرق آسيا. لم تكن اليابان الإمبراطورية مشكلة كبيرة إلى هذا الحد... الصين قصة مختلفة تمامًا. إنها قوة هائلة. في الحقيقة، لم نشهد شيئًا مماثلًا عندما تنظر إلى اللبنات الأساسية للقوة العسكرية: حجم السكان؛ الثروة؛ القدرة على تطوير تقنيات متقدمة تتفوق على ما نطوره نحن".
في ما يلي النص الكامل للحوار.
*   *   *
كريس هيدجز: يرتكب معظم القادة الأوروبيين، بمن فيهم الأمين العام لحلف الناتو، مارك روته، إلى جانب رؤساء الجامعات الأميركية، والمؤسسات الإعلامية، وكبار التنفيذيين في شركات التكنولوجيا، خطأً قاتلًا بمحاولة استرضاء دونالد ترامب. إنهم يتذللون أمامه بتملقٍ فجّ لا يخجل. ويتجلى هذا التملق في كل اجتماع لمجلس الوزراء.
إننا نرى مليارديرات، مثل بيل غيتس، يشيدون بـ"القيادة المذهلة" للرئيس. وقد جعل ذلك السلطتين الأخريين في الحكومة عاجزتين. الكونغرس في حالة احتضار. والمحكمة العليا مجرد ختم يصادِق على أوهام ترامب الإمبراطورية. والحزب الجمهوري تحوّل إلى طائفة لترامب.
إن ترامب -كما نرى في اختطافه رئيس فنزويلا؛ وتنصيبه نفسه نائبًا إمبراطوريًا على غزة، ودعواته إلى الاستيلاء على غرينلاند وكندا إلى جانب المكسيك وكوبا وربما نيكاراغوا؛ وإطلاقه العنان لبلطجية ملثمين في شوارع المدن الأميركية لإرهاب الجمهور- هو فرقة تخريب من رجل واحد. إنه يهدم ما تبقى من مؤسساتنا الديمقراطية في الداخل، والنظام الدولي الليبرالي في الخارج، الذي وُضع في أعقاب الحرب العالمية الثانية.
كان هذا النظام الدولي القديم يقوم على تحالفات عسكرية مثل "الناتو". وكان يدافع عن احترام سيادة القانون وحقوق الإنسان، على الرغم من أن الولايات المتحدة كثيرًا ما داست على هذه المبادئ. وكان يتعاون مع حلفائه ويُبدي لهم قدرًا من الاحترام. وكان يسمح بالتجارة الحرة. وكان يرى سيادة الدول الأخرى أمرًا مقدسًا. وبحلول الوقت الذي ينتهي فيه ترامب مما يفعل، سيكون كل ذلك قد اختفى.
قال رئيس الوزراء الكندي، مارك كارني، لجمهورٍ منحه تصفيقًا حارًا -وقوفًا- في دافوس: "نحن في خضم قطيعة، لا انتقال".
يقسم ترامب العالم إلى ضعفاء وأقوياء. وهو متحفظ في استخدام تكتيكاته القائمة على التهديد والترهيب مع روسيا والصين. ويعبّر عن إعجابٍ صريح بهاتين الأوتوقراطيتين. ويقترح تقاسم العالم بينه وبين نظرائه من الحكام المستبدين بحيث تهيمن روسيا على محيطها الأوروبي، وتسيطر الصين على آسيا، وتتحكم الولايات المتحدة في الشرق الأوسط وأميركا الشمالية، بما في ذلك غرينلاند وكندا، إضافة إلى أميركا الوسطى والجنوبية.
ويقوم ترامب أيضًا بتفجر تحالف "الناتو" عبر - الأطلسي. ويتجاهل القانون الإنساني الدولي وينتهكه علنًا -خاصة في غزة. وقد تنازل للصين عن ريادة الابتكارات اللازمة للتعامل مع أزمة المناخ، وليس بإنكاره واقع الاحترار العالمي فحسب، حيث يصف أزمة المناخ بأنها "خدعة خضراء" و"أكبر عملية احتيال على الإطلاق"، وإنما أيضًا بعرقلته الفعلية لتطوير مصادر الطاقة البديلة وتقويضه للبرامج المصممة للتعامل مع انهيار المناخ.
يعمل اعتماد ترامب على اقتصاد قائم على الوقود الأحفوري، مثل اعتماده على التفوق العسكري الأميركي لفرض إرادته على الدول الأضعف، على تسريع تراجع الإمبراطورية الأميركية. وسيجعل الصناعات الأميركية في نهاية المطاف غير قادرة على المنافسة.
وسيدفع ذلك الدول إلى الابتعاد عن الدولار بوصفه عملة الاحتياط العالمية -وهو واحد من أقوى الأسلحة في ترسانة ترامب. وسيحوّل الولايات المتحدة إلى دولة منبوذة. وسيفجّر ذلك النوع من المغامراتية العسكرية التي تأتي دائمًا بنتائج عكسية على جميع الإمبراطوريات الآفلة.
ينضم إليّ لمناقشة إعادة تشكيل النظام العالمي في ظل ترامب، البروفيسور جون ميرشايمر، أستاذ العلوم السياسية المتميّز وأستاذ كرسي "آر. ويندل هاريسون" في جامعة شيكاغو، ومؤلف العديد من الكتب، من بينها "مأساة سياسات القوى العظمى" و"اللوبي الإسرائيلي والسياسة الخارجية الأميركية".
كان من اللافت، يا جون، ما شهدناه خلال الأشهر الاثني عشر الماضية من تقويضٍ لسيادة القانون في الداخل وتقويضٍ لها في الخارج أيضًا. ومع أنك تدرك جيدًا أن هذه المبادئ كانت في كثير من الأحيان تُنتهك أكثر مما تُحترم، فإننا -كما أظن أنك تجادل- ندخل فعليًا نظامًا عالميًا جديدًا، إذا جاز استخدام هذا التعبير. فهل يمكن أن تشرح لنا ماهية هذا النظام؟".
 
جون ميرشايمر: حسنًا، أعتقد، يا كريس، أنه لا مجال للشك في أنه كان لا بد -بالنظر إلى أننا انتقلنا مؤخرًا من نظام أحادي القطبية إلى نظام متعدد الأقطاب- من أن تطرأ تغيّرات جوهرية على النظام الدولي، كما ستشهد المؤسسات الدولية نفسها تحوّلات كبيرة.
منذ العام 1993 تقريبًا وحتى قرابة العام 2017؛ أي خلال الفترة التي ساد فيها النظام أحادي القطبية، كان لدينا بالفعل نظام دولي ليبرالي، لأن الولايات المتحدة كانت، وبفارق شاسع، الدولة الأقوى في النظام الدولي.
كانت هي القطب الأوحد. كانت القوة العظمى الوحيدة. وكنا قادرين على تشكيل ذلك النظام الدولي بطرقٍ منحتنا امتيازات كبيرة -أو أننا اعتقدنا على الأقل بأنها منحتنا تلك الامتيازات.
ولكن ما إن عاد الروس والصينيون ليصبحوا قوى عظمى، وانتقلنا إلى ما يتفق معظم الناس اليوم على أنه عالم متعدد الأقطاب، حتى أصبح الروس -والصينيون بشكل خاص- يرغبون في تغيير ذلك النظام بطرقٍ معينة. لذلك كان من الحتمي عندما أصبح ترامب رئيسًا للمرة الأولى أن تطرأ تغييرات على النظام الدولي.
لكنه ذهب أبعد بكثير من ذلك، خاصة في ولايته الثانية. إنه فرقة تخريب من رجل واحد. والأمر الأساسي الذي ينبغي فهمه بشأن ترامب هو أنه أحادي النزعة. إنه مهتم بالقيام بالأشياء بمفرده. ويريد للولايات المتحدة أن تتصرف وحدها. وعليك أن تتذكر أننا عادةً ما نضع كلمة "متعدد الأطراف" أمام كلمة "مؤسسات" -إنها مؤسسات متعددة الأطراف.
إن القانون الدولي، بحكم تعريفه، هو قانون دولي ومتعدد الأطراف، لكن ترامب لا يبدي أي اهتمام بالمؤسسات الدولية أو بالقانون الدولي. إنه يحاول تحطيم تلك الأشياء. يريد التخلص من جميع أشكال النظام الدولي. يريد أن يكون قادرًا على التصرف بصورة أحادية. ولذلك، فإن ما تراه يحدث، في اعتقادي، هو أنه يحاول تحطيم المؤسسات مثل الأمم المتحدة.
هذا الاقتراح الجديد الذي طرحه بشأن "مجلس السلام". لقد بدأ في الأصل كمؤسسة صُممت للتعامل مع الإبادة الجماعية في غزة، لوضع حد دائم لها، لكنه تحوّل الآن إلى بديل عن الأمم المتحدة. وفي الواقع، إذا نظرت إلى ميثاقه، فلن تجد فيه حتى ذكرًا لغزة -هذا هو ميثاق "مجلس السلام". ما الذي يحدث هنا؟
إنه يريد إنشاء مجلسٍ للسلام يتولى هو إدارته، وسيكون هو، بطبيعة الحال، صاحب القرار فيه. إنها ولاية مدى الحياة، وتعيينٌ ذاتي؛ لقد نصّب نفسه بنفسه رئيسًا لما يسميه "مجلس السلام". ولكن ما الذي يجري هنا؟ ما يحدث هو أنه يريد لهذا المجلس الذي سيديره -بوصفه أحاديَّ التوجّه- أن يحلّ محلّ الأمم المتحدة متعددة الأطراف.
وإذا نظرت إلى ما يجري بشأن غرينلاند وقضايا أخرى كذلك، فإن ما يحدث هناك هو أنه عازم على تحطيم حلف شمال الأطلسي. إنه لا يحب "الناتو" إطلاقًا. إن الحلف هو مؤسسة متعددة الأطراف. وهو لا يحب ذلك. ولذلك، فإن فكرتي الأساسية التي أريد أن أقولها لك، يا كريس، هي أنه كان من الحتمي أن نشهد تغييرًا في النظام الدولي لأننا انتقلنا من الأحادية القطبية إلى التعددية القطبية.
لكن إدخال الرئيس ترامب في المعادلة يجعل هذا الانتقال من الأحادية إلى التعددية مختلفًا بطريقة جوهرية. إن هدفه الأساسي هنا هو أن يفعل كل ما في وسعه لتدمير المؤسسات الدولية وتدمير القانون الدولي.
 
كريس هيدجز: إذن، كان لدينا عالم متعدد الأقطاب خلال الحرب الباردة. كان الاتحاد السوفياتي قوة أعظم بكثير، قوة عالمية، مقارنة بروسيا. وبالطبع كانت لدينا الصين. وكان الشعار خلال الحرب الباردة هو التأكد من عدم قيام تحالف بين روسيا والصين. وكان ذلك بالتأكيد حجر الزاوية في سياسة هنري كيسنجر البغيضة. وأنا أتساءل فقط عما إذا كان بإمكانك أن تستخلص مقارنة بين كيفية تعامل الولايات المتحدة مع عالم متعدد الأقطاب خلال الحرب الباردة، وبين ما يحدث الآن.
 
جون ميرشايمر: حسنًا، خلال الحرب الباردة، كان يُقال عادةً -وأعتقد أنه كان عن حق- إن تلك لم تكن عالمًا متعدد الأقطاب، بل كانت عالمًا ثنائي القطب. كانت هناك قوتان عظميان: الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي. ومع ذلك، كانت الصين قوة كبرى. وكان السؤال خلال الحرب الباردة هو ما إذا كانت الصين ستتحالف مع الولايات المتحدة أم ستتحالف مع الاتحاد السوفياتي.
وكما لا بد أنك تتذكر جيدًا، وأتذكر أنا أيضًا، خلال النصف الأول من الحرب الباردة كانت الصين والاتحاد السوفياتي قريبين -دعني أقدم الأمر بشكل مختلف- كانا حليفين قريبين إلى حد معقول، مصطفّين ضد الولايات المتحدة. ولا يدرك كثيرون أن الولايات المتحدة، خلال الحرب الكورية التي استمرت من العام 1950 إلى العام 1953، لم تكن تقاتل بشكل أساسي قوات كورية شمالية، بل كانت تقاتل في المقام الأول قوات صينية.
كانت الصين خصمًا مريرًا للولايات المتحدة في النصف الأول من الحرب الباردة. لكنّ ما حدث عندما ذهب كيسنجر ونيكسون إلى بكين هو أننا حوّلنا الصينيين، بشكل حتمي تقريبًا، من الجانب السوفياتي إلى الجانب الأميركي. وهكذا، في النصف الثاني من الحرب الباردة، أصبح الصينيون والأميركيون حلفاء. وهذه حالة لافتة حقًا. لقد نجحنا في تحويل الصين من المعسكر السوفياتي إلى معسكرنا.
ثم انتهت الحرب الباردة، وخرجت الولايات المتحدة منها لتكون القطب الأوحد؛ الدولة الأقوى على هذا الكوكب. كان السؤال: ماذا نفعل بشأن الصين؟ لقد أصبحت الصين حليفنا عند نهاية الحرب الباردة. وتذكَّر يا كريس أنه خلال الحرب الباردة، في النصف الثاني منها حين كانت الصين حليفنا، كانت لدينا مصلحة راسخة في مساعدة الصين على أن تصبح أكثر ثراءً، لأنه كلما أصبحت الصين أكثر ثراءً أو ازدهارًا، ازدادت قوتها العسكرية.
عندما يتعلق الأمر بأغراض احتواء الاتحاد السوفياتي، كان ذلك شيئًا جيدًا. على أي حال، انتهت الحرب الباردة، وأصبح السؤال: ماذا سيحدث للعلاقة الأميركية-الصينية؟ وأعتقد أننا طورنا، بدءًا من إدارة بوش -ولكن بصورة أوضح مع إدارة كلينتون- سياسة "الانخراط" -أي أننا حاولنا مساعدة الصين على النمو اقتصاديًا.
أردنا أن تصبح الصين مزدهرة بقدر لا يُصدَّق. وكما لا بد أنك تتذكر، في العام 2001 دعونا الصين للانضمام إلى "منظمة التجارة العالمية"، وهو ما دفع النمو الصيني إلى الأمام بقوة. وهكذا، حتى العام 2017 أو نحوه، كانت الولايات المتحدة تفعل تقريبًا كل ما في وسعها لمساعدة الصين على أن تصبح أكثر ازدهارًا.
ولكن، بحلول العام 2017 تقريبًا، كانت الصين قد أصبحت مزدهرة إلى درجة كبيرة، واكتسبت قوة اقتصادية هائلة، وشرعت في تطوير قوة عسكرية من الطراز الأول. وعند تلك النقطة أدركت الولايات المتحدة أن الصين أصبحت قوة عظمى. وهنا تخلّت الولايات المتحدة عن سياسة الانخراط وألقت بها في سلة المهملات، وبدأت تنتهج سياسة الاحتواء.
إذن، كان ما حدث فعليًا هو أن الصين تحوّلت إلى قوة عظمى، وأن الولايات المتحدة لعبت دورًا أساسيًا في مساعدتها على أن تصبح كذلك. وبمجرد أن تدرك الولايات المتحدة أن الصين أصبحت قوة عظمى، ويبدأ الصينيون في إظهار ثقلهم في شرق آسيا، تنشأ منافسة أمنية.
وهكذا، وبطريقة مهمة للغاية، تصبح الصين خصمًا للولايات المتحدة، أو تصبح الولايات المتحدة خصمًا للصين. وهذا هو موضعنا اليوم. وإذا نظرتَ إلى هذه العلاقة وتعقبتها عبر الزمن، ستجد أنه في النصف الأول من الحرب الباردة كانت الولايات المتحدة والصين خصمين. ثم في النصف الثاني كانتا حليفين مقرّبين.
وأعتقد أنه في النصف الأول من القرن الحادي والعشرين -دعني أقل خلال السنوات السبع عشرة الأولى من هذا القرن، وبالتأكيد خلال لحظة الأحادية القطبية- كانت الولايات المتحدة والصين حليفين مقرّبين. كانت العلاقات بينهما ودية جدًا. ثم تغيّر كل ذلك نحو العام 2017، عندما أصبحت الصين قوة عظمى، وهذا هو واقعنا اليوم.
 
كريس هيدجز: ترامب -أعني، الإمبراطوريات، تحتاج إلى حلفاء. وقد أثبت التاريخ ذلك مرارًا وتكرارًا. ومع ذلك، يقوم ترامب بتفجير تحالفاتنا التقليدية، سواء كانت دول "الناتو" الأوروبية أو كندا. أعني، إنه يعزل الولايات المتحدة. على المستوى التاريخي فقط، ما عواقب ذلك؟
جون ميرشايمر: لا شك في أن القوى العظمى مثل الولايات المتحدة تحتاج إلى حلفاء. بل سأذهب أبعد من ذلك وأقول إن القوى العظمى تحتاج إلى مؤسسات دولية وتحتاج إلى قانون دولي. عليك أن تتذكر أن السبب في أن الولايات المتحدة أعطت -تاريخيًا- مكانة مميزة للمؤسسات الدولية وللقانون الدولي هو أننا نحن الذين نكتب القواعد.
نحن من نصوغ القوانين. ونحن نصوغ تلك القواعد والقوانين بحيث تخدم مصالحنا. ولذلك، كان كل  من سبق الرئيس ترامب من الرؤساء قد أدرك أن القانون الدولي والمؤسسات الدولية يعملان لصالحنا.
وكانوا يدركون أيضًا إدراكًا كاملًا أن الحلفاء مهمون للغاية. إذا كنت مهتمًا باحتواء الاتحاد السوفياتي خلال الحرب الباردة، أو مهتمًا باحتواء الصين اليوم، فأنت في حاجة إلى حلفاء جيدين، وعليك أن تبذل جهدًا مضاعفًا لضمان إقامة علاقات جيدة معهم، وأن تتمكن من العمل معهم بطرق فعّالة وتعاونية.
لكن النقطة الأساسية بشأن ترامب هي أنه مختلف جذريًا عن معظم أسلافه. إنه يحتقر -كما قلنا سابقًا- القانون الدولي والمؤسسات الدولية. وأعتقد أن بالوسع المجادلة بأنه يعامل الحلفاء أسوأ مما يعامل الخصوم. الرجل يُظهر احتقارًا غير مخفف لحلفائنا.
وإذا كنتَ قوة عظمى، فمن المهم جدًا أن تفهم أن هناك حدودًا لقوتك. ولهذا السبب لا يمكنك، في نهاية المطاف، أن تتصرف بصورة أحادية خالصة كما يرغب ترامب أن يفعل. لا يمكنك ببساطة فعل ذلك. هناك حدود حقيقية لقوتك.
لكن المشكلة هي أن ترامب وكثيرين في مؤسسة السياسة الخارجية الأميركية لا يدركون إدراكًا كاملًا حدود القوة الأميركية. إنهم يميلون إلى الاعتقاد بأن هذا الجيش الذي نملكه هو سلاح سحري يمكننا استخدامه لإنجاز شتى المهام. يمكننا غزو العراق وتحويله إلى ديمقراطية ليبرالية، ثم نشر الديمقراطية في أنحاء الشرق الأوسط لأن لدينا جيشًا هائل القوة.
لا بدّ أنك تتذكر أن هذه كانت عقيدة بوش، وأننا نستطيع أن نجعل إيران تفعل هذا أو ذاك، وهكذا دواليك، لأننا الولايات المتحدة الأميركية. نحن غودزيلا. لكن السياسة الدولية لا تعمل بهذه الطريقة.
لا شك في أن الولايات المتحدة قوية، وهذا أحد الأسباب الرئيسية التي تسمح لترامب بأن يتلاعب بالعديد من الدول حول العالم، لأننا أقوياء جدًا، عسكريًا واقتصاديًا. لا شك في ذلك.
لكن هناك حدودًا حقيقية لما يمكنك فعله. أنت تحتاج إلى المؤسسات. هل ستقول لي إننا لو كنا لنخوض الحرب الباردة مرة أخرى، لما فعلنا ذلك من خلال "الناتو"؟ هذا طرح سخيف.
"الناتو" مؤسسة دولية. ولدى الأمم المتحدة -وإن لم تكن مؤسسة كاملة أو مثالية- حدود حقيقية بسبب مجلس الأمن وحق النقض الذي تملكه القوى العظمى فيه.
ومع ذلك، تؤدي الأمم المتحدة وظائف مفيدة. ولذلك كان جميع الرؤساء في الماضي يتحدثون عنها بإيجابية. وعندما كان ذلك يخدم المصلحة الوطنية الأميركية، فإنهم كانوا يعملون من خلالها.
يمكنني الاسترسال في هذا الموضوع، لكن الحقيقة هي أن لدى ترامب رؤية مختلفة جدًا لكيفية إدارة السياسة الدولية، وسوف يورّط نفسه في قدر هائل من المشكلات.
 
*كريس هيدجز‏‏ Chris Hedges: صحفي حائز على جائزة بوليتزر. كان مراسلاً أجنبيًا لمدة خمسة عشر عاما ‏‏لصحيفة "نيويورك تايمز"، ‏‏حيث شغل منصب رئيس مكتب الشرق الأوسط ورئيس مكتب البلقان للصحيفة. عمل سابقًا مراسلاً أجنبيًا لصحف "ذا دالاس مورنينغ نيوز" و"كرستيان سينس مونيتور" و"الراديو الوطني"، وهو مضيف برنامج ‏‏"تقرير كريس هيدجز". حصل على جائزة منظمة العفو الدولية العالمية للصحافة في مجال حقوق الإنسان للعام 2002. يحمل درجة الماجستير في اللاهوت من كلية اللاهوت بجامعة هارفارد، وهو مؤلف الكتابين الأكثر مبيعًا: "الفاشيون الأميركيون: اليمين المسيحي والحرب على أميركا"‏‏؛ "‏‏إمبراطورية الوهم: نهاية محو الأمية وانتصار المشهد". وكان أحد المتأهلين للتصفيات النهائية لدائرة نقاد الكتاب الوطنية عن كتابه "‏‏الحرب قوة تعطينا معنى". عمل بالتدريس في جامعة كولومبيا وجامعة نيويورك وجامعة برينستون وجامعة تورنتو.‏
*نشر هذا الحوار تحت عنوان: The Future of the ‘New World Order’