عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    20-Apr-2026

"ورود يوم القيامة".. ديوان لـ حسين جلعاد يكتب غزة من قلب المأساة

 الغد-عزيزة علي

 يمثل ديوان "ورود يوم القيامة"، الصادر عن دار الأهلية للنشر والتوزيع، امتدادا لمسار الشاعر والصحفي الأردني حسين جلعاد. لكنه يأتي بنبرة أكثر التصاقا بالمصاب الإنساني الفلسطيني، وأكثر إصغاءً لهشاشة الإنسان في زمن الحرب.
 
 
يواصل جلعاد في هذا الديوان، انحيازه إلى الشعر بوصفه بيتًا أخيرًا لمن فقدوا بيوتهم، ولغةً قادرة على حمل ما تعجز الأخبار عن حمله، ونافذةً تحرس غزة من النسيان، وتعيد للإنسان صوته في زمن تتكاثر فيه العتمة.
يعتمد جلعاد في هذا الديوان لغة شعرية مكثفة وبنية نصية متصلة تتخلى عن العناوين التقليدية، ما يجعل الديوان أقرب إلى نص واحد ممتدّ لا إلى مجموعة قصائد منفصلة. ومن خلال هذا البناء، يقدّم رؤية للقصيدة بوصفها مساحة لحماية المعنى الإنساني من التبدد، وتسجيل ما تعجز اللغة الإخبارية عن الإحاطة به وسط الخراب المستمر.
ينبثق هذا الديوان من قلب المأساة الفلسطينية، حيث تُكتب غزة لا بوصفها حدثًا عابرًا أو خبرًا يوميًا، بل باعتبارها جرحًا مفتوحًا في اللغة والذاكرة والوجدان. ويأتي الديوان في لحظة تاريخية مشحونة، تبدأ من 7 تشرين الأول (أكتوبر)، حين بدا التاريخ وكأنه يقف على حافة نفقٍ مظلم، وتحوّل اليوميّ الغزّي إلى مساحة تتقاطع فيها الحياة مع الفناء، والحنين مع الخراب، والإنسان مع محنته الوجودية.
منذ الإهداء الأول، يعلن الديوان وجهته العاطفية والرمزية، إذ يتجه مباشرة إلى غزة وأهلها، واضعًا القارئ في مناخٍ شعري مكثّف تتجاور فيه صور الفقد مع عناد البقاء. لا يكتب جلعاد ديوان حرب بالمعنى الخطابي، بل يكتب اليوميّ المحترق: طفلٌ يضحك عند باب السماء، وجدٌّ يمشي تحت ظلال الوقت، وأمٌّ تحمل في أكياس سوداء ما تبقّى من صلاتها وأشلاء أطفالها. في هذا الفضاء، تصبح القصيدة محاولة لحماية المعنى الإنساني من التبدّد، ومنح المأساة صوتًا داخليًا يلتقط ما يتبقّى من الإنسان حين تحاصره النار والغياب. "واحد.. اثنان.. ثلاثة.. كنت أتعلم العَدّ... أخي وزوجته الشابة يحضران الأمتعة سريعا.
ليلحقا بمواعيد المعبر.. ابنة الجيران تلمّ جديلتها.. قبل الوقوف للصلاة.. وجدي يعقد يديه خلف ظهره. ويمشي تحت ظلال الوقت.. أبي أعرفه من وقع الأقدام.
دائما يعود متأخرا بعد المغيب.. خسرنا الأمتعة والجديلة. وظلال الوقت. وخطوات أبي. "كل ذلك سنجده في الجنة". قالت أمي.. ونحن نعبر جسر الأبد. في مواجهة الفناء".
يمتاز الديوان بوفائه للتفاصيل الحميمة التي تقف في مواجهة الفناء الجماعي: مسبحة الجدة، وشال الأم على سرير الزواج القديم، وخارطة حيفا التي يرسمها الأخ الصغير بأصابعه، والأحذية المبعثرة تحت ركام المنازل. يلتقط الشاعر هذه الجزئيات كما يلتقط مصوّر سينمائي ومضاتٍ خاطفة، واضعًا النص في منطقة دقيقة بين الرثاء والتأريخ، من دون أن ينزلق إلى المباشرة أو التوثيق الجاف. فهو لا يكتفي برصد الدمار المادي، بل ينفذ إلى العمق النفسي للمأساة، مستعيدًا وجوهًا يومية وشخصيات عائلية يكتبها بحنان موجوع وغضب خافت.
ومع تقدّم الديوان، يتشكل صوتٌ موازٍ: صوت المحب الذي يكتب رسائله إلى من لن يعود، ويعترف لربه بأنه لم يعد قادرًا على الصلاة لأن قلبه لم يعد ينبض. ثم تتسع الدائرة لتشمل عالمًا متفرجًا "يحتسي الشاي الإنجليزي فيما تتقلب حرباه الأولى والثانية"، وصولًا إلى مشهدٍ قيامي تتجاور فيه الملائكة مع القتيل والقاتل في شارع واحد، في صورة شعرية مكثفة تعيد طرح أسئلة العدالة والنجاة والعبور.
يختار جلعاد في هذا الديوان بنية شعرية خاصة؛ إذ تتخلى القصائد عن عناوينها التقليدية، لتغدو الكلمة الأولى المكتوبة بخط عريض هي العتبة والعنوان في آن واحد. ويعكس هذا الخيار رؤية بنائية متكاملة تجعل الديوان نصًا واحدًا متصلًا، لا مجموعة قصائد منفصلة. فالفواصل بين النصوص لا تمثل قطيعة، بل تبدو أشبه بتنفسٍ قصير يستأنف بعده النص نبضه، في انسجام واضح مع الجملة الافتتاحية: "القصيدة هنا تبدأ ولا تنتهي".
أشكال القصيدة وبناء الديوان: تتنوع النصوص بين الومضة الحادة، وقصيدة النثر المتوسطة، والرسالة الغزلية المأزومة، وتجمعها لغة مقطّرة، صافية حدّ الجرح، لا تصرخ ولا تؤدلج، بل تلتقط التفاصيل التي تختزن المعنى: النوافذ والأبواب، وأحواض النعناع التي اختفت تحت الركام، وشجرة الليمون التي أراد أبٌ أن يزرعها ولم يعد ثمة بيت، والفرس التي "تشمّك مثلما تفعل المرأة" وتبكي إذا مرّ صاروخ العدو وانفصل العنق عن الكتف.
هذه اللغة، المتأرجحة بين الرهافة والقسوة، تجعل من الديوان مساحة للمقاومة الإنسانية، ومحاولة لإعادة تسمية ما تعجز الأخبار عن حمله، ومنح التفاصيل الصغيرة حقها في البقاء وسط العدم.
والملاحظ في هذا الديوان أنه لا يحمل عناوين لقصائده، وهو اختيار بنائي واعٍ يكشف عن رؤية شعرية متكاملة. فبدلًا من العنوان التقليدي الذي يوجّه القارئ مسبقًا إلى ما سيشعر به أو يفهمه، يختار جلعاد أن تكون الكلمة الأولى من كل قصيدة—المكتوبة بخط عريض—هي العتبة والعنوان في آن واحد. وهكذا لا تسمي الكلمة التجربة، بل تُلقي بالقارئ مباشرة في قلبها، فتبدأ النص من الداخل لا من خارجه.
هذا الفاصل البصري البسيط بين القصائد لا يعمل كقطيعة بينها، بل يبدو أقرب إلى تنفّسٍ قصير أو توقفٍ خفيف يستأنف بعده النص نبضه. ما يعني في المحصلة أن الديوان يُبنى ليُقرأ كنص واحد متصل، لا كمجموعة قصائد منفصلة؛ كأنه قصيدة طويلة تمشي دون أن تعلن عن نفسها في كل خطوة. وهذا ينسجم تمامًا مع جملته الافتتاحية التي تقول: "القصيدة هنا تبدأ ولا تنتهي". "كأنها لفرط العنفوان لا تلامس الأرض.. الفرس التي ورثتني عن أبي. وعلمتني أن أقفز مثل قلب العروس.
تشمّك الأنثى مثلما تفعل المرأة. وتطمئن إلى طعم السكّر في يديك. ورائحة التفاح.
 تأكل من راحتك مثل أمان الدنيا.. وتلوي العنق على كتفك إذا نويت الرّواح.. وتبكي عليها.. مثل طفل صغير.. إذا مرّ صاروخ العدوّ.. وانفصل العنق عن الكتف".
صورة سينمائية: في الصفحات الأخيرة، يبلغ الديوان ذروة بصرية عالية الكثافة: رجل ينام فوق ظله، يرى جنازة بلا نعش، ويقول للريح: "احملي ما تبقّى مني"، فيما يتهامس الأعداء: كيف انتصر رجل بعصا؟ ثم تأتي الخاتمة مستحضرة يحيى بن زكريا، في إشارة تتجاوز الرمز الديني إلى رؤية الشاعر الكاملة: أن الشهادة ليست نهاية، وأن العصا قد تنتصر على الجيوش، وأن القصيدة-كما بدأت-لا تنتهي.