الغد
خلال الفترة الأخيرة ظهرت العديد من القصص التي شغلت الرأي العام، فانخرط الأردنيون في جدال واسع حولها، ولعل واحدا من الموضوعات الذي كان أكثر حضورا من غيره في كتابات الإعلاميين، هو موقع الأحزاب الأردنية في خريطة العمل العام بفترة ما بعد الانتخابات النيابية الأخيرة، والذي مال فيه الكتاب إلى اعتبار أنها «تلاشت» أو «اضمحل» نشاطها، ولم تمتلك أي تأثير يذكر.
هناك من تبنى أن فكرة أن «التصنيع» لا يمكن لها أن تنجح بإنتاج أحزاب حقيقية، خصوصا أن الحزب ينبغي أن يأتي كـ»ضرورة»، وأن ينطلق من التحديات الملحة المفروضة على الدولة والمجتمع، وهو الأمر الذي لم يتحقق في غالبية الأحزاب الجديدة التي تم تشكيلها تماشيا مع عملية التحديث السياسي.
فريق آخر اعتبر أن الأردني مولع بالأيديولوجيا، ولا يمكن للأحزاب أن تنجح إن أسقطت هذا الأساس من هويتها ومشروعها، حتى لو امتلكت برامج عمل حقيقية تمتلك معقولية كبيرة في مواجهة التحديات المفروضة اليوم.
التنظير من المكان أو الحالة الأقرب إلى الإنسان فكريا ووجدانيا، حق لا يمكن النقاش فيه، خصوصا أن ذلك يدخل في باب حرية الرأي والتعبير، شريطة أن لا يكون هناك ليّ لعنق الحقائق، وتكييف لها لكي توافق أهواءنا وتخندقنا.
إن لجأنا إلى تحليل منطقي، فسوف نجد أن هناك حالة «سكونية» استتب عليها شكل الحزب وخطابه في الوجدان الأردني، ولا يمكن له تخيل أي تنظيم سياسي يخرج عن تلك الصورة المتخيلة. تلك الصورة تمتلك تاريخا طويلا من العمل على الأرض، وإرثا ترسخ في العمل العام الذي انتهجته الأحزاب سابقا، وهو أنها جميعها قامت على فكرة «إلغاء الدولة»، أو عدم الاعتراف بسلطة الدولة أو «الشعب» والعمل على التغيير، لمصلحة فضاء أوسع، هو الأمة الإسلامية في منظور الأحزاب الدينية، أو الأمة العربية في منظور الأحزاب القومية، أو الوحدة الإنسانية من منطلق الأحزاب اليسارية.
هذا المفهوم جرى تأطيره وتثبيته خلال عقود من العمل الحزبي، خصوصا خلال فترات العمل السري، والذي تأسس على نفي مفهوم الدولة ككيان سياسي وسيادي بجغرافيا معينة، وسعى إلى الاصطدام معها ومحاولة تقويضها لمصلحة مفهومه الخاص عن «الدولة – الأمة»، وهو أمر يمكن للأحداث خلال النصف الأخير من القرن الماضي في الأردن أن تكشف لنا الكثير من الجوانب حوله.
في سياق الانخراط في الجدل الأخير؛ كان واضحا أن هناك شبه إجماع على إدانة الأحزاب الجديدة حول عدم فاعليتها في الحياة العامة، وهي إدانة في مكانها إن أردنا الاحتكام إلى منطق «التقسيم الزمني»، بمعنى أن ننسى الإرث الذي يسم الحياة الحزبية في الأردن، والاحتكام إلى السنوات القليلة الماضية فقط من عمر التجربة، ولكنها لن تكون منطقية ولا علمية حين نسقط عامل الإنسان ومفهومه عن الحزب.
في تقديري، أن الذين عملوا على وضع خريطة طريق لـ»إحياء الأحزاب»، فكروا في الحزب كمنظمة جامعة، وفي الإنسان كفاعل وكيفية استقطابه، لكنهم لم يعمدوا أبدا إلى تفكيك الحالة الوجدانية الجميعة التي استقرت لدى الأردني في تعاطيه مع الشأن الحزبي، والأنموذج الذي طغى على غيره من النماذج الأخرى، وهو «الصدامية»، وعدم الاعتراف بسلطة الدولة.
الثقافة التي تأسست لدينا لا تدعم «مدنية» الأحزاب، بل ننظر إليها كما لو أنها كيان عسكري، أو «ميليشيا» قادمة لتشكيل حالة انقلابية، وليس كمؤسسة مجتمع مدني تمتلك منظورا معينا وبرامج واقعية لتخطي التحديات التي نواجهها.
تفكيك هذه الحالة وعلاجها هو مسؤولية الدولة، وهو أمر ممكن إن لجأت إلى النظر بواقعية إلى الثقافة المتأسسة لدينا، ووضعت برامج حقيقية في النظام التعليمي المدرسي والجامعي حول الأحزاب وطرائق عملها وأهميتها في الحياة العامة، وتعليم أن هذه الأحزاب ينبغي أن تعمل تحت سلطة الدولة، لا أن تكون نظاما متصادما معها.