الغد
النتيجة التي تتكشف اليوم بوضوح هي أن الحرب على إيران لم تعد مجرد مواجهة عسكرية في الشرق الأوسط، بل أصبحت مرآة تكشف شرخا سياسيا وفكريا يتسع داخل واشنطن نفسها حول تعريف القوة الأميركية وحدود استخدامها في عالم يتغير بسرعة.
لفهم ما يجري يجب النظر إلى ما وراء الضربات العسكرية، فالصراع الحقيقي لا يدور فقط بين الولايات المتحدة وإيران، بل أيضا داخل المؤسسة السياسية الأميركية بين مدرستين إستراتيجيتين مختلفتين، الأولى ترى أن الحفاظ على الهيمنة الأميركية يتطلب استخدام القوة الصلبة بلا تردد لإعادة ترميم الردع في الشرق الأوسط، والثانية تعتقد أن زمن الحروب المفتوحة قد انتهى وأن الاستنزاف العسكري لم يعد أداة فعالة لإدارة النفوذ في عالم تتحول فيه مراكز القوة نحو آسيا.
هذا الانقسام ليس نظريا، بل يعكس تحولا عميقا في قراءة موقع الولايات المتحدة في النظام الدولي، فبعد ثلاثة عقود من نهاية الحرب الباردة اعتادت واشنطن التصرف باعتبارها القوة التي تستطيع فرض التوازنات متى أرادت، لكن العقدين الأخيرين كشفا حدود هذا التصور، من العراق إلى أفغانستان وصولا إلى أوكرانيا، حيث باتت كلفة القوة العسكرية أعلى بكثير من قدرتها على إنتاج نتائج سياسية مستقرة.
في هذا السياق تأتي الحرب على إيران كاختبار مزدوج، فهي في الظاهر محاولة لوقف برنامج نووي ومنع طهران من توسيع نفوذها الإقليمي، لكنها في العمق اختبار لقدرة الولايات المتحدة على إدارة القوة دون الانزلاق إلى حرب إقليمية واسعة، واختبار أيضا لمدى استعدادها لتحمل كلفة إستراتيجية طويلة في منطقة لم تعد مركز الثقل الوحيد في السياسة العالمية.
أما إيران فتقرأ هذا المشهد بطريقة مختلفة تماما، فهي تدرك أن ميزان القوة العسكري المباشر ليس في صالحها، لكنها تراهن على عنصر آخر أكثر تأثيرا في الحروب الحديثة، وهو الزمن، فكلما طال أمد المواجهة زادت الضغوط على القرار السياسي في واشنطن، وازدادت احتمالات الانقسام الداخلي حول جدوى الاستمرار في التصعيد.
لهذا تعتمد طهران إستراتيجية تقوم على رفع كلفة الحرب دون الانجرار إلى مواجهة تقليدية شاملة، مستخدمة شبكة نفوذها الإقليمية وقدرتها على التأثير في طرق الطاقة والتجارة، وهي أدوات تجعل أي صراع طويل في المنطقة يتجاوز البعد العسكري ليصبح اختبارا للاقتصاد العالمي نفسه.
هنا يتضح أن ما يجري لا يتعلق بإيران وحدها، بل بمستقبل الطريقة التي تدير بها الولايات المتحدة قوتها في العالم، فإذا نجحت واشنطن في فرض توازن جديد دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة فإنها ستؤكد قدرتها على التكيف مع عالم متعدد الأزمات، أما إذا تحولت المواجهة إلى استنزاف طويل فإن الحرب ستكشف شيئا أكثر خطورة من مجرد صراع إقليمي، وهو أن الانقسام داخل القوة الأعظم في العالم قد يصبح جزءا من معادلة الصراع الدولي نفسه.