ماذا لو انتهت بسرعة.. وغيرت شكل المنطقة؟*مكرم أحمد الطراونة
الغد
حجم الدمار الذي ستخلّفه الحرب الدائرة اليوم، ليس أهم ما سينتج عنها، وإنما ما يمكن أن تخلفه من تحولات عميقة في بنية الإقليم. الحروب التي تنتهي بسرعة أكثر قدرة على إعادة تشكيل الخرائط من الحروب الطويلة، فالحسم السريع يخلق فراغات مفاجئة، ويفتح شهية لاعبين جدد، ويدفع دولا إلى إعادة تعريف مصالحها وأولوياتها.
السيناريو الأول المطروح يتمثل في خروج إيران أضعف بفعل الضربات والاستنزاف لقدراتها العسكرية والاقتصادية. هذه الحالة ستنتج فراغا كبيرا، خصوصا في بعض البلدان التي شكل فيها النفوذ الإيراني محركا أساسيا للسياسة الداخلية والخارجية، وبالتالي سيبحث آخرون عن ملئه.
قد نشهد حراكا متسارعا لقوى إقليمية تسعى لتثبيت موطئ قدم أو توسيع هامش تأثيرها، ومن الطبيعي أن تتحرك دول مثل تركيا لتعزيز حضورها في المشهد الإقليمي، وربما تسعى السعودية إلى لعب دور أكبر في العراق ولبنان، وفي اليمن التي ستشهد انحسارا للهيمنة الحوثية.
إسرائيل بدورها، قد تسعى لتثبيت معادلة ردع جديدة تمنع عودة التهديد من أي جهة. أما الولايات المتحدة، فستجد نفسها أمام خيار استثمار النتيجة لتكريس ترتيبات أمنية جديدة، أو الاكتفاء بإدارة توازنات تمنع الانفلات.
هذا السيناريو لا ينتج استقرارا تلقائيا، فالتهديدات الأمنية قد تعود لبعض الساحات بتنافس قوى محلية مدعومة من أطراف إقليمية متباينة. التجربة الإقليمية خلال العقدين الماضيين أثبتت أن انهيار التوازنات القائمة قد تفتح الباب أمام صراعات فرعية غير محسوبة، وهو أخطر ما قد يحدث، لأنه يسمح للفوضى بالتدفق وفرض خياراتها على دول الإقليم.
السيناريو الثاني لا يقل تعقيدا، وهو أن يصمد النظام الإيراني ويخرج أكثر تشددا، ما يعزز لديه النزعة الراديكالية، فيتكرس خطاب المواجهة المفتوحة.
في هذه الحالة ستزداد الضغوط على الدول التي اختارت تاريخيا سياسة التوازن وعدم الانخراط في محاور حادة، وسيرتفع منسوب الاستقطاب، وتضيق مساحة المناورة أمام الدول الصغيرة والمتوسطة، ما يضطرها إلى اتخاذ مواقف أكثر وضوحا مما تفضله حساباتها التقليدية.
الحساب الأردني في الحالتين، لا يتوقف عند الميدان العسكري، فالمسألة الأهم تتعلق بطبيعة النظام الإقليمي القادم، إن كان شرق أوسط متعدد الأقطاب تتوزع فيه القوة بين عواصم عدة، ليخلق فرصا للموازنة الذكية، أو مرحلة ردع طويل الأمد تتعايش فيها الأطراف وسط توتر دائم منخفض الحدة. كلا النموذجين له حساباته الخاصة من حيث الفرص والكلف، فالثبات في بيئة متحركة قد يعني التراجع، لكن الحركة غير المحسوبة قد تكلف أكثر مما تحتمل دولة محدودة الموارد.
بالنسبة للأردن، فإن معيار التقييم لا يقوم على هوية الطرف المتراجع أو المتقدم، بل على مستوى الاستقرار المتحقق على حدوده. الفوضى، أيا كان مصدرها، أخطر من خصم واضح المعالم يمكن توقع سلوكه.
داخليا، هناك همّ كبير، فالأردن بنى صورته كبلد استقرار في محيط مشتعل، وهي صورة تتعدى الشعار السياسي نحو الرصيد الاقتصادي الذي ينعكس على قرارات المستثمرين والسياح والشركاء الدوليين، وبالتالي لا يريد أي اهتزاز قد يؤثر في هذه الصورة.
الإعلام يشكل ساحة أخرى للمواجهة، والحاجة إلى خطاب إعلامي قوي تبدو اليوم أكثر إلحاحا، في فضاء رقمي تصاغ فيه الروايات قبل أن تتضح الوقائع. إدارة الخطاب، وحماية الجبهة الداخلية من الاستقطاب الحاد أو التضليل، جزء لا يتجزأ من الحسابات الإستراتيجية لأيّ دولة تسعى للحفاظ على توازنها، من خلال خطاب عقلاني يشرح مواقفها بوضوح، ويمنع إسقاط صراعات الآخرين على نسيجها الداخلي، وهو ما يحتاجه الأردن منذ فترة طويلة. ينبغي أن يكون مبادرا بالخطاب الإعلامي، لا أن ينتظر لتكون خطواته مجرد ردود أفعال على خطاب الآخرين.
الأردن لا يحسب كلفة الحرب الجارية فحسب، بل كلف نتائجها المحتملة، ففي إقليم اعتاد التحولات المفاجئة، تصبح القدرة على التكيف السريع، من دون التفريط بالثوابت، هي المعادلة الأصعب والأكثر ضرورة.