قريبًا.. «أنت إنسان إنسان ام روبوت إنسان»؟!*رنا حداد
الدستور
في رسالته بمناسبة اليوم العالمي الستين لوسائل التواصل الاجتماعي، علق البابا لاون الرابع عشر الجرس ووضع الأصبع على جرح العصر: الوجه والصوت ليسا مجرد أدوات تقنية للتواصل، بل هما تعبير فريد عن الشخص، عن حضوره، عن فرادته، وعن دعوته العميقة لأن يعيش الإنسان إنسانًا: ذلك الخليط المعقّد من النظرة، والنبرة، والارتباك، والصدق، وكل ما لا يمكن ترميزه في سطر أو خوارزمية.
التحذير الذي أطلقه البابا من «المخاطر الأنثروبولوجية» للتقنيات الرقمية، لا يبدو مبالغًا فيه إذا نظرنا إلى الواقع اليومي. أنظمة الذكاء الاصطناعي باتت قادرة على توليد وجوه لا وجود لها، وأصوات تتحدث بلهجات أشخاص حقيقيين، ومقاطع فيديو تُظهر ما لم يحدث قط.
بالأمس أيضًا أعلن إيلون ماسك، الرئيس التنفيذي لشركة تسلا، أن الشركة تعتزم طرح روبوتاتها الشبيهة بالبشر «أوبتيموس» في الأسواق العالمية، بحلول نهاية العام المقبل.
وفي حديثه عن القدرات المستقبلية للروبوتات، أشار إيلون ماسك إلى أن المستخدمين قد يتمكنون قريبًا من تكليف هذه الروبوتات بأداء أي مهمة تقريبًا، بما في ذلك رعاية الأطفال وكبار السن وحتى الحيوانات الأليفة. كما أكد ماسك توقعاته بأن أعداد الروبوتات ستتجاوز في المستقبل أعداد البشر، لتتولى جزءًا كبيرًا من متطلبات الحياة اليومية.
ولم تقتصر توقعات ماسك على المهام الروتينية، بل تحدث سابقًا عن إمكانية أن يصبح روبوت «أوبتيموس» قادرًا على إجراء عمليات جراحية بدقة عالية.
المشكلة هنا ليست في الإبهار التقني ذاته، بل في ما يترتب عليه من تشويش الحدود بين الحقيقي والمصطنع، بين الشخص وصورته الرقمية، بين التجربة الإنسانية والتمثيل الخوارزمي لها. حين يمكن لأي شخص أن يتحدث بصوتك دون علمك، أو أن يظهر بوجهك في مشهد لم تعشه، تصبح الهوية نفسها ساحة مفتوحة للتلاعب.
الأخطر من ذلك، كما يشير البابا في تخوفاته، هو منطق منصّات التواصل التي تكافئ ردود الفعل السريعة والانفعالية على حساب التفكير النقدي. الإعجاب الفوري، والمشاركة السريعة، والغضب القابل للانتشار كلها عملات رائجة في اقتصاد الانتباه.
في هذا السياق، لا يعود التواصل بحثًا عن حقيقة مشتركة، بل سباقًا على التفاعل، حتى لو كان مضلِّلًا أو مستقطِبًا أو سطحيًا. وهكذا تتكوّن وقائع موازية، لكل جماعة حقيقتها الخاصة، ولكل فقاعة معلوماتها، ولكل خوارزمية قصتها التي تخدم أهدافها التجارية أو السياسية.
من أخطر ما نبّه إليه البابا أيضًا خطر استبدال العلاقات الإنسانية الحقيقية بعلاقات مع أنظمة مؤتمتة: روبوتات محادثة، مساعدين افتراضيين، وشخصيات رقمية تُصمَّم لتبدو متعاطفة ومتفهمة. يلغى على أثرها التعامل البشري ويستغنى عنه بلا أدنى تخوف.
قد يبدو الأمر مريحًا للبعض فلا يعاني خيبة، ولا خلاف،ولا خيانة ، أشياء واردة الحدوث في العلاقات البشرية، فمع الروبوت لا تعقيد بشري ولا هواجس، لكن الثمن باهظ. حين نتعوّد على تواصل بلا مسؤولية، وبلا مخاطرة عاطفية، وبلا حاجة إلى الإصغاء الحقيقي، تتآكل قدراتنا الإبداعية والاجتماعية وحتى الاحساس، وتضمر مهاراتنا في بناء علاقات ناضجة، ويفقد التواصل معناه العميق كمساحة للحرية والاختلاف والنمو المشترك. وأي حياة هذه.
لا يقدّم البابا خطاب إدانة للتكنولوجيا، بل دعوة واضحة لتحمّل مسؤولية مشتركة. المطوّرون ليسوا معفيين من التفكير في الأثر الأخلاقي لما يصمّمونه، ولربما يكون الحديث هذا وجه لــ «ماسك» وجماعته، وأيضًا السلطات ليست معذورة إن تركت الفضاء الرقمي بلا أطر قانونية تحمي الإنسان. الإعلاميون والمربّون، دور العبادة، الأسرة والمجتمع عمومًا ليسوا على الهامش، بل في قلب المعركة البشتكنولوجية كما أحب أن اسميها.
من هذا المنبر لابد أن أطالب بالاستثمار في التربية على الثقافة الإعلامية والرقمية والذكاء الاصطناعي، الأهم أن يتولاها من هم بالحقيقة مؤهلون ، فلا مجال للمجاملات اذا كان الحديث عن ضرورة وجودية، تقتضي منا أن نتعلّم كيف نميّز بين الحقيقي والمصطنع، كيف نستخدم التقنية دون أن تبتلعنا.
التقدّم التكنولوجي لا يكون إنسانيًا إلا إذا وُجّه لخدمة الشخص، لا لاستبداله. إلا إذا صان الكرامة، لا إذا حوّل الإنسان إلى مادة خام للبيانات والتجارب. إلا إذا عزّز ثقافة تواصل تقوم على الحقيقة والحرية والعلاقة الأصيلة، لا على الخداع والسطحية والانعزال.
ليست القضية صراعًا بين الإنسان والآلة، بل اختبارًا لإنسانيتنا نفسها، وأن الوجه الذي ينظر إلينا، والصوت الذي ينادينا، ليسا مجرد محتوى بل حياة كاملة.. بل حقيقية وليست مصطنعة.