ماكرون ينتقد تخلّي الولايات المتحدة عن حلفائها... ويرفض "الانهزامية" و"الاستعمار الجديد"
الغد
قاتمة الصورة التي رسمها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ظهر الخميس، في الكلمة التي ألقاها أمام سفراء بلاده عبر العالم، بمناسبة مؤتمرهم الثلاثين الذي حلّ في قصر الإليزيه. قاعة الأعياد التي تقع في الطابق الأرضي للقصر الرئاسي كانت ممتلئة تماماً بالوزراء وبعدد من النواب، وخصوصاً بسفراء فرنسا الذين يشكّلون، وفق وزارة الخارجية، ثاني أكبر شبكة دبلوماسية في العالم بعد الولايات المتحدة.
وبعكس ما درج عليه منذ وصوله إلى الرئاسة ربيع عام 2017، امتنع ماكرون عن تناول أزمات العالم، واحدة بعد الأخرى، مُفضّلاً التطرّق لما يعتبره التحديات الكبرى التي تواجهها بلاده ومعها الاتحاد الأوروبي في عالم «خطير ومتحول»، إلا أن ماكرون لم يبخل في توجيه الثّناء للعمل الذي يقوم به ممثلو فرنسا في الخارج، وفي التعبير عن ارتياحه للدور الذي تلعبه على المسرح الدولي، متوقفاً عند النجاحات التي حققتها، وبشكل خاص عند النتائج التي أفرزتها قمة «تحالف الراغبين» الداعم لأوكرانيا التي استضافها الإليزيه، وعند المبادرات الكثيرة التي أطلقتها أو دعمتها، إن كان في إطار الاتحاد الأوروبي - كالدفع باتجاه استراتيجية دفاعية واستقلالية استراتيجية - أو الأمم المتحدة - كالاعتراف بدولة فلسطين - أو بشأن البيئة ومصير المحيطات وتمويل الدول الفقيرة، وخصوصاً الأفريقية.
ثمة هاجس يسيطر على الرئيس الفرنسي وعلى الكثيرين من قادة العالم غرباً وشرقاً، اسمه دونالد ترمب، والسياسات التي يمارسها، والأطماع التي لا يخفيها. من هنا، أهمية الانتقادات التي وجّهها الرئيس الفرنسي للولايات المتحدة، من غير أن يسمي نظيره الأميركي بالاسم. والخوف الأكبر الذي يسكن ماكرون عنوانه تهميش أوروبا، وفرنسا في قلبها، وتفكّك الحلف الأطلسي، ونسف المنظمات الدولية، وتقاسم النفوذ في العالم بين قطبين هما الولايات المتحدة والصين، وعودة الأطماع الإمبريالية إلى الواجهة، أكانت روسية (في أوكرانيا)، أم أميركية (في فنزويلا وغرينلاند)، أم صينية (في تايوان).
هل ما زالت واشنطن حليفاً؟
بيد أن سهام ماكرون الأكثر شحذاً وجّهها الرئيس الفرنسي للحليف الأميركي. وما ذكره يشكّل مضبطة اتهام بحق واشنطن والرئيس ترمب.
فالولايات المتحدة، في نظره، قوة «تنصرف تدريجياً عن بعض حلفائها، وتتحرر من القواعد الدولية التي كانت تروّج لها حتى وقت قريب». كذلك، فإن إدارة ترمب تمارس سياسة يصح توصيفها بـ«العدوانية الاستعمارية الجديدة»، ملمّحاً إلى ما قامت به في فنزويلا، وما تنوي تنفيذه في الدنمارك. ولا ينسى ماكرون التنديد بتخلّي واشنطن عن المنظمات الدولية، وعن «التعددية الفعّالة» في إدارة شؤون العالم، وتفضيلها أنانية المصالح الخاصة.
وفي رأي ماكرون، فإن «أداء المؤسسات متعددة الأطراف يتراجع بشكل مطّرد؛ إذ نحن نعيش في عالم قوى عظمى لها رغبة حقيقية في تقاسم العالم في ما بينها»، مستهدفاً بكلامه الولايات المتحدة بالطبع، ولكن أيضاً الصين وروسيا.
في خطاب له في بودابست في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 2024، بمناسبة قمة «المجموعة السياسية الأوروبية»، قال ماكرون ما حرفيته أن «العالم يتكون من فئتين: أكلة اللحوم من جهة، وأكلة الأعشاب من جهة أخرى. وإذا كان قرارنا البقاء كأكلة الأعشاب، فسوف يلتهمنا أكلة اللحوم؛ لذا فمن الأفضل لنا أن نكون (في الوقت عينه) من أكلة الأعشاب وأكلة اللحوم». ويبدو أن ماكرون ما زال عند هذا الرأي، بقوله الخميس: «نحن نرفض الاستعمار الجديد والإمبريالية الجديدة، لكننا في المقابل نرفض أيضاً التبعية والانهزامية».
عالم مهزوز
تُبيّن رؤية ماكرون «عالماً يختل نظامه» بسبب امتناع قوى رئيسية فاعلة عن احترام الأسس التي ينهض عليها البناء الدولي القويم. فمقابل الولايات المتحدة التي تحرر رئيسها من قيود القوانين الدولية التي تحكم العلاقات بين الدول، هناك روسيا التي تشكّل «قوة لزعزعة الاستقرار»، وهناك الصين التي يشكو من سياستَيها الاقتصادية والتجارية. ولخّص الوضع بالتالي: «لدينا (إضافة لروسيا) مشكلة مزدوجة: العدوانية الصينية، والرسوم الجمركية الأميركية»؛ لذا فإن «وجود الأمرين معاً يعد مشكلة كبيرة».
للخروج من هذه الصورة المعتمة، ولأنه يرفض الانهزامية والوقوف موقف المتفرج أمام عالم يتداعى؛ فإن الرئيس الفرنسي يقترح مجموعة من الخطوات الضرورية على ثلاثة مستويات: الوطني الفرنسي، والأوروبي، والدولي. ففي ما خصّ المستوى الأول، يؤكد ماكرون أن «الموقف الوحيد المقبول في عالم يفقد القواعد، ويغلب عليه قانون الأقوى، هو أن نؤمن بأننا أقوياء، وأن نحافظ على وحدتنا، وأن نعمل على زيادة مناعتنا، وأن نوسّع دائرة تأثيرنا».
ويضيف الرئيس الفرنسي: «لسنا هنا للنحيب والبكاء على مصير العالم، بل لنعمل ونتحرك»، مُذكّراً بأن فرنسا تتمتع بـ«الاستقلالية الاستراتيجية»، ومُلمّحاً إلى قدراتها النووية، وأنها نجحت في التأثير على الأجندة الأوروبية. وفي نظره، يتعين العمل بشكل «براغماتي»، والدفاع عن المصالح الفرنسية، وتوسيع دائرة التأثير الفرنسي، ورفض التبعية مهما تكن ولأي جهة كانت. وخلاصته أن «ما نجحنا في تحقيقه لفرنسا وفي أوروبا يسير في الاتجاه الصحيح»، لجهة الدفع باتجاه تعزيز القدرات الدفاعية الفرنسية والأوروبية، بما فيها البرامج الصناعية الدفاعية، و«تعزيز الاستقلالية الاستراتيجية» في مواجهة الولايات المتحدة والصين، سواء في المجال التجاري أو الأمني.
وأكثر من مرة، أراد ماكرون أن يبرز معالم القوة لفرنسا والاتحاد الأوروبي، مذكّراً بأنه يتشكّل من 450 مليون مواطن ومستهلك، وأنه قوة اقتصادية وتجارية قائمة وساعية لتكون قوة استراتيجية.
طموحات ماكرونية
أعرب الرئيس الفرنسي عن طموحاته للاستفادة من ترؤس بلاده «مجموعة السبع» بدءاً من أول يناير (كانون الثاني)، مؤكداً رغبته في جعله محطّة لمكافحة «الاختلالات العالمية» بطريقة «تعاونية»، ولا سيما مع الصين.
وحذّر من أن «مجموعة السبع» يجب ألا تتحول إطلاقاً إلى «نادٍ مناهض لدول (بريكس)»، وهو تكتل آخر يضم «الدول الصاعدة الكبرى» مثل البرازيل وروسيا والهند والصين. ولخّص ما سبق بالقول: «ما تمكنّا من تحقيقه لفرنسا وأوروبا يسير في الاتجاه الصحيح: مزيد من الاستقلال الاستراتيجي، وتقليل الاعتماد على الولايات المتحدة والصين». لكن الحقيقة لا تبدو زهرية لهذا الحد، وقد اتّضحت حاجة أوروبا للدور الأميركي عسكرياً واستراتيجياً في أوكرانيا، فضلاً عن ضعفها في وجه الرسوم الجمركية التي فرضها ترمب، والعقوبات التي يهدد بها الأوروبيين في حال أعاقوا عمل الشركات الأميركية الكبرى في المجالات التكنولوجية المتقدمة.
ويسعى ماكرون إلى إصلاح نظام «التعددية الفعّالة» التي يرفضها ترمب تماماً، كما يرفض المنظمات الدولية التي خرج من العديد منها كـ«اليونيسكو» ومنظمة الصحة الدولية، ومن الاتفاقيات الخاصة بالمناخ كاتفاقية باريس لعام 2015. كذلك يريد ماكرون إصلاح عمل الأمم المتحدة والحوكمة العالمية.
إنها، من غير شك، طموحات مشروعة، لكن هل هي قابلة أن تتحول إلى واقع؟ السؤال مطروح، وعلامات الاستفهام عديدة إذا التفتنا إلى أوضاع فرنسا على المستويين السياسي والاقتصادي، وأن البلاد ما زالت متشظية سياسياً، ومنهكة اقتصادياً، ومتوترة اجتماعياً.-(وكالات)