عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    29-Nov-2019

حارات منسية.. - حانوت علي الدُرّة

 

الراي - خالد قوقزة كانت حاراتنا المنسية مليئة بأولئك الرجال الذين كانوا قدوة ومحل ثقة وتقدير وإجلال، ففيهم كنا نلمس البركة والخير، وبمجالسهم كنا نجد المتعة والاستفادة. فأحاديثهم لا تخلو من الفائدة، لما لا ففيها الحكمة ومنها نأخذ النصح والأرشاد. وصدق من قال: المجالس مدارس.
لا زالت صورته بوقار شيبته ولحيته البضاء وحطة رأسه وبدامرِه وعباءته التي كان هو الذي يعطيها هيبة ووقارا مرسوما في عقولنا وعقول كل من عرفوه. وتلزمنا في كل مَرّة يُذكر بها أمامنا بأن ندعو له بالرحمة والمغفرة والجنة.
الحج علي الدرة ابو الكشك زريقات ذلك الذي تعلّم في كتاتيب الشيخ شكري طبيلة، وحفظ على يده القرآن ومئات الأحاديث النبوية مع إسنادها، وحفظ آلافا من أبيات الشعر لفطاحلة الشعر العربي، ودرس لغاية الخامس الابتدائي في المدرسة التي تبرع بها والده أحمد الدرة للدولة بذلك الوقت، وعلى الرغم من تميّزه الا انه ترك المدرسة وتوجه للتجارة رغم نصيحة الأستاذ فضل الدلقموني له بإكمال دراسته في السلط.
في تجارته وتعامله مع الناس وبجميع مناحي حياته كان يطبق ما حفظه من القرآن والسنة النبوية. ولا زالت دكانته (حانوته) العتيقة التي أسسها منذ امد بعيد على الصدق والامانة شاهدة على صدقه وورعه وعلى كياسته وفطنته وحِلمه وطولة بالِه، وشهادة على حُب الناس له ولذريته.
دكانة الحج علي كانت متعددة الأهداف والغايات والأغراض. فعند دخولك اليها تجد نفسك وكانك تعيش في زمن الطيبة والبركة. فترى هنا مرتبانات الاعشاب، وهناك مرتبانات البذور، وفي زاوية تلحظ لوازم البدوي والفلاح والحرّاث وراعي الغنم والصيّاد والفارس والنجّار والخياط والحدّاد والمعلم والمريض والعروس.
كانت دكانته بمثابة صيدلية تحوي الكثير الكثير من أعشاب الطبيعة التي كان يعالج بها كثيرا من الامراض فحين يراجعه احد ويشكي من ألم يوصف له العشبة المناسبة ويرشده لطريقة استعمالها.
أبو فلاح يدخل على الحانوت ويتالم من شيء في بطنه. فيقول له الحج علي: أكيد إمبارح كاين نايم ومتكشّف و سَمَطك برد القيض. هاك يابه شوية قيسوم أنقعهن بمي فاترة واشربهن على الرّيق وأدعي لي.
ام عودة تحضر للدكانة وتحمل بحضنها أبن أبنها وتقول: واالله يا خالوه هالولد طول الليل وهو إيوِع، وإذا عين المغاسل نامت نام ! فيكشف عن بطنه ويدق بكفه عليه فيقول: شوه خالوه هاظ بطنه زي القِربِة المنفوخة. هاچ إعرام بابونج وكل يوم الصبح أغلي له نِدفة قَدَر خاشوقة زغيرة وشربيه. ابو فايز يشكي من كَحّة قوية ويقول: واالله يا حجي إلها ثلثتيام متجربديتني وما تخليني أقِر. فيقول له: يا خالوه خفّف من تتن الثمانية عُقدة اللي دايما تُسمُطه عرّيق. هاي كمشِة زعتر بري أغلي منها كل يوم الصبح خاشوقة كبيرة واشزبها قبل الهيشي تبعك وبعدها إدعيلي.
الاعشاب التي كان يقتنيها الحج علي في حانوته كثيرة ومتعددة الأغراض. فمنها (حندقوق، مِرمِچة، العنزروت، سِليمِچة، إقحوان، قُريص، قيصوم، إجرية الحمام، خبز الراعي، شيح، لسان الثور، قثا ابو حمار، بابونج...).
عيشة ام احمد تشكي له: يا حجي إبن إبني إمطلع آسنان، وعليه حَم كثير (إرتفاع درجة الحرارة). فيعطيها كمية من خلطة المِرْمِجة والعنزروت ويقول لها: أدهني ثُمّه وبعون االله راح يطلّع أسنان بدون وجع.
عيدة العقلة تقول له: يا خالوه عندنا ولد صار عُمره سنتين وبدنا نِفطِمه ومش قابل ينفطِم. فيعطيها خلطة المُرّة التي تجعله يبتعد عن ثدي والدته.
كانت دكانته (حانوته) مقصدا للبدوي حيث يجد لديه متطلباته ومستلزمات بيت الشعر من صوف وشعر وادوات الغزل من مغازل وسنّارات وطارات والخيطان والاصباغ.
ومستلزمات الاغنام من الأجراس والقرقاع (الطبال) والبريشمانات.
كذلك كان الحج علي مقصد العروس حيث متطلباتها ولوازمها من أقمشة فاخرة (الجوخ الإنجليزي، الحَبَر، المَلس، الدولين، البوبلين، الروز، القِنّب، الجورجيت، مخمل الصاروخ، الصوف الربيعي.....)، إضافة الى حناء العروس الحجازي واليمني والباكستاني والأيراني، وكُحلِة العروس بأنواعها اامختلفة اليمني والحجازي والأثمد عدا عن لوازم تسريحة شعر العروس من أمشاط وقراميل.....
كما وكانت دكانته بمثابة مقصد للمزارع. فتجد لديه أدوات الحراثة مثل: (السِچة، الكدّانة، الشَرعَة، الرياح، البُرك، الناطح، الكابوسة...) كذلك ادوات الحصيدة مثل: (المنجل، الحاشوشة، الكربال، المقطف، الصاع..)، وادوات الدواب من سروج الخيل وأرسانها وحلوس الحمير. وتجد لديه كافة بذور الخضراوات والزروع (البندورة، البطيح، البقدونس، الجرجير، الكسبرة، الفجل، البصل، الباميا، الفاصوليا، اللوبيا، الخيار، الشمام، الكوسا، القثّا...).
وأكثر من هذا وذاك كان حانوت الحج علي مجمعا للختيارية من ابناء جيله ومقصدا للمشايخ والأُدباء والشعراء ومركزا لحل الخلافات وإصلاح ذات البين، فقد كان وجها عشائريا ومرجعية عشائرية.
مات الحج علي رحمه االله الا ان ذكره الطيب لم يمت، وترك خلفه ذرية صالحة دائمة الدعاء له وحريصة أن يبقى عمله الطيب مذكورا على لسان كل من عرفه. ولا زالت دكانته قائمة بتلك الهيئة التي تركها وبحلتها التراثية القديمة وتدار بنفس الأسلوب من قبل نجله عبداالله ابي رسول، الذي حافظ على مقتنياته وتراثيته وشكله القديم من خلال حصول حانوته على موافقة وزارة السياحة كمركز تراثي وسياحي ومقصد للسياح، ومنع هَدمه.
 
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات