الدستور
إذا كنت الشخص نفسه الذي كنت عليه قبل عشر سنوات، فلماذا تبدو مختلفا، وتشعر بطريقة مغايرة، وتتخذ قرارات لم تكن لتفكر فيها سابقا؟ هذه الأسئلة تتقاطع مع مفارقة «سفينة ثيسيوس»، التي تتساءل عما إذا كانت الأشياء التي تتغير تدريجيا لا تزال هي نفسها، أم أنها تصبح شيئا جديدا بالكامل؟
أبحر ثيسيوس، البطل الإغريقي الشهير، بسفينته عبر المعارك، وحين تآكلت ألواحها، استبدلت واحدة تلو الأخرى، حتى لم يبق منها شيء من الأصل. فهل لا تزال «سفينة ثيسيوس» هي نفسها، أم أصبحت سفينة جديدة؟ هذه ليست مجرد معضلة فلسفية، بل هي صدى لحياتنا الشخصية، فهل نحن ذات الأشخاص رغم تغير خلايانا، أفكارنا، وعلاقاتنا؟
كل خلية في جسدك تتجدد خلال سنوات، ومواقف الحياة تصوغ شخصيتك، فأنت لست ذلك الطفل الذي اعتاد الخوف من الظلام، ولست المراهق الذي خاض أولى صدماته العاطفية. ومع ذلك، لا تزال تقول: «أنا». فمن أين تأتي استمراريتك؟
يرى البعض أن الجسد هو الهوية، لكنه يتغير باستمرار، بينما يعتقد آخرون أن العقل هو ما يمنح الإنسان جوهره. لكن العقل بدوره يتأثر بالزمن والتجارب، فقد يصبح المؤمن ملحدا، والمتشائم متفائلا. حتى الأدوار التي نؤديها في الحياة تتبدل، مما يطرح السؤال من جديد بصيغة أخرى: هل نحن مجرد انعكاس لما نفعله؟
الحقيقة الأكثر إنسانية في هذه المفارقة أن الهوية ليست ثابتة، بل هي مستمرة في التغيير، كما قال الفيلسوف هيراكليتوس، «لا يمكنك أن تخطو في النهر نفسه مرتين»، لأن النهر وأنت تتغيران باستمرار. ربما ليست السفينة مجرد ألواح، كما أننا لسنا مجرد أجساد أو عقول، بل نحن الحكايات التي نرويها عن أنفسنا، والمشاعر التي نختبرها، والذكريات التي نحملها.
ربما نحن مثل سفينة ثيسيوس، نتغير، لكننا نظل نحن، وإن كنا في كل لحظة نسخة جديدة من أنفسنا.