عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    20-Nov-2021

مجلس الأمن الوطني* د. محمد حسين المومني

 الغد

إنشاء ودسترة “مجلس الأمن الوطني” قد يكونان من أهم الخطوات، وأوضح الضمانات، التي تشير الى جدية الدولة بالمضي قدما في مسار التحديث السياسي، والدخول في مرحلة الحكومات الحزبية البرلمانية. ليس صحيحا أن إنشاء هذا المجلس ينتقص من الولاية العامة للحكومة، فرئيس الوزراء واثنان من الوزراء أعضاء في هذا المجلس، يشاركون النقاش والقرار. لفهم سياق دسترة مجلس الأمن الوطني، علينا تخيل المرحلة المقبلة كما يلي: حكومات حزبية تعمل كجزء من منظومة عمل سياسي تنفصل فيها السلطات بشكل مرن، مظلتها جميعا وحامي استقلالها والفصل بينها هو جلالة الملك، الذي ستترسخ مكانته في المرحلة المقبلة كحامٍ للدستور ومظلة السلطات كافة، والضامن للفصل المرن بينها، والحامي الممسك بتوجه الدولة الاستراتيجي، الذي لا يجب أن يخضع أو يكون عرضة لأي تجاذبات حزبية قد تحيد بنا عن خط سير الدولة التاريخي والمستقبلي الذي يعلي من المصلحة العامة ويرتقي بها فوق التجاذبات الحزبية. الفكرة ليست جديدة، ونعلم جميعا أن ثمة حاليا مجلس سياسات يعمل على نقاش وتنسيق القرارات المفصلية الاستراتيجية المهمة، وما حدث الآن هو دسترة هذا الشأن وإعطاؤه صفة الإلزام القانونية.
القلق من التجاذبات الحزبية، والخشية من الشعبوية، كانا دوما هاجسا حاضرا عند القوى والأصوات كافة التي أبطأت التحول الديمقراطي في الوطن، لذلك، فالحماية الدستورية لسياسات الدولة الأمنية والاستراتيجية والسياسية الخارجية، هو الضمان الأهم والضروري لكي نخطو بثقة نحو الحكومات الحزبية، متحررين من خوف أن حزبا ما سيشكل حكومة قد تكون توجهاته الخارجية والأمنية عرضة للشعبوية الانتخابية، ما سيشكل خطرا على مصالح الدولة العليا الكبرى. وجود مجلس للأمن الوطني سيضبط المسار، ويتأكد أن القرارات الكبيرة أمنيا ودبلوماسيا ستبقى بمنأى عن الشعبوية الانتخابية. هذا هاجس حقيقي لأن الحسابات الاستراتيجية والدبلوماسية قد تختلف في أحيان عن توجهات الرأي العام، وهذا أمر يحدث في شتى دول العالم، لذا يجب أن تكون هذه القرارات متحررة من أي حسابات عدا عن حسابات المصلحة العامة العليا للدولة.
التحول بثقة نحو الحكومات الحزبية، والسير بذلك جديا، يتطلب ضمانات أننا لا نسير للمجهول، ولا نخطو خطوات غير محسوبة العواقب. دسترة مجلس الأمن الوطني إحدى أهم هذه الضمانات. هذه ليست الضمانة الوحيدة لتؤكد أننا نسير بالاتجاه الديمقراطي الآمن، فالتدرج في التحديث ضمانة أخرى مهمة لنرقب كيف تطور الأحزاب برامجها ومواقفها، وتصعيب تعديل بعض القوانين ليصبح تعديلها بأغلبية الثلثين أيضا ضمانة مهمة، تهيئنا لأن نخطو بثقة نحو الحكومات الحزبية، ومن هذه القوانين الأحزاب والانتخاب والهيئات الرقابية والقضائية.
ونحن نخطو نحو الحكومات الحزبية، ثمة شؤون لا بد أن تكون بمنأى عن السياسة والتجاذبات الحزبية، مثل الشؤون السيادية الأمنية والعسكرية، والشؤون الرقابية والقضائية، والشؤون الدينية والتعليم. تخيلوا لو أن حزبا من لون سياسي معين، يساري أو يميني، شكل حكومة أغلبية، وبدأ يصبغ هذه القطاعات المهمة والمفصلية للدولة والمجتمع بلونه السياسي والإيديولوجي؟ تلكم ستكون كارثة الكوارث، لذا فلا بد من النأي بها، وجعلها فوق حسابات السياسة والانتخاب، وبغير ذلك نكون بالفعل نقفز ديمقراطيا وسياسيا بالمجهول.