الدستور
«الأسلحة النووية ليست للاستخدام، بل لمنع استخدامها». رونالد ريغان.
قبل فترةٍ وجيزة، عُدتُ إلى مقالةٍ مُهمة تعود إلى أكثر من عقدٍ من الزمن، قد أشعلت حين نشرها نقاشاً أكاديمياً وسياسياً حاداً في مجلة «فورين أفيرز»، المرجعيةِ الأرفع شأناً في حقل الدراسات الاستراتيجية والعلاقات الدولية، وذلك في الخامس عشر من حزيران عام 2012. وقد أبدعها كينيث والتز، العلَمُ البارز في مدرسة الواقعية البنيوية -أو ما يُعرف بالواقعية الجديدة- ووسمها بعنوانٍ استفزازي بامتياز: «لماذا يجب أن تحصل إيران على قنبلة نووية: إنّ التوازن النووي كفيل بتحقيق الاستقرار؟».
تدور الأطروحة المحورية للمقالة حول فكرة مفادها أن اكتساب إيران للقدرة النووية لا يستلزم حتماً الانزلاق نحو الفوضى وزعزعة الاستقرار الإقليمي؛ بل قد يُسهم، في المقابل، في ترسيخ معادلة ردعٍ متوازنة في مواجهة الكيان المحتل، مما يُقلّص بصورة ملموسة احتمالات الانزلاق نحو حرب كبرى.
يرتكز منطق والتز في جوهره على تشخيص الخلل في موازين القوى الإقليمية، ذلك الخلل الناجم عن الاحتكار النووي المنفرد للكيان الصهيوني في منطقة الشرق الأوسط. وعليه، فإن انضمام إيران إلى النادي النووي من شأنه - بحسب رأيه - استعادة التوازن الاستراتيجي المفتقَد، قياساً على نماذج تاريخية سابقة أثبتت أن الردع النووي المتبادل كان عاملاً فاعلاً في تحجيم نزعات التصعيد والحيلولة دون اندلاع الحروب الشاملة.
ينبثق هذا التحليل من مسلّمةٍ نظرية راسخة في الفكر الواقعي، مفادها أن امتلاك الترسانة النووية لا يُغري أصحابها بالمجازفة والتهور، بل يُلقي على كاهلهم ثقلَ المسؤولية، ويفرض عليهم مستوى أعلى من الحيطة والتعقّل في صنع القرار.
ولا يصدر والتز في هذه المقاربة عن دفاعٍ أيديولوجي عن إيران أو عن توجهاتها السياسية؛ بل يُقدّم مرافعةً تحليلية صارمة، مستندةً إلى مقتضيات المنظور الواقعي في العلاقات الدولية، خلاصتها أن الانتشار النووي قد ينطوي -في ظروفٍ بعينها- على قدرٍ من الاستقرار الاستراتيجي، من خلال ما تُرسيه معادلة الردع المتبادل من توازن هشّ لكنه فعّال.
بالنسبة لإيران، لا يختزل السلاح النووي وظيفتَه في كونه أداةً للقوة وتعزيز النفوذ الاستراتيجي، بل يتخطّى ذلك ليغدو شحنةً رمزية عميقة، يتشابك فيها الوجدان الحضاري مع المطالبة بالسيادة والكرامة الوطنية. فإيران تستحضر ذاتها بوصفها حضارةً راسخة الجذور، نهبتها على مرّ العصور أطماع الإمبراطوريات المتعاقبة، وأوشكت في نهايات القرن التاسع عشر ومطالع القرن العشرين على أن تستحيل إلى ملحقٍ تابع ضمن المناطق المتنازع عليها بين القوى الكبرى، قبل أن تظل -بحكم ثرواتها الهائلة وموقعها المحوري- هدفا دائماً لتجاذبات التنافس الدولي. وفي سجل الذاكرة الوطنية الحديثة، يحتلّ انقلاب عام 1953، الذي أسقطت فيه أجهزة الاستخبارات البريطانية والأمريكية رئيسَ الوزراء المنتخب ديمقراطياً محمد مصدّق، موقعاً بالغ الحساسية، لا يزال يُلقي بظلاله الثقيلة على الوعي السياسي الإيراني. وحين اندلعت ثورة 1979، كان الحيلولةُ دون تكرار مصير مصدّق في صدارة مرتكزاتها الفكرية، إذ غدا درساً تأسيسياً لا يقبل النسيان.
ومن المفارقات ذات الدلالة البالغة أن الولايات المتحدة، التي كانت شريكاً فاعلاً في إرساء اللبنات الأولى للبرنامج النووي الإيراني في خمسينيات القرن الماضي، هي عينها التي تتصدّر اليوم جبهة المواجهة مع طهران متذرّعةً بضرورة الحيلولة دون اكتساب إيران للقدرة النووية. أما المفارقة الأعمق والأكثر إشكاليةً فتكمن في ازدواجية المعايير الفاضحة: فبموجب أي منطق تُصنَّف إيران وهي تسعى لامتلاك السلاح النووي خطراً وجودياً يستوجب التصدّي الدولي، في حين تحظى الترسانتان النوويتان الهندية والباكستانية بقبولٍ ضمني أو تجاهلٍ مقصود؟ وكيف يستقيم الأمر والأسلحة النووية البريطانية والفرنسية تُقرأ باعتبارها ضماناتٍ للاستقرار وعوامل ردعٍ دفاعية، لا مصادر تهديدٍ تستدعي القلق؟
تستند الحجة الغربية في معارضة امتلاك إيران للسلاح النووي، في معظمها، إلى تورّطها المزعوم في دعم فصائل مسلّحة كحزب الله والحوثيين وحماس، وهي فصائل مقاومة للكيان المحتل. بيد أن هذا المنطق يكشف عن هشاشته حين يُستحضر نموذج باكستان مقياساً للمقارنة؛ إذ ارتبط اسمها على نحوٍ موثّق بحضانة تنظيمات متشددة مثل: «لشكر طيبة» و«جيش محمد» و«حزب المجاهدين». فضلًا عن ذلك، فإن أسامة بن لادن -المتّهم الرئيسي بتدبير هجمات الحادي عشر من سبتمبر إن صحّت الرواية - اغتيل في باكستان. ومع ذلك كله، لا يُصنَّف امتلاك باكستان للترسانة النووية تهديداً للأمن الدولي يستوجب المواجهة. والأجدر بالتأمل أن الهند وباكستان، وهما دولتان تجمعهما عداوةٌ بنيوية متجذّرة، وقد خاضتا حروباً متعددة، لم تحاولا قط توظيف أسلحتهما النووية في تسوية نزاعاتهما؛ بل أسهم الردع النووي المتبادل في رسم خطوطٍ حمراء غير معلنة، حدّت من الانجرار نحو صدامٍ شامل.
ومن زاوية المنظور الواقعي في تحليل السياسة الدولية، يُمثّل احتكار الكيان الصهيوني في المنطقة الخللَ الأشد وطأةً في بنيتها الأمنية؛ فهذا الاحتكار، الذي يحظى بتغطيةٍ غربية صامتة وضمانٍ استراتيجي ضمني، هو الذي يُرسّخ التفوّق الإسرائيلي ويضمن له هامشاً واسعاً من حرية الحركة والمبادرة. وفي المقابل، تُقدّم الشواهد التاريخية ما يكفي من الأدلة على أن دخول قوةٍ إقليمية أخرى إلى المعادلة النووية قد يُعيد رسم خريطة التوازن، ويُفضي إلى معادلة ردعٍ متكافئة.
وخلاصة هذا المنطق أن صون الهَيمنة الإسرائيلية المنفردة في المنطقة يستلزم، بالضرورة، إغلاق الباب أمام أي قوة إقليمية طامحة إلى عضوية النادي النووي. وتتصدّر هذه القائمة إيران تحديداً، التي تنظر إليها الولايات المتحدة دولةً خارج دائرة الامتثال لنظامها، ومتمرّدةً على منظومة نفوذها ومصالحها في المنطقة.
وفي نهاية هذا العرض أُدرج رابط المقالة الأصلية، لمن رغب في التعمّق أكثر.
https://tinyurl.com/3mp2y3up