الدستور
نحن شعبٌ يحب الماضي حبًّا مرضيًّا نشتاق له كما يشتاق العاطل عن العمل إلى وظيفة لم يتقدم لها أصلًا.
الحنين للماضي عنا ليس شعورًا عابرًا، بل هواية، نمارسها صباح مساء، ومع كل فاتورة كهرباء. نفتح صور الأبيض والأسود ونقول: «آه كانت الأيام بسيطة.» طبعًا كانت بسيطة لأننا كنا صغارًا، لا نفهم شيئًا، ولا ندفع شيئًا.
نحن لا نشتاق للماضي لأنه جميل، نشتاق له لأنه لم يكن فيه إنترنت يذكّرنا كل خمس دقائق أن هناك من هو أسعد منا، وأغنى منا، وأنحف منا، ويأكل أفوكادو. نحن نحب أن نقول: «زمان كانت القعدة أحلى.» طبعًا كانت أحلى، لأنك لم تكن تعرف رأي الناس فيك، ولا تعرف كم قبض جارك، ولا تعرف أن ابن خالتك صار مديرًا وأنت ما زلت «قيد الانتظار».
نشتاق لزمن كانت فيه الأمور واضحة: الزلمة زلمة، والمرأة امرأة، أما اليوم، كل شيء قابل للتحديث، حتى الكذب.
نحن لا نشتاق للماضي، نحن نهرب من الحاضر. نهرب من سؤال: «شو عملت بحياتك؟» فنختبئ خلف جملة جاهزة: «والله يا أخي الزمن تغيّر.»
نحن نحب الماضي لأنه لا يطالبنا بشيء. لا يقول لنا: لماذا فشلت؟ لماذا تأخرت؟ لماذا رضيت بالقليل؟ الماضي لطيف يقف ساكتًا في الزاوية ويبتسم، كأنه يقول: «خلص راح اللي راح.»
المضحك المبكي أننا لو عاد بنا الزمن فعلاً، سنعود لنتذمر منه أيضًا. سنقول: «آه لو في واتساب!» و»آه لو في مصعد!» و»آه لو في واسطة أقوى!»
نحن شعب لا يعجبه زمنه أبدًا، لكننا نتقن البكاء على أطلاله.
الحنين للماضي صار مثل المسكّن: يخفف الألم، لكنه لا يعالج المرض. نجلس ونقول: «كان في محبة أكثر.» بينما نحن الآن لا نحتمل بعضنا خمس دقائق بدون حظر.
الماضي ليس جميلًا كما نتصوره، ولا الحاضر سيئًا كما نلعنه. المشكلة ليست في الزمن المشكلة أننا نكبر، ونخسر أشياء، ثم نبحث عنها في الصور القديمة، بدل أن نصنع شيئًا جديدًا.
لكن لا تقلق غدًا سنشتاق لليوم، وسنقول لأبنائنا: «آه أيام 2025 كانت جنة.» وسيسألوننا: «وإذا كانت جنة ليش كنتم طول الوقت متضايقين؟»
وسنصمت.
لأن الصمت هو الشيء الوحيد الذي لم يتغير عبر الأزمنة.