عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    17-Jan-2019

مرضى السوشال ميديا... - محمد الشبراوي
العربي الجديد 
 
تعاني المكسيكية نينا دانتاس مشكلةً غير تقليدية، وبينما يتابعها ثلاثة ملايين على موقع "تيك توك"، المشكلة التي مرّت بها دفعتها للتفكير في الانتحار؛ فما بواعث هذا التفكير بعدما حققت شهرة واسعة؟ وكيف نتعامل مع مرضى مواقع التواصل الاجتماعي؟
 
ليست نينا الوحيدة في هذا التناقض، فمع كثرة معجبيها ومتابعيها تشعر بالعزلة بين الناس؛ لأن العالم الافتراضي لا يعادل الواقع بأي حال، والبون الكبير بينهما يخلق جوًا من التوتر، وربما يفضي بصاحبه للاكتئاب والقلق والانتحار أحيانًا، ولعلَّها وأمثالها يرددون مع دعبل الخزاعي: "إني لأفتح عيني حين أفتحها على كثيرٍ ولكن لا أرى أحدا".
 
ثم يأتي الخوف من فقد المتابعين، والبحث عن سبل غير مسبوقة للحفاظ عليهم واستقطاب آخرين؛ فالوقوع في فخ النمطية والتكرار يقلل نسبة المشاهدة، وقد يغري بإلغاء المتابعة. يخاف نجم السوشال أن يسقط عن الحبل، ويسيطر عليه هوس الشهرة مع القلق من فقدانها، ما يؤثر على صحته النفسية والعقلية.
 
أدمنت شريحة كبيرة من مرتادي مواقع التواصل الاجتماعي، توثيق أمور هامشية وتثمين التفاهة والسطحية، وشغلت السذّج ممن يتابعونهم بسخافات لا طائل منها، ثم جرت بعض القنوات الفضائية لاهثة لاستضافة هؤلاء المشاهير؛ لتنشيط مشاهدات القناة وكسب متابعي المشاهير. 
كيف يسمح الناس لأنفسهم أن يتابعوا هذه التفاهات؟ إنها جريمة في حق الذوق العام والأجيال المقبلة، وبشاعتها تفوق الفعل الفاضح في المكان العام
 
وقد تقول: السوق للجميع، وعلى كل من شاء أن يعرض بضاعته ولنترك الجمهور يقرّر ويختَر، وهذا كلام لا غبار عليه، لكنك إن أنعمت النظر رأيتهم يستهدفون الأطفال والشباب الأعزل من الفكر والثقافة؛ فصادف سفههم عقلًا خاويًا فتمكّنا!
 
وبالمثال يتضح المقال، فمن يوم 4 يناير/ كانون الثاني الجاري حتى كتابة هذه السطور؛ حصدت صورة بيضة دجاجة على موقع إنستغرام 43 مليون إعجاب! بالإضافة إلى ما يربو على مليوني تعليق، متفوقة على بيضة أخرى (من نفس الفصيلة!) لنجمة تلفزيون الواقع الأميركية كيلي جينر، نُشرت العام الماضي وحصلت على 18 مليون إعجاب! لتدخل بيضة 2019 موسوعة غينيس للأرقام القياسية من أوسع أبوابه، وتكشف عن جانب لا بأس به من اهتمامات السوشال ميديا؛ فأخت هذه البيضة وجدت بين يدي البشر من قديم الزمان، لكن ظهورها على السوشال ميديا زينها للناظرين، وأوحى لبعضهم أنه رأى فلورنسا بعين ستندال، أو الموناليزا بعين دافنشي!
 
ألهذا الحدّ سيطر الغثاء على العقول؟ وكيف يسمح الناس لأنفسهم أن يتابعوا هذه التفاهات؟ إنها جريمة في حق الذوق العام والأجيال المقبلة، وبشاعتها تفوق الفعل الفاضح في المكان العام؛ لأنها موثقة ويسهل الوصول إليها وإعادة نشرها، واسمح لي أن أسجل هنا تناقضًا غريبًا؛ فأثناء التحضير لهذا المقال وجدت إعجابًا لأحدهم ضمن ملايين إعجابات بيضة 2019، ولهذا الشخص مقال عنوانه: "لا تصنعوا من التافهين مشاهير"؛ فلمن يوجه رسالته إن لم يلتزم بما يقول؟!
 
كتب العقاد تحت عنوان "مرض حب الشهرة": (إن الذي يَكِلُ إلى الناس تقدير قيمته، يجعلونه سلعة يتراوح سعرها بتراوحهم بين الحاجة إليها والاستغناء عنها، والطريقة المثلى أن يقوِّم لنفسه قيمتها؛ فإن المرء كما يقول بعضهم يساوي القيمة التي يضعها لنفسه، ذلك خيرٌ من أن يضعها في المزاد على ألسنة الناس).
 
ليس كل ما يعرض على السوشال ميديا سلبيًا، ومن يزعم ذلك فهو إما جاهل أو ناقم حقود، لكن نسبة المحتوى السيئ أكثر من المحتوى الهادف المميز، وصفوة القول أن مرضى السوشال ميديا طالبو شهرة وحاطبو ليل، ولن يطول بقاؤهم على الساحة، وليست الشهرة عارًا في حدّ ذاتها، وإنما السبيل الذي يسلكه الحمقى لبلوغها ممقوت مرذول، وعما قريب سيذهب جفاءً، وليس راءٍ كمن سمع.
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات