عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    09-Jan-2026

"أنا القدس" لجيلبرت سينويه.. رحلة عبر الزمن من قلب المدينة

 الغد-عزيزة علي

 صدرت رواية "أنا القُدس" للروائي الفرنسي جيلبرت سينويه، وترجمها إلى العربية صالح الأشمر، لتأخذ القارئ في رحلة فريدة عبر الزمن، من قلب المدينة المقدسة نفسها. تبدأ الرواية بصوت القدس، التي بعد قرون من الصمت، تقرر أن تحكي قصتها الحقيقية بعيدًا عن الصور النمطية والمبالغ فيها.
 
 
عبر هذا السرد، يفتح سينويه نافذة على تاريخ المدينة المليء بالغزوات والصراعات، وعلى حياة سكانها الأوائل، وعاداتهم الاجتماعية والدينية، وصولًا إلى تأثير الغزاة والشاسو، وصعود مفاهيم دينية مثل يهوه وموسى. الرواية لا تروي مجرد تاريخ، بل تمنح القدس صوتًا حيًا، يكشف عن قدسيتها ووحدتها، وأثرها العميق في تشكيل الحضارات والديانات التي نشأت على أرضها.
تبدأ الرواية بمقولة للمؤرخ وأستاذ الجامعة الفرنسي المتخصص في دراسات القدس، لومير فانسان، من كتابه "القدس: القدس ليست ميدانًا مغلقًا تتكرر فيه صدامات الحضارات أو الحروب على الهويات الدينية أو القومية.
من خلال الابتعاد عن هذه الفئات المريبة ورواية التاريخ الحضري الطويل للمدينة منذ بداياتها حتى اليوم، ومع البقاء متنبهين لروح الأماكن وانعطافات الزمن، نكتشف على العكس مدينةً مفتوحة على أقطار الدنيا الأربعة، ومهدًا مشتركًا نشأت فيه اليهودية والمسيحية والإسلام، حيث تعكس الأماكن المقدسة الرمزية التبادلات والتأثيرات المتبادلة، وكذلك الصراعات والمواجهات".
يتناول القسم الأول من الرواية سرد القدس لقصتها بلسانها الخاص، بعد صمت طويل، مبتعدة عن الصور الزائفة التي فرضها الآخرون عليها. تصف القدس قدسيتها ووحدتها وارتباطها بالحقائق الدينية الثلاث، وتعبر عن إرهاقها من قرون الحروب وسفك الدماء على أرضها. كما تستعرض الأمم التي غزتها وتحذر من خطر اندثارها ما لم تتوحد الرسالات السماوية الثلاث للحفاظ على بقائها.
يتحدث سينويه عن تسمية أرض كنعان وأصلها التاريخي والديني، مشككًا في عدالة هذه التسمية المرتبطة بــ "لعنة" توراتية لم يكن كنعان نفسه سببًا فيها، مسلطًا الضوء على المفارقات الموجودة في الكتب المقدسة. ويسلط الضوء على القبائل السامية الأولى، وخصوصًا العموريين القادمين من شمال شرق المنطقة واستقرارهم فيها، مع إبراز نمط الغزوات التاريخي من الشرق إلى الغرب، وإفراد مكانة خاصة لليبوسيين بوصفهم مؤسسي المدينة.
ويشرح سبب اختيار اليبوسيين الموقع المرتفع للمدينة كحصن طبيعي ضد الغزاة، ويصف نمط حياتهم الرعوي وسكنهم في المغاور، ثم تطور عمرانهم وبناء الأسوار لحماية أنفسهم ونبع جيحون الحيوي. كما يسرد لحظة تسمية المدينة بـ"أورشاليم"، المرتبطة بإله السلام، في مفارقة مؤلمة بين معنى الاسم وتاريخ المدينة المليء بالصراعات.
أوضح المؤلف أن الإله شاليم لم يكن معبودًا لدى اليبوسيين وحدهم، بل انتشر في المنطقة بأسرها، مرتبطًا بـ"نجمة الراعي" التي ترمز إلى العبور نحو عالم الموت. ويشير إلى الطقوس القاسية التي مارسها الناس طلبًا لحمايته، بما في ذلك تقديم القرابين البشرية في أوقات الخطر.
ثم ينتقل سينويه إلى فكرة أوسع مفادها بأن الأجيال اللاحقة غالبًا ما تعيد تشكيل صورة الماضي، فتقدمه على أنه بدائي ومتوحش لتأكيد تفوقها الحضاري. ويستحضر صورًا إنسانية مؤثرة عن السكان الأوائل، مبرزًا بساطة حياتهم وبعدهم عن التفاخر والعظمة.
يصف لباس السكان الأوائل المصنوع من القنب وجلود الحيوانات، وغذاؤهم القائم على الزراعة المحدودة وتربية الماشية لأجل الحليب أكثر من اللحم، إضافة إلى الصيد الذي كان يكمل معيشتهم، مع مشاركة الأطفال في توفير الطعام بمهارة وبراءة.
كما يسلط الضوء على العادات الاجتماعية، بما في ذلك الزواج المبكر والاحتفال بالزواج أو بولادة الطفل الأول حول النار. ويصور مشاهد الأمومة والتكافل الجماعي، حيث تتشارك النساء مسؤولية رعاية الأطفال وإرضاعهم، في صورة تعكس التضامن والرحمة داخل الجماعة.
يتناول سينويه الجوانب الدقيقة للحياة الاجتماعية لليبوسيين، مسلطًا الضوء على مشاعر الأمهات الصغيرات وحدودهن داخل العائلة والعشيرة، وعادات الزواج وإثبات العذرية بوصفها جزءًا من النظام الاجتماعي السائد.
كما يصف طقوس الولاء للإله شاليم، حيث كانت تُقدّم القرابين الحيوانية قرب النبع وسط تراتيل جماعية، في مشهد يمزج الطقس الديني ببراءة الأطفال وفرحة الجماعة. ويقدّم صورة غامضة للإله شاليم كإله غيور، لا يُسمح بالحديث عنه إلا للكهنة، في زمن كان الناس فيه يتجنبون الخوض فيما يجهلونه.
ويقدّم لمحة ديموغرافية عن السكان ومسارات الطرق التجارية المحيطة بالمدينة، ويتتبع تطور العمران من المغاور إلى البيوت الحجرية، وتحول أورشاليم تدريجيًا إلى مدينة محصنة نتيجة تزايد الصراعات بين القبائل التي عاشت في أرض كنعان دون وحدة لغوية أو اجتماعية، حيث كانت النزاعات الصغيرة تتحوّل سريعًا إلى حروب مدمرة.
وأشار سينويه إلى ظهور غزاة جدد نحو العام 1500 قبل العصر اللاتيني، عُرفوا باسم الشاسو، اتسموا بالعنف والتدمير، وخرّبوا مدنًا عديدة في كنعان ومحيط القدس. ويميّز السرد بين دور الرجال في الغزو والنهب، ودور النساء اللواتي كنّ في الخلف لحراسة الأطفال والقطعان، مع نقد لواقع استعباد المرأة تاريخيًا وحصر دورها في وظائف جسدية وخدمية داخل المجتمع.
وتناول المؤلف فترة الحروب الطويلة ضد الشاسو، ثم تدخل مصر كقوة حامية، حيث أرسل الفراعنة جيشهم لطرد الغزاة. ويبرز النص طبيعة الحماية المصرية، المرتبطة بالجزية وفرض السلطة على الملوك الصغار وزعماء القبائل، مع مثال على رئيس أورشاليم، هيبا، الذي اضطر للتواصل مع الملك المصري أمنحتب الثالث لضمان حماية مدينته واستعادة النظام والاستقرار.
كما يستعرض مرحلة السلام النسبي بعد طرد الشاسو، موضحًا موقف المدينة من الغزاة: قبول الحماية المصرية مقابل الامتثال، مع تهديد ضمني لسلامة السكان في حال عدم تنفيذ الطلب.
وقدّم المؤلف تقييمًا موضوعيًا للشاسو، مشيرًا إلى أنهم لم يكونوا مجرد فوضويين، بل كان لديهم نشاط اقتصادي من خلال استغلال مناجم النحاس، وعقيدة دينية مرتبطة بإله يُسمّى يهوه، ما يثير تساؤلات حول التقاطعات بين معتقدات الشاسو والعبرانيين لاحقًا.
وتناول المؤلف حيرة أورشاليم بشأن ارتباط الشاسو بإله يهوه، وانتقال هذه العبادة إلى العبرانيين عبر جبل سيناء (فاران)، ويطرح تساؤلات حول موسى: أصله المصري، تربيته، معرفته باللغة العبرية، ودوره المفترض في تأليف الأسفار الخمسة، مع الإشارة إلى التعقيد في وصف لحظة موته. كما يشير إلى أن تفسير اسمه بـ"منقذ من الماء" غير دقيق، واللفظة المحتملة هي "المعكتف".
ويبيّن أن اسم موسى يعود إلى لفظة "موس" في لغة الفراعنة، التي تعني ببساطة "طفل"، كما في أمثلة مثل "أمون-موس" و"بتاح-موس". 
وتختتم الرواية السردية، بتوضيح موقف المدينة الحيادي، فهي مدينة لا تملك علم البشر ولا تتدخل في معتقداتهم.