عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    05-Mar-2019

وودي آلن.. الحياة كئيبة ومتشائمة فلنقاومها بالسينما - ايوب واوجا
"لم أفكر أبدا في الأفلام كغاية، أردتها دائما كوسيلة لحياة أفضل"
-وودي آلن
 
الحياة مليئة باللحظات الجيدة، ورقة يناصيب فائزة، رؤية امرأة جميلة، عشاء فاخر.. ولكن الحياة برمتها أمر تراجيدي، هكذا يعلق المخرج الامريكي وودي آلن عن سؤال حول تخوفه من الأشياء الجيدة في الحياة، جواب ليس غريبا عن واحد من أكثر مخرجي هوليود إثارة للجدل، والذي عمل في السينما والفن أزيد من ستين سنة وحاز على العديد من الجوائز العالمية منها أربعة جوائز أوسكار في فئة الإخراج، دون أن يحضر حفلات التوزيع  بسبب فلسفته المتشائمة، ولأنه يرى أن الجائزة قائمة على تفضيل فيلم عن آخر وفي حال قبوله بالجائزة فعليه أن يرضخ لفكرة أن فيلمه المقبل فاشل في حال عدم تحقيقه جائزة أكاديمية الفنون، ويرى وودي أنه لا يحق لأي أحد أن يعلن من هو الأفضل، فالسينما لم تُصنع لمثل هذا بل صُنعت للفرار من الواقع البئيس والسعي لخلق تحسين في الوجود.
 
هذا إذن هو وودي آلن، واحد من بين صانعي الأفلام الأكثر روعة وإبداعا في أمريكا، صاحب أفلام أيقونية مثل آني هال ومانهاتن ومنتصف الليل في باريس.. نكات على أوراق أو علب كبريت.. هذا لا يهم.
 
يعتبر وودي إذن أن الفن محاولة لطمس الحقيقة المرعبة القائلة بأن الحياة بلا معنى، ويقول بأن الفنان لا يمكنه أن يبدع شيئا دون أن يخدع الناس، ولا يمكنك أن تكون صريحا لأن الحقيقة الصارخة هي أن الحياة بلا معنى!
عاش وودي طفولته في فترة الأربعينيات بين دروب بروكلين، حيت ولد هناك سنة 1935 في عائلة تنتمي لأقل فئة اجتماعية في الطبقة الوسطى، وكان يقضي طفولته في مشاهدة الأفلام في صالات العرض الموزعة في محيط منزله والتي يحصيها في 25 صالة، وقد أظهر إعجابه مبكرا بأفلام الإخوة ماركس الكوميدية لأنهم حسب قوله يمثلون بطريقة شمولية بالرغم من أنهم يشبهون المهرجين، ومع ذلك كانوا في منتهى الرقي بسبب امتلاكهم للفطنة والبديهية.
 
وبدأ وودي باقتحام عالم التأليف في سن السادسة عشر فألف نصوصا كوميدية لممثلين في النوادي الليلية قبل أن يتجرأ ويعمل ككوميدي في نفس النوادي، أما عن الكتابة فلم تكن له طقوس خاصة للإلهام، فورقة بيضاء كانت كل ما يحتاجه، وفي كتاب "وودي الن عن وودي الن" الذي يحتوي على حوارات له مع المخرج السويدي بيرغمان، يقول بأن الأوراق البيضاء لا تفزعه بل يشعر مثل بيكاسو الذي قال ذات مرة أنه إذا شاهد مساحة خالية فإنه يشعر بأن عليه أن يملأها..
 
في الواقع، حتى قلة الأوراق البيضاء لم تسبب مشكلا لوودي آلن في فترة شبابه، فهذا لا يهم طالما لا تتوقف انتاجيته للنكات والتي كان يبيع ازيد من خمسين نكتة في اليوم ويبيعها لإعالة عائلته، وقد كان يستغل امتطائه لوسائل المواصلات ويقوم بالتأليف حتى على علب الكبريت الفارغة.. وشيئا فشيئا بزغ نجم وودي آلن في مجال التأليف فبدأ بكتابة عروض تلفزيونية كوميدية الى غاية وصوله لشاشة السينما ككاتب وكوميدي في بداية الستينيات.
 
عدمي هوليود الأول
في فيلم وثائقي قصير يتحدث وودي آلن عن رؤيته للحياة ويقول: لا توجد إجابة متفائلة حول قسوة هذه الحياة مهما تحدّث الفلاسفة ورجال الدين وعلماء النفس، إن جوهر ما يُقال هو أن هذه الحياة لها أجندتها الخاصة وأنها لا تسير كيفما تريد وأننا جميعا سوف ننتهي إلى مكان سيء في يوم ما قريب أو بعيد، وكل ما عليك أن تفعله -كفنان- هو أن تصنع أشياء تشرح فيها للناس أن الحياة شيء إيجابي ذو معنى..
 
 
يعتبر وودي إذن أن الفن محاولة لطمس الحقيقة المرعبة القائلة بأن الحياة بلا معنى، ويقول بأن الفنان لا يمكنه أن يبدع شيئا دون أن يخدع الناس، ولا يمكنك أن تكون صريحا لأن الحقيقة الصارخة هي أن الحياة بلا معنى!، كما أنه يسخر من أي شيء جدي يُثار حول أفلامه، بل تقريبا يسخر من كل شيء ولا يمانع في أن يسخر منه الكل، وهذا هو جوهر السينما الذي يجعلك قادرا على خلق واقع خاص بك وتكوين صورة عن شخصياتك المفضلة تشارك معهم افكارك وهواجسك وتهرب معهم عن الواقع المر.
 
كما أن لوودي آلن أفكار غير معتادة حول الحياة يحاول أن ينقلها عبر أفلامه، فبغض النظر عن حساسيته الشديدة اتجاه السعادة والتي يرى أنها ضرب من المستحيل ولا يمكن تحقيقها سوى في توهيم نفسك ببعض الأكاذيب والعيش في خداع دائم، إلا أنه يقاوم الوجود بخلق عالم خاص به ينبني على الخمول والعيش في الماضي لأنه لا يطيق التغيير والتجديد ويعشق النوستالجيا وهذا ما ينقله لنا في فيلمه منتصف الليل في باريس..
 
تُوفر أفلام وودي متعة مصحوبة بالتفكير العميق، فهو يجيد تناول مفردة صغيرة منسية من مفردات الحياة اليومية ثم يمضي في جرنا للتدقيق في مدى غفلتنا عنها حتى وهي حاضرة أمام أعيننا
نظرته المتشائمة حول الحياة تمتد للحب، فهو يلخص نجاح العلاقات باعتمادها على الحظ لا غير، فالناس حسب قوله يعتقدون أن العلاقات الجيدة تحتاج للسعي ورائها والمعاناة من أجلها، لكنهم لا يقولون الأمر ذاته عند الحديث عن شيء نحبه حقا، كالذهاب في نزهة على القارب أو مشاهدة فريقنا المفضل، فأنت تذهب لأنك ترغب في ذلك لا لأنك تحاول إقناع نفسك بذلك، لذلك لا يعقل الاجتهاد من أجل علاقة ما فهذا شيء لا يمكن التحكم به، تحتاج فقط للحظ الجيد وتسير في حياتك وبدون الحظ الجيد عليك أن تستعد لشيء من المعاناة لهذا تظهر معظم العلاقات صعبة وتنطوي على القليل من المعاناة.
 
 
أما عن التقدم في السن، فلا يرى وودي أي حكمة من ذلك، لن تصبح أذكى أو أكثر حكمة، ولن تكون أكثر ليونة أو لطفا حينها، لا شيء جيد في الكبر، تزداد الآم الظهر وعسر الهضم وبصرك يضعف، التقدم في العمر شيء سيء ولا أنصحك به إن كنت تستطيع تجنبه، لا شيء رومانسي في ذلك.
 
السخرية والحب في مواجهة العالم
في سينما وودي آلن ثلاثة مواضيع رئيسية متكررة باستمرار: التحذير من خطر الثقافة، الحب هو الإجابة عن سؤال الحياة، عبثية الكون أمر مضحك. في فيلم مانهاتن يجيب وودي الن عن سؤال لماذا لا يفهم معظم المثقفين الحياة؟ ولماذا يعيشون في اكتئاب دائم؟، ويُظهر وودي مشاكل الأبطال بأنها وهمية ناتجة عن التفكير الزائد.
 
أما عن الحب، فهو دائما الجواب النهائي لمعظم أفلامه، فلا يبدو أن هناك جوابا على أسئلة الحياة لكن هناك استثناء هو الحب.. كل ما يجب فعله هو الحب وفي بعض الأحيان الصراع من أجله والاحتفاء به فهو سلاحنا لمواجهة لا مبالة الحياة.
 
الكون فارغ وبلا معنى وكلنا سنموت في النهاية، لذلك في أفلام وودي فالحل لمواجهة هذه الفضاعة هي الحب والسخرية من كل ما يصيبنا. تُوفر أفلام وودي إذن متعة مصحوبة بالتفكير العميق، فهو يجيد تناول مفردة صغيرة منسية من مفردات الحياة اليومية ثم يمضي في جرنا للتدقيق في مدى غفلتنا عنها حتى وهي حاضرة أمام أعيننا. يعطي وودي في أفلامه ترياقا لمواجهة الحياة في قالب هزلي وما يجعل أفلامه ساحرة هو نجاحه في عرض الفلسفة الوجودية في قالب ممتع يسهل هضمه، بالحب والسخرية نستطيع مواجهة هذا العالم..
 
فلسفة الجاز في الإخراج السينمائي
رغب وودي منذ الطفولة بأن يصبح موسيقيا، حتى أن اسمه الفني وودي مأخوذ من عازف الجاز وودي هرمان، ومنذ الصبى لم يتوقف وودي عن عزف الكلارينت والتجول مع فرقته الموسيقية woody allen and his new orleans jazz band ، مؤدين حفلات وجولات عالمية باعتبارهم واحدة من الفرق الناذرة التي تؤدي جاز نيو اورليانز بأصوله.
 
احترافه لالة الكلارنيت بَلّور من رؤيته الاخراجية للافلام، ففلسفته في الاخراج قريبة جدا من الجاز، ويبدو آلن في أفلامه كعازف الكلارنيت في فرقة الجاز: له دور توجيهي لكنه بعيد عن دور قائد الأوركسترا وصرامته المعهودة، الارتجال سمة معتادة في أفلام وودي وهامش الحرية والعفوية كبير وتسهل ملاحظته، هذه الفلسفة أدت إلى تشكيل أفلام آلن بالشكل المعروف وبانتقالها المستمر من الكوميديا إلى التراجيديا وهذا ما يعطي لأفلامه تلك البصمة الفريدة للجاز.
 
الجزيرة 
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات