الغد-عزيزة علي
يسلط كتاب "التواصل الحضاري بين الأندلس وأوروبا خلال العصور الوسطى (92هـ/711م - 897هـ/1492م)" للباحث خضر عيد مفلح السرحان، الضوء على الدور الذي أدته الأندلس بوصفها جسرا حضاريا بين الشرق الإسلامي وأوروبا، وما نتج عن ذلك من تلاقح فكري وعلمي وثقافي ترك بصماته في عدد من مجالات المعرفة والفنون.
كما يسعى الكتاب الصادر عن دار أزمنة للنشر والتوزيع، وبدعم من وزارة الثقافة، إلى إعادة قراءة التجارب الحضارية المشتركة بين الأمم، ويتناول إحدى أهم صفحات التفاعل الثقافي في التاريخ الوسيط، وهي العلاقات الحضارية بين الأندلس وأوروبا.
يقدم الكتاب قراءة علمية تسعى إلى إبراز أبعاد التأثير والتأثر بين الحضارتين العربية الإسلامية والأوروبية، والكشف عن شبكات التواصل الثقافي والعلمي التي أسهمت في تشكيل ملامح الحضارة الإنسانية خلال تلك الحقبة.
كتب تقديم الكتاب أستاذ تاريخ العصور الوسطى في جامعة مؤتة الدكتور نبيل خلدون قريسة، مشيرا إلى أن عنوانه يمثل عملا مميزا وجريئا أنجزه الباحث خضر عيد مفلح السرحان، إذ تناول فيه العلاقات الحضارية بين الأندلس وأوروبا المسيحية من زاوية تاريخية وإنسانية، مع تركيز على التاريخ الثقافي.
كما يطرح الكتاب إشكالية الرهان الحضاري وطبيعة التثاقف الشبكي في العلاقات بين المجتمعات والثقافات خلال العصر الوسيط.
ويعرض الباحث في المقدمة ملامح الموضوع وإشكاليته الرئيسة، المتمثلة في مدى وجود رهان حضاري يفسر طبيعة العلاقات وأشكال التواصل بين الطرفين، بما يستدعي دراسة بنية هذه العلاقات الشبكية وآلياتها وفاعليتها.
كما يوضح المؤلف المنهج المتبع، وهو منهج شبه استقرائي يقوم على مقاربة الموضوع عبر محاور متعددة، ومقارنة المصادر والآراء المختلفة للتحقق من الفرضيات المطروحة.
وفي الفصل الأول، الذي حمل عنوان "الإطار الجغرافي والتاريخي للتواصل الحضاري بين الأندلس وأوروبا في العصر الوسيط"، يعرض المؤلف أربعة محاور رئيسة؛ استعرض في أولها الأوضاع العامة في أوروبا قبل الفتح الإسلامي للأندلس، ثم تناول الأوضاع الفكرية والدينية من خلال تحليل سلطة الكنيسة الروحية والثقافية.
ثم ينتقل المؤلف إلى جغرافية الأندلس، مستعرضا أصل التسمية وحدودها الجغرافية وأبرز مدنها ومواردها الطبيعية، كما يتناول التعريف بالعرب في الأندلس ونظمهم الاجتماعية والاقتصادية والعسكرية، إضافة إلى تشكل الكيان السياسي والاجتماعي بعد الفتح الإسلامي، بدءا من عهد الولاة ثم عصر الإمارة وصولا إلى عصر الخلافة.
ويعرض، كذلك، المكون الاجتماعي في الأندلس الذي ضم العرب والبربر والموالي والمسالمين والمولدين والعجم والمستعربين واليهود، إلى جانب تناول النظم الاقتصادية ووصف النظم العسكرية.
أما الفصل الثاني، الموسوم "أشكال التواصل الحضاري بين الأندلس وأوروبا في العصر الوسيط"، فيتناول إشكالية التواصل والتأثير الحضاري في إطار أشمل، كاشفا عن ملامح شبكات التأثير الأندلسي في أوروبا. ويستعرض مراكز الإشعاع الثقافي في الأندلس، مثل قرطبة وغرناطة وإشبيلية وطليطلة، محللا أدوارها المتكاملة ضمن شبكة التواصل الحضاري.
ويبرز الباحث طبيعة التشبيك العلمي عبر عدد من الآليات، أبرزها الترجمة والاستعراب والبعثات العلمية والمصاهرات، التي أسهمت في الإدماج الاجتماعي والثقافي للأوروبيين في المجال الحضاري الأندلسي، وفي نشر قيم الحضارة الإسلامية،
وفي مقدمتها التسامح.
وفي الفصل الثالث، المخصص لدراسة "مجالات التأثير والتأثر عبر شبكات التواصل الحضاري"، يبين الباحث أبرز هذه المجالات، مثل التأثير اللغوي والأدبي، متناولا الموشح والزجل ونزعة الشعر البروفنسي والأدب القصصي وقيم الفروسية.
يتطرق إلى موضوع تأثير الفلسفة الإسلامية في أوروبا عبر الأندلس، إضافة إلى انتقال بعض العلوم المزدهرة عند المسلمين إلى أوروبا، متخذا الرياضيات والبصريات نموذجين. ويختتم هذا العرض بدراسة تأثير الفنون، ولا سيما العمارة والموسيقا.
وفي خاتمة الكتاب، لا يكتفي الباحث بتلخيص نتائجه، بل يفتح أفقا مقارنا بين العصور، مستلهما من ابن خلدون مبدأ العبر في نقد الرؤى المركزية لدى طرفي شبكة التواصل الحضاري: العربي الإسلامي والأوروبي المسيحي. ويركز على طبيعة العلاقات الشبكية ذات الطابع الإدماجي، بدل الاقتصار على التباينات العقائدية أو الصراعات السياسية والعسكرية.
ويخلص إلى أن الرهان الحضاري القائم على التعايش والتثاقف شكل جوهر هذه العلاقات، وأسهم في بناء حضارة مشتركة تجاوزت الاختلافات الجغرافية والصراعات العسكرية، واستمر تأثيرها حتى بعد سقوط الأندلس.
ورغم كثرة الدراسات التي تناولت الأندلس وعلاقاتها بأوروبا المسيحية وبلاد الإسلام، فإن الأبعاد الاستراتيجية لهذه العلاقات وشمولية الظاهرة الحضارية التي مثلتها التجربة الأندلسية لم تحظ بدراسة مركزة على هذا النحو. وقد نجح الباحث خضر السرحان في تقديم هذا العمل الطموح، متجاوزا صعوبات الموضوع، ومقدما دراسة رصينة تعكس مكانته العلمية والبحثية.
وفي مقدمة الكتاب، يوضح المؤلف الباحث خضر عيد مفلح السرحان أن هذا العمل يتناول موضوعا شغل اهتمام عدد كبير من الباحثين، عربا وغربيين، لكنه ما يزال بحاجة إلى مزيد من التدقيق في جوانبه المختلفة. ويتمثل هذا الموضوع في ظاهرة التأثير والتأثر بين الحضارة العربية الإسلامية في الأندلس والحضارة الأوروبية المسيحية، وبخاصة التأثير الحضاري العربي الإسلامي في الفضاء الأوروبي عبر بوابة الأندلس.
ولأن دراسة التأثير والتأثر الحضاري تتطلب تحديد إطار زمني واضح، فقد حصر الباحث موضوع الكتاب في العصور الوسطى، وتحديدا في الفترة الممتدة بين الفتح الإسلامي للأندلس وسقوط مملكة غرناطة؛ أي من سنة 92هـ / 711م، تاريخ دخول طارق بن زياد إلى الأندلس، حتى سنة 897هـ / 1492م، تاريخ سقوط غرناطة.
ومن خلال هذا التحديد المكاني والزماني، يركز الكتاب على العلاقة الحضارية بين الأندلس وأوروبا، مع استبعاد المسارات الأخرى المعقدة للتثاقف التي عرفتها الحضارة العربية الإسلامية نتيجة اتساعها الجغرافي منذ الفتوحات الأولى.
فقد انفتحت هذه الحضارة على مؤثرات فارسية ويونانية وهندية، وأصبحت تلك الثقافات جزءا من النقاشات الفكرية في مسار تطورها التاريخي، كما انتقلت بعض هذه النقاشات إلى بنية المجتمع العربي الإسلامي، وامتد تأثيرها إلى ما يعرف بـ"الغرب الإسلامي" بدرجات متفاوتة.
ويشير المؤلف إلى أنه حصر الموضوع في السياق التاريخي الأندلسي يجنب تتبع مظاهر التأثير والتأثر خلال المراحل اللاحقة من تاريخ أوروبا، ولا سيما فترة انتقالها من عصورها المظلمة إلى ما بعد نهضتها الحديثة، رغم أن عملية التلاقح الحضاري استمرت في مجالات عديدة حتى يومنا هذا.
وإذا كان يمكن اليوم تناول هذه الظاهرة ضمن ثنائية الشرق والغرب، فإن الباحث تجنب هذا الوصف لكونه لا يقتصر على أوروبا وحدها، فضلا عن أن تأثير الحضارة الأندلسية امتد لاحقا إلى مناطق أخرى، من بينها القارة الأميركية.