عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    09-Jan-2026

جديد شكري الماضي في الفكر الفلسفي اللساني المعاصر

 الدستور-إبراهيم خليل

 
بعد إصداراته النقدية: انعكاس هزيمة حزيران في الرواية العربية 1979، ومقدمة في نظرية الأدب 1993 والرواية العربية في فلسطين والأردن 2003، والرواية والانتفاضة 2005، وأنماط الرواية العربية الجديدة 2008 ومقاييس الأدب 2011 و»محمود درويش؛ من شعر الإيديولوجيا إلى إيديولوجية الشعر» 2013، و»مناهج النقد الأدبي» (2020) ومن «إشكاليات النقد العربي الجديد»2021، و»بحوث في المنهج» (2023) و»الأدب والعلوم الإنسانية» 2024 ، صدر لشكري الماضي كتاب جديد(2025) بعنوان «الفكر الفلسفي اللساني المعاصر/ الألسنية البنيوية والألسنية الحوارية- الاجتماعية». وهو موضوع يتطرق المؤلف إليه للمرة الأولى. فمؤلفاته الأخرى يغلب عليها البحث في الرواية، أو في نظرية الأجناس الأدبية، أو في الشعر وصلته بالإيديولوجيا، أو في معايير التفاوت في الأدب ومقاييسه، أو في تجلي أصداء الأحداث السياسية في الرواية، وذلك ما يتضح لنا في كتابه المذكور عن «الرواية والانتفاضة» 2005 .
 
سببٌ وجيه
 
ففي الكتاب الجديد يدلف الماضي لفضاء اللغويات، ولذلك سببه الوجيه الذي أوضحه لنا في التقديم. وهو عنايته بموضوع البحث ومنهجيته، في كل من اللغة، والأدب، على السواء، في عدد من الفصول التي عُهد إليه فيها بتدريس هذا المساق في غير جامعةٍ من الجامعات. وهو سبَبٌ يحدونا لتوقُّع نتائج جادةٍ، قيِّمةٍ ومثمرةٍ، وهذا بالفعل ما يجده القراءُ على خير وَجْه.
 
فإذا تجاوزنا المقاربات التاريخية، وتعريفاته المتعدّدة للمادة الأهمّ في الكتاب، وهي الألسنية البنيوية، وجدنا المؤلف يحدثنا في سردية دقيقة عن نشأة اللسانيات على يدي السويسري سوسيرSaussure  (1857- 1913) فهو يعُدُّه رائدًا لهذا الفرع من العلوم اللغوية، متجاوزًا ما يُعرف بالنحاة الجدُد(1) الذين تقدَّموا على سوسير في غير مجال من مجالات البحث في اللسان. والنُحاة الجدُد حلقة لغوية ظهرت في جامعة لايبزغ Leipzig، وكانت لها إسهاماتها في تجديد الدَرْس اللساني، واعتماد المنهج الوصفي بدلا من التاريخي.
 
ويقفُنا المؤلفُ إزاءَ نظرية سوسير التي يصفها بـ» البنيوية « مع أنّ كلود- ليفي شتراوس في كتابه» الأنثرولولوجية البنيوية» يؤكد تأكيدًا قاطعًا أنّ سوسير لم يستعمِلْ هذه الكلمة في مصنَّفه Curses on General Linguistics (2) .
 
ثنائيات سوسير
 
ومن المرتكزات التي توقَّف لديها المؤلف تفريقُ سوسير بين اللسان، واللغة، وتأكيده أن اللغة نظام ذو طبيعة ثنائية تتجلى في دالٍّ يقابله مدلول، والعلاقة بينهما عشوائية arbitrary تحوَّلت إلى توافُقٍ واصطلاح، وثمة أدلة جمَّة تؤكد ألا علاقة سببية بين اللفظ ومعناه(سبق لعبد القاهر الجرجاني أن ذكر هذا). وتأكيدُه أيضا أنَّ الدال اللغوي ذو طبيعة ثنائية: مادّية، أيْ الصوت، ونفسية يعني بها تلك الصلة الذهنية بين الصوت، وما يحيلنا إليه، مما هو موجودٌ، وكائن، فيما يحيط بالمتكلم، والسامع، أو مستعمل اللغة (سبق لابن سينا أن تحدث عن هذا في كتابه منْطق المشرقييين). أما اللسان، فهو اسمٌ جامعٌ لكل ما يمكن استعمالُه في التواصُل، كالخطّ، والرَسْم، والموسيقى، وإشاراتِ الصمّ والبكم، وشواخص السير والمرور، وهذا النوع من الوسائط لا يخضع لتقنين، أو تجريد، كالذي نجده في اللغات. علاوةً على هذا تفريقة الحادّ بين اللغة، والكلام، فلكلٍ منهما طبيعته المستقلة عن الآخر. فاللغة ذات طابع اجتماعي، لا فردي، والكلام خلافًا لذلك ينشأ من استخدام المتكلم(الفرد) لها، فلكل مستعمل لهذه الأداة ملءُ الحرية في أن يقول بها، ويكتب، ما يحلو له، ويعَبِّرُ عن شخصيته، ومزاجه الخاص. ومن هنا يختلف المتكلّمون، بعضهم عن بعض، مع أنَّ اللغة التي يستعملونها واحدة.
 
مصادرُ سوسير
 
ولا ريبَ في أنَّ سوسير تأثّر ببعض السابقين من اللغويين، وغير اللغويّين، كإيميل دوركايم، عالم الاجتماع الفرنسي، ووليم وتني Whitney صاحب كتاب «حياة اللغة وتطورها Life of Language and it’s Growth، وبودوان دي كورتينيه الألماني، أحد النحاة الجدد، والبولندي رونسلاف مالينوفسكي؛ الذي عُني هو الآخر بالطابع السوسيولوجي للاتصال اللغوي، وغير اللغوي. وهو مبتكر فكرة السياق المقامي context of situation . ولم يفُتْ المؤلف التذكير بالفكرة التي رسَّخها سوسير لإضفاء الطابع المستقلّ على علم اللسان، وانفكاكه عن غيره من علوم الإنسان. فإذا عُنيْنا في بحوثنا بدراسة اللغة من حيث هي لغة Langue لا أكثر، ولا أقل As it’s، فإنَّ هذه البحوث من لسانيات اللسان. في حين أن تركيز البحوث على ما في الكلام الملفوظ، أو المكتوب Parol يجعلها من لسانيات الكلام. والأول منهما نجدُه في المؤلفات التي تصف اللغة وصفا بحْتًا، خالصًا، ككتب النحو، والصرف، والصوتيات، وفقه اللغة، واضطرابات الكلام، وعلم الدلالات، وعلم البلاغة؛ أو السيميائيات، وهو علمٌ توقَّع ظهوره ليكون علمُ اللغة فرعًا من فروعه، في حين أنَّ الثاني نجدُه فيما يُعْرف بتحليل الخطاب، أي: الكلام المتصل. وقد توقَّف عند هذا بعض تلامذة سوسير، فنشأت علوم جديدة؛ كالأسلوبية، والبنيوية، وتحليل الخطاب السردي،والتداولية، والعلائقية ، وسائر التخصّصات التي تهتمُّ بالترجمة، وتعليم اللغات، والبحث فيما هو متَّفق، أو مفترق، عبر المقارنات، والدراساتِ التقابليَّة، وصياغة المصطلحات، وصنعة المعْجَمات.
 
وقد اسْتوفى المؤلفُ البحث في ثنائيات سوسير، وتوقف عند الدراسة الوصفية للغات، وهي التي تفضُلُ غيرها بما في ذلك الدراسة التاريخية، والمعياريّة؛ فالتاريخيةDiachronically  والوصفية Synchronically وشاع باستخدامه هاتين الكلمتين تداولهما في الدراسات اللسانية شُيوعًا كبيرًا.
 
الحظ الحسن
 
ومن الجدير بالذكر، أن التركيز على سوسير ضربٌ من الحظ الحسن الذي أحاط بهذا اللغوي دونَ غيره، ففي أثناء إلقائه محاضراته في جامعة جنيف، وهي التي جُمعت في كتابه» محاضرات في علم اللسان العام» الذي ترجم للعربية غير مرة، كانت ثمة مدرسة في موسكو تزامَنَت جهودُها اللسانية مع جهوده. فجماعة الأبوغاز، والشكلية الروسية، تألقت أفكارهما في تلك الأثناء(1909- 1917). وفي الوقت الذي اضطُرَّ فيه لغويوها للانتقال إلى براغ، كانت بحوثهم حول الفونيم، والمورفيم، والحبْسة، والظواهر الفونولوجية، ووظائف اللغة؛ التواصُلية، والشعرية، قد اجتاحَتْ المجامع اللغوية. وفي العام 1926 تبنَّت الدراسة الوصفية، ونبذت النزعتين؛ التاريخيّة، والمعيارية. على أنّ أكثر الدارسين من الناس يتناسَوْن هذه الحقيقة، وينسبون الفضل لسوسير، مثلما تناسَوْا الحقيقة، ونسبوا اكتشاف الأمريكيّتين لكولمبوس، وتجاهلوا بيزون، هذا، مع أنَّ الأمريكي فرانز بواز Boaz (1858- 1942) كان – هو الآخر- قد سبَق لبعض الأفكار التي تكلم عليها سوسير. لكنَّ أحدًا لا يتذكره، مثلما لا يتذكرون إدوارد سابيرSapir(1884- 1939) إلا نادرًا.
 
ما بعد سوسير
 
تُرجِمَ كتاب سوسير في عشرينات القرن الماضي لمعظم اللغات، وتأثر به كثيرون، أشهرُهم الدنماركي هيلمسليف Hjelmslev (1899- 1965) (3) مؤلف كتاب» مداخل إلى نظرية اللغة» 1952 المعروف بنظريته «العلائقية» glossematics وهو الذي يزعم فيه أنه أكثر كتاب تأثر به، واقتبس منه غير مرة. فيما تكرَّر ذكره لدى غير واحد من المدرسة الفرنسية، وأولهم شارلز بالي(1865- 1947) Bally الذي اشتقَّ منه علما جديدًا هو الأسلوبيَّة (4). وألف كتابا عن الأسلوب في اللغة الفرنسية. وفي لندن، وعلى الرغم من أن جهابذة اللغة فيها تأثروا به، إلا أنهم اختلفوا معه في القول بأن اللغة، والكلام، لكل منهما طبيعته المستقلَّة، وأكدوا أنهما من طبيعة واحدة اجتماعية. فالذي يقرّر معاني المقولات الفردية هو إحالتها إلى سياقات سوسيولوجيّة، وليست فردية.
 
وفي أميركا غلب التركيز على النحو، مع الأخذ بالقيم الأخرى؛ كالوَصْفيّة، ودراسة اللغة من داخلها، لا من الخارج. ويعزو الباحثون ذلك إلى أنَّ بواز في كتابه « دليل القارئ إلى اللغات الهندو - أمريكية « ألـحّ إلحاحا شديدًا على أنَّ النحو، وما يتَّصل به، هو مفتاحُ شخصية اللغة الذي يميزها عن اللغات الأخرى. ولهذا جاءَ سابير وعدَّ دراسة اللغة نحويًا دراسة شكليّة مهمَّة تنْسجمُ مع طبيعتها من حيث هي علاماتsinges  ، في حين أن دراستها من باب الدلالة، أو المعنى، دراسة ثقافية، واجتماعية، تمسُّ علاقتها بما هو غير لغوي.
 
تشومسكي
 
وقد تقاطعتْ نظرية النحو التوليدي - التحويلي لدى تشومسكي Chomsky وتلاميذه مع الألسنية البنيوية في نقاط شتى، أبرزها أن اللغة ليست بِنية، وإنما هي بِنىً مُتحوّلة، وفقا لما يطرأ على الكلام من قواعد تحويلية لا حصر لها، ولا عدَد. وهذا ما نبَّه عليه المؤلف في الفصلة الخاصة بكل من تشومسكي، وديريدا (1904- 2004) وغيرهما.. منتهيًا بـِ « إنَّ ما ألحَّ عليه سوسير من أن اللغة ظاهرة اجتماعية إلحاحٌ غيرُ كافٍ، ولا بدّ له من أن يتوسَّع في توضيحه، لكنّ التوسع فيه يضطرهُ لتجاوز البحث في اللغة من حيثُ هي لغة» لذا تجنَّب هذا التوسع.
 
ويبدو لنا أنّ المؤلف، بتركيزه على ألسنيّة سوسير، وأنها بنيوية، تجاوزَهُ لمن جاءوا بعده، من أمثال: بلومفيلد Bloomfield، وياكوبسون Jakobson ،  ورولان بارط  Barthes، فهم الذين جعلوا من سوسير بنيويًا، مع أنه اسْتخدم في كتابه كلمة نظامsystem   لا بنية  Structure.
 
باختين والمبدأ الحواري
 
في الفصل الأخير يتجلى لنا ما يُفصح عن تخصُّص المؤلف، وهو الأدبُ، نثرا وشعرًا، وبصفة محددة الرواية؛ تؤكد ذلك ملاحِظهُ على نظرية الرواية البيلوفونية(5) التي بَسَطها باختينBakhtin  في غير كتابٍ(1896- 1975) كشعرية دستويفسكي(ترجمه جميل نصيف التكريتي) والخطاب الروائي (ترجمه محمد برادة) وله ترجمة أخرى بعنوان مختلف، وهو المبدأ الحواري(ترجمه فخري صالح) و»الكلمة في الرواية» ترجمه يوسف حلاق. ومما هو معروف أنّ باختين ذو خلفية تعودُ به، وبنا، إلى الشكليّين الروس Russian Formalists وهي جماعةٌ تولي السياق اللغويَّ، والاجتماعيَّ، أهميَّة قصوى. وكان ياكوبسون Jakobson قد حدَّد ستة عوامل تؤثر في فاعلية الخطاب اللساني، جاعلا من السياق بشقيْهِ اللفظي verbal  والحاليsituational   العامل الأهم(6). واستوحى باختين، من هذا التركيز على السياق، أن التواصل النصّي-  بطبيعته - تواصلٌ حواريّ؛ فأنْ تتكلم، معناه أن ثمة من يسمع، ومن يسمع، يفترض فيه التفاعل، والتجاوُب. ومن هذه الفكرة استخرج النتيجة الآتية: وهي أن الكاتب الروائي- تحديدًا - حين يقوم بتأليف الحوار على ألسنة الشُخوص، لا مندوحة له من أن يتقمَّص الشخصية التي تتكلم، وتلك التي تسمع، وتجيب، أو تروي المحكيات السردية، فالرواية نسقٌ نثريٌ تتجلى فيه طبيعة اللغة البيلوفونية. فعندما نتأمل النصّ الروائي، يتَّضح لنا أننا نصغي فيه لعدَدٍ غير قليل من الأصوات بألسنَةٍ متعدّدة، وإن كان المؤلف واحدًا، فتتراءى لنا في تلك الأصوات لهجاتٌ تمثل الطيف اللساني الذي يتجلى في فضاء الرواية مثلما يتجلى في واقعنا الحياتي اليومي.
 
فالرواية، إذا خلت من هذا النسق، تُعدُّ رواية مونولوجية ينعدم فيها البعد السوسيولوجي، وهو الذي تمتثل له شعرية السَرْد؛ فتغدو، وفقا للقيم التي يقترحها باختين، رواية تضْعُف فيها الشعْرية، ويهيمن عليها الصوت الواحد فيما يشبه دكتاتوريَّة الراوي.
 
ولهذا يعدُّه المؤلفُ من أبرز الأصوات المؤيّدة لاجتماعية اللغة، وشِعْريَّة السَرْد.
 
ولا رَيْبَ في أنه على حقّ.
 
***
 
1.بارتشيت، بريجيّيه،مناهج علم اللغة من هرمان باول إلى تشومسكي، ترجمه سعيد البحيري، ط1، المختار للنشر، القاهرة، 2004، ص ص 31- 48 وانظر: خليل، إبراهيم، مدخل إلى علم اللغة، ط1، عمان: دار المسيرة، 2010 ص81 وما بعدها.
 
2.بنفنست، إميل: البنيوية في اللسانيات( مقال) ترجمة حنون مبارك، في كتاب «دراسات أدبية ولسانية» ط2، المغرب، 1986 ص 131
 
3,هيلمسليف، لويس، مداخل لنظرية اللغة، ترجمة يوسف اسكندر ، ومراجعة حسن كاظم، ط1، بيروت: توزيع دار الرافدين، 2018 .
 
4.خليل، إبراهيم، الأسلوبية العربية – مدخل إجرائي، ط1، عمان: دار جهينة، 2014، ص 20
 
5. البيلوفونية: مصطلح موسيقي كنسي يطلق على ما تتخلله نغمات تصدر متزامنة عن آلات مختلفة بأصوات متعددة وتوصف بالموسيقى الغريجورية نسبة للبابا غريحوري السابع.
 
6.خليل، الأسلوبية العربية- مدخل إجرائي، مرجع سابق، ص ص 22- 24