عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    15-Feb-2026

"هي وهو" في السينما العربية.. دراسة تحليلة لأفلام عربية روائية

 الغد- أحمد الشوابكة

 ينطلق كتاب "هي وهو في السينما العربية" للفنانة والباحثة الدكتورة مارغو حداد، من فرضية جوهرية مفادها بأن السينما العربية لم تكن يوما فعلا جمالياً معزولا عن الواقع، بل كانت دائما انعكاسا للتحولات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية، ومؤشرا على القيم والهياكل التي شكلت المجتمعات العربية عبر العقود.
 
 
"هي وهو في السينما العربية" صدر حديثا عن دار ورد الأردنية للنشر والتوزيع، وهو دراسة نقدية معمقة تبحث في تمثيلات المرأة والرجل في السينما العربية منذ نشأتها، وحتى العقد الأول من الألفية الجديدة.
يتعامل الكتاب مع مفهوم الجندر بوصفه أداة تحليل ثقافية تتيح فهم آليات بناء صورة المرأة والرجل، وتوزيع الأدوار والسلطة، مع التمييز بين الجندر كمفهوم علمي تحليلي وبين المساواة كمبدأ حقوقي، فالهدف ليس إلغاء الاختلاف البيولوجي، بل دراسة كيف تنتج السينما الهويات الاجتماعية وكيف يحدد السياق التاريخي أدوار كل طرف في السرد السينمائي.
تتبع الدراسة تحولات الخطاب السينمائي منذ نشأة السينما العربية في الأربعينيات والخمسينيات، مرورًا بعقود الستينيات والسبعينيات، حيث شهدت السينما انصهار الفن بالسياسة، وصولا إلى التسعينيات وبداية الألفية الجديدة، مع رصد دقيق لتجارب السينما في مصر وسورية والجزائر وفلسطين وتونس ولبنان والمغرب، وإظهار كيف تأثرت صورة المرأة والرجل بالتحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية لكل بلد. ففي السينما الفلسطينية والجزائرية، ظهرت المرأة مناضلة، تتحمل مسؤولية المواجهة والحماية في سياق الحرب والاحتلال وغياب الأمان الاجتماعي، بينما في السينما المغربية والتونسية، ركزت معالجة المرأة على ثيمة الجسد، مقدمة إياها ككائن متحرر، لكن غالبا ما يصطدم هذا التمرد بالمعايير الاجتماعية التقليدية.
وفي العديد من السينمات الأخرى، ظلت المعالجة أسيرة نماذج نمطية، لم تتجاوز قوالب مسبقة، رغم تغير الأزمنة وتعدد الموضوعات.
يولي الكتاب اهتمامًا بالغا بالمعالجة الفنية للصورة السينمائية، من خلال دراسة الشريط الصوتي، الحوار، الموسيقا، الصورة، المكان السينمائي، الإضاءة، المونتاج، ودلالات الأشياء داخل الكادر، إضافة إلى أداء الممثلين وأسلوب الإخراج، حيث ظهر أن الصوت الذكوري ما يزال هو الأعلى حضورا في معظم الأعمال، حتى في تلك التي تبدو فيها المرأة محور القصة. الرجل غالبًا هو مركز الفعل والقرار، بينما تقدم المرأة إما كعنصر تكميلي، أو ككائن عاطفي، أو كضحية تتحمل عبء غياب الرجل الاجتماعي والسياسي.
اعتمدت الدراسة على تحليل أكثر من ثلاثمائة فيلم عربي روائي، مع اختيار أربعين فيلمًا للدراسة التفصيلية لما تقدمه من وضوح في إبراز طبيعة العلاقة بين المرأة والرجل، وحرصت على عدم اختزال المرأة في صورة واحدة ثابتة، بل رصد تنوع أدوارها: الأم، الزوجة، الصديقة، الحبيبة، والمرأة العاملة، مع تحليل أدوار الرجل: الأب، الزوج، الحاكم، أو الغائب عن الفعل.
وخلص الكتاب، إلى أن السينما العربية واكبت التحولات الاجتماعية شكليًا، لكنها لم تفككها بعمق، فغالبًا ما كانت تقدم صورة مقبولة اجتماعيًا يمكن تسويقها، بدل أن تتناول الجذور البنيوية للعلاقة بين المرأة والرجل، كما أوضح أن الصورة النمطية الجديدة لم تحرر المرأة، بل حولتها إلى عنصر بصري أكثر جاذبية، بينما ظل الرجل معيار السلطة والفعل.
حول اختيار العنوان وهدف الدراسة، تقول الفنانة والباحثة الدكتورة مارغو حداد، التي تدرس في الجامعة الأميركية في مادبا: "اخترت عنوان "هي وهو في السينما العربية" لأن المرأة لا يمكن فهمها كصورة منفصلة، بل هي جزء من علاقة مركبة مع الرجل، مع السلطة، ومع البنية الاجتماعية التي تجمعهما. لو تناولنا المرأة فقط، لكنا أعدنا إنتاج الفصل الذي مارسته السينما طويلاً، حيث تدرس المرأة كحالة خاصة، بينما يبقى الرجل هو المعيار غير المرئي. الجندر بطبيعته لا يدرس طرفا واحدا، بل منظومة العلاقات، ومن يمتلك الفعل ومن يدفع إلى الهامش. لذلك كان من الضروري أن يكون العنوان قائمًا على الثنائية، ليعكس منذ البداية أن الكتاب معني بالسرد، بالصوت، وبمن يتكلم داخل الفيلم ومن يصمت، وبالعلاقة التي تحكم حضور كل منهما".
وأضافت الدكتورة حداد أن الكتاب ليس مجرد دراسة للأفلام، بل هو قراءة للمجتمع العربي كما تعكسه السينما، وفهم لكيفية اشتغال الصورة في تشكيل الوعي الجمعي، وعلاقة الفن بالسلطة والثقافة. إنه دعوة لفهم السينما العربية بوصفها خطابًا اجتماعيا كاملا، لا مجرد منتج فني أو صور منفصلة. ومن خلال هذا التحليل، يمكن للباحثين والنقاد والصحفيين أن يدركوا كيف تصنع السينما العربية معنى العلاقة بين المرأة والرجل، وما تمثله هذه العلاقة في سياق المجتمع والثقافة العربية.