عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    03-Feb-2026

"تاريخ المرأة التنموي والسلطوي".. قراءة نقدية لدور المرأة في بناء الدولة

 الغد-عزيزة علي

 صدر للدكتور أيوب عيسى أبودية كتاب "تاريخ المرأة التنموي والسلطوي"، الذي يعيد قراءة تاريخ الدولة والتنمية من منظور نقدي، مسلطا الضوء على الدور المحوري الذي لعبته المرأة في بناء المجتمعات وصناعة الاقتصاد والسلطة منذ فجر التاريخ، ومفككا السرديات التقليدية التي همشت حضورها وحصرت إسهامها في الهامش.
 
 
ويشير المؤلف في مقدمة الكتاب إلى أن أهمية المرأة لم تقتصر على الولادة أو دورها داخل المنزل، بل امتدت لتشمل الحقل والسوق والتجارة والمعبد والصيد، إضافة إلى الحرف والفنون المختلفة، ما جعلها عنصرا أساسيا في بناء المجتمعات الأولى.
ويؤكد أبودية أن السرديات التاريخية السائدة، التي هيمن عليها الرجال، غالبا ما حجبت هذا الدور، لا سيما مع دخول الثقافة البدوية الذكورية إلى الحواضر، كما حدث في بلاد ما بين النهرين. ويستشهد في هذا السياق بما أورده لويس براون في كتابه "عالم الاعتقاد"، حيث جرى حصر صورة المرأة في أدوار "الرعاية"،"التبعية"، خصوصا منذ قيام الدولة العسكرية الآشورية، فلم تعد تقدم بوصفها منتجة أو مؤسسة أو صاحبة قرار اقتصادي.
وينفي المؤلف أن يكون الهدف من هذا الكتاب هو تسليط الضوء على ما تم تهميشه، بل يسعى إلى إعادة بناء صورة متكاملة للمرأة في علاقتها بالتنمية والدولة، لإخراجها من الظل إلى النور، مع الالتزام بالحياد قدر الإمكان، دون المبالغة في تعظيم دور المرأة على حساب تهميش دور الرجل. فصعود دور المرأة أحيانًا وتراجعه أحيانًا أخرى سِمة واضحة في تاريخ الإنسانية.
ويبيّن أبو دية أن المرأة لم تكن مهمشة في الأنظمة الإنتاجية التقليدية، بل اضطلعت في المجتمعات الزراعية الأولى بدور محوري تمثل في جمع الحبوب، وحفظ البذور، وصناعة الغذاء، ما جعلها في كثير من المجتمعات رمزا للخصوبة والاستمرارية.
ويرى أن ظهور الدولة المركزية واحتكار السلطة الذكورية أسهما في تغييب هذا الدور، لصالح منظومة سياسية أبوية أحكمت سيطرتها على العمل والحكم، وتعزّز نفوذها لاحقًا بسلطة الإقطاع والكنيسة في العصور الوسطى.
ويبين أنه مع قيام الثورة الصناعية الأوروبية الأولى في أواخر القرن الثامن عشر، التي اعتمدت على الفحم والمحرك البخاري، أعيد تعريف مفهوم الإنتاج ليقتصر على ما يجري في السوق والمصنع، مع استبعاد العمل المنزلي والزراعي غير المأجور، فجرى إقصاء المرأة مجددا من المشهد الاقتصادي الرسمي.
غير أن انطلاقة الثورة الصناعية الثانية، القائمة على النفط والكهرباء ومحرك الاحتراق الداخلي، وما رافقها من اندلاع الحربين العالميتين، فرضت واقعا جديدا أعاد المرأة إلى الواجهة بوصفها ضرورة إستراتيجية وقوة إنتاجية. إلا أن هذا الحضور ما لبث أن تراجع بعد انتهاء الحرب، وكأن مشاركتها في بناء الاقتصاد لم تكن سوى ظرف طارئ، قبل أن يسهم هذا الوعي المتنامي بأهميتها في تحفيزها على استعادة دورها في العقود اللاحقة.
علما بأننا سنعتمد نماذج مختارة لنساء فاعلات في تأسيس الدول ودفع عجلة التنمية السياسية والاقتصادية، دون ادعاء الشمول، إذ لا يهدف هذا العمل إلى الطابع الموسوعي رغم إدراكنا لوجود نماذج أخرى عديدة. كما لن نتوسع في تناول حضارات بعيدة جغرافيًا أو ثقافيا، حفاظا على أحد أهداف الكتاب الرئيسة، وهو إجراء مقارنة بين أوروبا المسيحية والإسلام في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
وفي خاتمة الكتاب، يبيّن أبودية أنه تتبّع عبر فصوله المسار الطويل والمعقّد الذي خاضته المرأة في تاريخ الإنسانية، لا بوصفها "نصف المجتمع"، فحسب، بل باعتبارها صانعة لهوية الدولة، وشريكة في إنتاج الاقتصاد والتنمية، وحاملة للمعرفة وقيم الاستقرار والعدالة والتجدّد عبر الأجيال، في السلم والحرب.
فمن مجتمعات ما قبل التاريخ إلى المجتمعات الزراعية الأولى، حين حملت البذور على كتفها والغلال في كفّها، ومن بلاط السلاطين حيث نسجت التحالفات وأدارت الأزمات السياسية، وصولًا إلى الشوارع والجامعات والمختبرات والمنصات الرقمية، أثبتت المرأة حضورها بوصفها عنصر توازن وأمل وتحول، وأحيانا في صدارة القيادة السياسية.
ويرى المؤلف أن بلقيس السبئية في اليمن، في القرن العاشر قبل الميلاد، تُعدّ من أوائل الحاكمات اللواتي جسّدن الحكم القائم على العدل والشورى، إذ مثّلت نموذجًا مبكرًا للمرأة الحاكمة الرشيدة التي جمعت بين الحكمة والدبلوماسية وتجنّب الحروب والتنمية الاقتصادية في بناء الدولة. وتلتها الملكة سميراميس التي حكمت الإمبراطورية الآشورية في القرن التاسع قبل الميلاد، وتُعد من أكثر الشخصيات الأسطورية إثارة في التاريخ الآشوري، إذ تُنسب إليها إنجازات معمارية وعسكرية بارزة.
كما برزت أرتميسيا الأولى، ملكة مدينة هاليكارناسوس اليونانية التابعة للإمبراطورية الفارسية في القرن الخامس قبل الميلاد، ثم زينوبيا ملكة تدمر في القرن الثالث الميلادي، تلتها كليوباترا السابعة في مصر، والملكة شقيلات في مدينة البتراء نحو فترة الميلاد، وصولًا إلى الملكة تين هينان، أم الطوارق، في القرن الرابع الميلادي في المغرب والجزائر، والملكة الأمازيغية ديهيا "الكاهنة"، في شمالي أفريقيا خلال القرن السابع الميلادي.
إن تاريخ الدولة لا يُكتب بالقوانين والحروب وحدها، بل بالخبز والتعليم والرعاية والإبداع، وهي ميادين ظلّت المرأة تقودها، إمّا بصمت في أزمنة الاضطهاد، أو بالمواجهة في لحظات الانفتاح، رغم ما فرضه النظامان الأبوي والرأسمالي من تهميش واحتواء، سواء في المراكز الرأسمالية أو في الأطراف التابعة والمهمَّشة.
ويقول أبودية إن هذا الكتاب سعى إلى تفكيك الأساطير التي أُحيطت بصورة المرأة عبر العصور، وكشف اللحظات التي كانت فيها النساء فاعلات في أزمنة الانهيار والنهوض، كما كشف الأطر التي أُريد لهن الانحصار داخلها: من "المرأة المقدسة"، إلى "المرأة الخاضعة، ومن "رمز الأمة"، في الدولة القومية، إلى "تابع للدولة"، أو "ديكور لها"، في الدولة الأيديولوجية.
وينفي أبودية أن يكون مطلبه مقتصرًا على "مقعد للمرأة"، على طاولة القرار، بل يدعو إلى إعادة تصميم الطاولة ذاتها. فالدولة المنشودة ليست جهازًا بيروقراطيًا أو أداة حكم فحسب، بل فضاء يحتضن جميع مكونات المجتمع على أساس الكرامة والعدالة والإنصاف والرعاية والاستدامة والديمقراطية، مع التأكيد على النهج السلمي والتدريجي في إحداث التغيير، بوصفه أحد الدروس المستفادة من تجارب الربيع العربي.
وفي زمن الأزمات المتعددة، قد تكون المرأة، بذاكرتها الجماعية وتجربتها الطويلة في الصبر والإبداع والرعاية، ليست مجرد جزء من الحل، بل حاملة لمفاتيح المستقبل، بما يضمن مشاركة الجميع، على اختلاف الطبقات والهويات والمناطق والأعراق.
ويرى المؤلف أن العدالة لا تتحقق بإضافة بعض الوجوه، بل بتغيير البنية الهيكلية القائمة قبل تزيينها، وبالاعتراف بأنه لا دولة عادلة من دون إنصاف المرأة، ولا تنمية مستدامة من دون مشاركتها في جميع مراحل صنع القرار، من الحقل إلى البرلمان، ومن الرحم إلى السياسة.
ويشير أبوديه إلى أن الهدف الأساسي الذي يقدمه الكتاب هو أن التاريخ لا يُكتب بالحروب والمراسيم وحدها، بل يُصنع يوميا، بهدوء وإصرار، على أيدي النساء اللواتي يبنين الحياة في الظل. ومن هنا تأتي الدعوة إلى الخروج من هذا الظل معًا، وإعادة بناء الدولة على أسس تليق بالكرامة التي حملتها النساء رغم الصمت والاضطهاد والحروب.
وفي مطلع قرن جديد، يواجه العالم تحديات كبرى، من تغيّر المناخ والذكاء الاصطناعي والفجوة الرقمية، إلى التطهير العرقي والنزوح والفقر والكراهية. وفي قلب هذه القضايا تقف المرأة، لا بوصفها متلقية للسياسات، بل باعتبارها شريكًا أساسيًا في الحل.
ولم يعد نموذج الدولة القائم على الربح والذكورية والتبعية قادرًا على تلبية شروط الأنسنة والتنمية المستدامة، إذ إن النموذج التنموي الذي يقيس النجاح بحجم الناتج القومي والنمو الاقتصادي وحدهما، دون اعتبار للعدالة الاجتماعية، بات في مأزق واضح.
ويرى المؤلف أنه، رغم التقدم الرقمي الكبير، ظهرت تحديات جديدة في عالم المعرفة، أبرزها حماية البيانات والخصوصية، ولا سيما خصوصية النساء، وإدارة فيض المعلومات والتحقق من مصداقيتها، والتصدي للاختراقات الرقمية، إلى جانب الحاجة إلى تنمية مهارات التفكير النقدي والتمييز بين المعلومات الصحيحة والمضللة، وتعزيز الأمن السيبراني. وتستدعي هذه التحديات من المؤسسات والأفراد تطوير أدوات ومهارات جديدة لمواكبة البيئة المعرفية المتغيرة.
ويؤكد أبو دية أن الذكاء الاصطناعي وعلوم البيانات يقدّمان فرصًا هائلة لتحسين جوانب متعددة من الحياة الشخصية والمهنية، وتعزيز الكرامة الإنسانية عبر تحسين الأوضاع الاقتصادية والنفسية، وتقليص الفجوات الطبقية والجندرية. ولتحقيق أقصى استفادة من هذه الفرص.
وخلص المؤلف إلى الاستثمار في التعليم والتدريب المستمر على التقنيات الحديثة المتسارعة التطور، بما يضمن مواكبة التحولات المتلاحقة والاندماج الفاعل في العالم المعاصر.