عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    15-Feb-2026

هل ستصمد كوبا؟

 الغد

 ترجمة: علاء الدين أبو زينة
مايكل سميث* – (كاونتربنش) 12/2/2026
من وجهة نظر كوبا، بدأت أحدث مراحل الهجمات الأميركية على الجزيرة مع حملة الإبادة في غزة والشلل العالمي الذي سمح لها بالاستمرار، وهو ما شجع أوهام القدرة المطلقة في واشنطن.
 
 
الآن، مرة أخرى تواجه كوبا، التي ولدت من رحم الأزمة، وتقوَّت بالرفض، خنقًا اقتصاديًا تمارسه عليها واشنطن التي تتحرك نحو توجيه الضربة القاضية بعد سبعة وستين عامًا من الهجمات المستمرة على الجزيرة.(1)
منذ انتصار ثورتهم في العام 1959، أغضب الكوبيون القادة الأميركيين ببراعتهم الخاصة في التغلب على الكوارث، سواء كانت على شكل أعاصير، أو فيضانات، أو غزوات، أو اختطافات، أو هجمات كيميائية أو بيولوجية، أو حرب اقتصادية.
في ما بين كل هذه الكوارث، كان الكوبيون يواصلون الأكل والشرب، والرقص والاحتفال بالحياة.
واليوم، مع عودة الرئيس ترامب إلى المشهد السياسي، وقيامه بخطف نيكولاس مادورو، وقطع النفط الفنزويلي عن هافانا، تواجه كوبا تصعيدًا مألوفًا جدًا للسادية الإمبريالية الهادفة إلى إجبارها على التوسل طلبًا للغوث.
والآن، أصبحت محطات الحافلات في البلد فارغة، وثمة عدد أقل من السيارات والمشاة يتنقلون في الشوارع. وهناك نقص ملموس في الوقود، وقد أغلقت العديد من محطات البنزين أبوابها. كما أوقفت شركة الخطوط الجوية الكندية خدمة النقل إلى الجزيرة.
العائلات تتحول إلى الاعتماد على الحطب والفحم للطهي وسط انقطاعات مستمرة للكهرباء. وتم فرض قيود طارئة تشمل تقليل أسبوع العمل إلى أربعة أيام، وتقليل التنقل بين المحافظات، وإغلاق المرافق السياحية الرئيسة، وتقليص ساعات الدراسة في المدارس، وتقليل الحضور الشخصي للطلبة في الجامعات.
ولكن، بطريقة ما، تستمر الحياة في هافانا، وهناك الكثير مما يمكن فعله. بالقرب من محطة القطار وعلى الممشى البحري، يمارس الناس صيد الأسماك. وعندما يحل الليل، تمتلئ الأحياء بالشباب الذين يشاركون في مشاريع ثقافية، أو يلعبون كرة القدم أو كرة السلة.
عبّرت باديرا، وهي امرأة كوبية تبلغ من العمر 32 عامًا، عن جانب مهم من النفسية الوطنية مؤخرًا للصحفي لويس هيرنانديز نافارو من الصحيفة المكسيكية "لا خورنادا". قبل عامين، غادرت باديرا الجزيرة على أمل الوصول إلى الولايات المتحدة، تاركة ابنتها البالغة من العمر تسع سنوات وابنها البالغ سبع سنوات مع جديهما. ولم تتمكن من الوصول إلى أميركا واضطرت إلى البقاء في مكسيكو سيتي، حيث عملت في محل لبيع الأسماك في "سوق نونوالكو". والآن عادت إلى هافانا.
تقول باديرا: "مهما ابتعدتُ عن الوطن، هناك جزء صغير مني يظل في كوبا، ولا أعني بذلك أولادي فقط... لا أرغب في أن يحدث أي سوء لبلدي. لا أحب السياسة، لكن ما نعيشه الآن مع ترامب يذهب إلى ما أبعد من السياسة. كيف يمكن لشخص ليس حتى كوبيًا أن يأتي ويقرر لنا كيف يجب أن نعيش"؟
يشير نافارو إلى أولئك الذين يعوّلون اليوم على إحداث "تغيير نظام" عن طريق خنق حياة كوبا، وينسون مدى عمق وحميمية روابط المرء مع وطنه الأصلي، ومدى سرعة استفزاز حتى أولئك من غير المهتمين بالسياسة مثل باديرا وتحول عاطفتهم إلى مقاومة شرسة. إنه نسيان ساذج، ولكنه شائع.
ويذهب نافاروا أيضًا إلى ملاحظة أن هذه ليست المرة الأولى التي يُقال فيها إن نهاية الثورة الكوبية أصبحت وشيكة وفي متناول اليد. في العام 1991، نشر الصحفي الأرجنتيني أندريس أوبنهايمر كتابه "ساعة كاسترو الأخيرة"، الذي كان نتاج إقامته ستة أشهر في كوبا وإجراء خمسمائة مقابلة مع مجموعة من كبار المسؤولين والمعارضين للحكومة.
يعيش أوبنهايمر، الكاتب المساهم في صحيفة "ميامي هيرالد" ومحطة "سي. إن. إن"، في الولايات المتحدة ويتمتع بعلاقات وثيقة مع المجتمع الكوبي في المنفى بميامي. ووفقًا لنافارو، يصف الكتاب ما اعتبره المؤلف انهيارًا وشيكًا لفيدل كاسترو والثورة الكوبية بعد ثلاثة عقود من البقاء في السلطة.
لكن هذه النتيجة المنشودة بشدة سرعان ما تبخرت. وتبين أن التنبؤات الواثقة بانهيار الحكومة الكوبية بسرعة، والتي ازدهرت في فترة سقوط "الجدار الحديدي" واختفاء الاتحاد السوفياتي، لم تكن سوى سراب. كانت هذه التنبؤات التي انتشرت على نطاق واسع تشبه نوعًا من إنجيل في الصحف ومحطات التلفزة، لكنها لم تتحقق. وظل فيدل كاسترو حيًا بعناد لمدة 25 عامًا إضافية، وخلفه في الحكم شقيقه راؤول، الذي تلاه أيضًا ميغيل دياز-كانيل.
والآن، بعد خمسة وثلاثين عامًا لاحقًا، أعاد العدوان العسكري الأميركي على فنزويلا وخطف الرئيس مادورو إحياء نبوءة الانهيار الوشيك للثورة الكوبية. وتتغذى هذه الخيالات على استقراءات من أهمية "الشافيزية" لبقاء السياسة الثورية حية على الجزيرة، وتقفز إلى استنتاجات سهلة بأن الحكم الشيوعي هناك سينهار فجأة.
من الصحيح بالتأكيد أنه في زمن هوغو تشافيز، كان يتم إرسال ما يصل إلى مائة ألف برميل نفط فنزويلي يوميًا إلى كوبا، وبعد فرض الحصار الاقتصادي على حكومة مادورو (2021-2025)، انخفض الرقم إلى ثلاثين ألف برميل يوميًا، مما وجه ضربة شديدة إلى الاقتصاد الكوبي. واليوم، تحصل هافانا على نحو 40.000 برميل فقط من أصل 100.000 برميل تحتاجها يوميًا، بينما أصبح تنفيذ خطتها لتعزيز مصادر الطاقة المتجددة حتى يقل اعتمادها على أشكال الوقود الأحفوري يتقدم بوتيرة أبطأ نحو تلبية الاحتياجات المتزايدة للبلاد.
وحتى تزداد الأمور السيئة سوءًا، شدّد ترامب الحصار على الطاقة، مهددًا بفرض رسوم جمركية على الدول التي تجرؤ على تزويد كوبا بالوقود. وتخلِّف هذه الإجراءات عواقب سلبية عميقة على الصحة العامة والغذاء– وبطبيعة الحال على كل مناحي الحياة اليومية. وكان الكوبيون يعانون مسبقًا من انقطاعات متكررة للكهرباء ومن نقص وحرمان على نطاق لم يشهد البلد له مثيلًا منذ "الفترة الخاصة" بعد سقوط الاتحاد السوفياتي في العام 1991، لكن عليهم الآن تحمل انقطاعات شبه مستمرة. وفي أجزاء كثيرة من الجزيرة تستمر هذه الانقطاعات لأكثر من نصف اليوم.
ولكن، هل يعني ذلك أن انهيار الحكومة الكوبية أصبح قريبًا، أو أن "تغيير النظام" على وشك الحدوث؟ يردُّ أوسكار بيريز- أوليفا فراغا، نائب رئيس وزراء كوبا، على هذه الادعاءات بالنفي المطلق: "هذه فرصة وتحدٍ، ليس لدينا أي شك في أننا سنتجاوزهما. إننا لن ننهار".
بالإشارة إلى إرادة العديد من الكوبيين المقاومين والتماسك الاجتماعي الناتج عن رفض تدخلات ترامب الخشنة، يؤكد نافارو أن الإعلانات عن نهاية الثورة الكوبية ليست سوى خيالات ولّدتها تطلعات كارهي كوبا إلى الخلاص ورغبة ترامب في كسب الأصوات من أجل الفوز في الانتخابات النصفية القادمة.
ولبث الحياة وإضفاء مصداقية على فكرة أن تغيير النظام ممكن الحدوث وأن ثمة مؤشرات على اقترابه، قامت عدة منصات إخبارية تدور في فلك واشنطن مؤخرًا بنشر رسالة تفيد بأن الرئيس الكوبي، ميغيل دياز-كانيل، اتصل بالولايات المتحدة لطلب إجراء حوار جاد، وهو الذي يمثل، كما قيل، تغييرًا في موقف الحكومة الكوبية تجاه واشنطن نتج عن تصريح ترامب الغرائبي (2) في 29 كانون الثاني (يناير) الذي أعلن فيه أن كوبا الصغيرة تمثل تهديدًا للأمن القومي الأميركي وحذر من إقدام بلده على الرد.
ولكن لم يكن هناك في الواقع أي تغيير في الموقف، وإنما مجرد دعوة تكررت مرات لا تحصى إلى الحوار والتفاهم بين البلدين على أساس المساواة والاحترام المتبادل، وهو ما أصرت عليه كوبا كل الوقت.
من وجهة نظر كوبا، بدأت أحدث مراحل الهجمات الأميركية على الجزيرة مع حملة الإبادة في غزة والشلل العالمي الذي سمح لها بالاستمرار، وهو ما شجع أوهام القدرة المطلقة في واشنطن.
والآن، يريد دونالد ترامب أن يفرض الجوع على الكوبيين لإجبارهم على التخلي عن الاشتراكية، وهي ليست فكرة جديدة على الإطلاق. مثل أسلافه في البيت الأبيض، لا يريد ترامب أن تكون هناك أي قاعدة للسياسة المناهضة للإمبريالية في أي مكان في العالم- ناهيك عن أن توجد مثل هذه القاعدة على بُعد تسعين ميلاً فقط من الولايات المتحدة.
بعد كل شيء، كانت كوبا قد أرسلت في الماضي مئات الآلاف من قواتها آلاف الأميال بعيدًا عن وطنها لإذلال نظام جنوب أفريقيا الأبيض في ساحة المعركة. وكان تقدُّم القوات الكوبية المذهل في جنوب غرب أنغولا والهزيمة الساحقة التي ألحقتها بقوات الفصل العنصري في كويتو كوانافالي، والتي أظهرت سيطرة كوبا على السماء، أحداثًا محورية ساهمت بقوة في إسقاط هذا النظام البغيض. وقال نيلسون مانديلا إن انتصار كوبا في كويتو كوانافالي "دمر أسطورة القوة لا تقهر لنظام الاضطهاد الأبيض وألهم الجماهير المكافحة في جنوب أفريقيا… كانت كويتو كوانافالي هي نقطة التحول لتحرير قارتنا– وشعبي– من وباء الفصل العنصري".
وفي أول رحلة له خارج أفريقيا، حرص مانديلا على زيارة هافانا في تموز (يوليو) 1991 لتقديم رسالة شكر شخصيًا للشعب الكوبي. وقال: "إننا نأتي إلى هنا بشعور من الدَّين العظيم المستحق الذي ندين به للشعب الكوبي. أيُّ بلد آخر يمكنه أن يشير إلى سجل من الإيثار أعظم مما أظهرته كوبا في علاقاتها مع أفريقيا"؟
صنّفت الولايات المتحدة مانديلا كإرهابي حتى العام 2008، وهي تعتبر هافانا الآن نظامًا إرهابيًا.
وهو جنون مطلق. وفي الوقت نفسه، ثمة على الأرض في كوبا، ضد الرياح العاتية ومد رجعي متصاعد، شعب فخور ومرن، ناجٍ من ألف خيانة ومحاصر بحصار حقير، يواصل البقاء بتحدٍّ.
 
*مايكل سميث Michael Smith: صحفي استقصائي أميركي حاصل على جوائز وطنية ومرموقة يعمل في "أخبار بلومبيرغ"، يقيم في ميامي ويكتب عن الجرائم المالية، وسياسات الاقتصاد الدولي، والبيئة وقضايا العمل. حاز على عدة جوائز من بينها جائزة جورج بولك وجائزة ماريا مورز كابوت وجائزة روبرت إف. كينيدي وغيرها خلال أكثر من ثلاثة عقود من العمل الصحف. وهو مؤلف كتاب Cabin Fever الذي يتناول قصة حقيقية عن تأثير جائحة كوفيد- 19 على سفينة سياحية. يُعرف بأسلوبه التحقيقي المتعمق في الملفات المعقدة والمساءلة السياسية في مقالاته وتقاريره.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Will Cuba Survive?
 
ملاحظات:
(1) هذه الغطرسة الإمبريالية تعود إلى توماس جيفرسون، الذي أراد ضم كوبا.
(2) "معالجة التهديدات التي تمثلها الحكومة الكوبية للولايات المتحدة" Addressing Threats to the United States by The Government of Cuba ، موقع www.whitehouse.gov