عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    08-Apr-2026

"قراءات أسلوبية في نصوص من الشعر القديم" يكشف أبعادها الجمالية

 الغد-عزيزة علي

يأتي كتاب "قراءات أسلوبية في نصوص من الشعر القديم" للدكتور عدنان محمود عبيدات، ليسلط الضوء على الشعر العربي القديم من خلال عدسة أسلوبية دقيقة، من العصر الجاهلي مرورا بالعصرين الأموي والعباسي، ليكشف عن طبقات النصوص وأبعادها الفلسفية، التاريخية، الاجتماعية والسياسية.
 
 
الكتاب جاء بدعم من وزارة الثقافة، ويعكس حرص الباحث على الغوص في النصوص بوعي نقدي ومنهجي، مستكشفًا ما وراء الكلمات من دلالات خفية، ورابطًا بين الموضوعات المختلفة داخل القصيدة الواحدة، سواء في الشعر الجاهلي الذي يناقش جدلية الحياة والموت، أو الشعر الأموي الذي يجمع بين السياسة والفخر، أو الشعر العباسي الذي يظهر براعة أبي نواس والمتنبي في استخدام الترجيع والألوان والمكان لتشكيل الصورة الشعرية.
وفي كلمة على الغلاف، ورد أن هذا الكتاب، الذي يقع في ثمانية فصول، تربطها القراءة الأسلوبية للنصوص، وهو مجموعة من القراءات المتخصصة في الشعر العربي القديم، تشمل الشعر الجاهلي، الأموي والعباسي.
وقد حرص عبيدات، أثناء قراءته لهذه النصوص، على التعمق فيما وراء السطور، فدرسها من زوايا فلسفية، تاريخية، اجتماعية وسياسية. ففي الشعر الجاهلي، بين أن هاجس الشاعر كان الحديث عن الحياة والموت من دون التصريح بذلك. 
فقد يظن القارئ السريع، أن القصيدة تتوزع على موضوعات متعددة غير مترابطة، لكن نظرة أعمق تظهر أن هناك ترابطًا خفيًا بين شرائح القصيدة، بدءًا من أول بيت وانتهاء بآخر بيت.
أما في الشعر الأموي، فقد كانت النصوص تحمل طابعًا رمزيًا وتتطرق إلى السياسة، من دون التصريح المباشر بها. وقد قام الباحث بالتدقيق في هذه النصوص من منظور نقدي، مشيرًا إلى المواقف السياسية المتضمنة فيها.
وفيما يتعلق بنصوص العصر العباسي، فتناول الباحث أسلوبية "الترجيع البلاغي" في إحدى قصائد أبي نواس، كما توقف عند دور اللون ووظيفته في بناء المعاني في شعر المتنبي، وكذلك تحليل دور المكان في تشكيل الصورة الشعرية في قصيدته "على قدر أهل العزم".
وفي الختام، يعتبر الأدب ذاكرة الزمن وهو ابن بيئته، حيث يعكسها بطرق متعددة. ومن واجب الناقد أن يفهم النصوص ويحللها ويقنع بما فيها. وهذا هو ما سعى إليه مؤلف الكتاب.
في مقدمته للكتاب، أوضح الدكتور عبيدات أنه توقف عند هذه النصوص ودرسها دراسات أسلوبية نقدية، محاولًا إظهار بعض الحقائق من خلال محاكاة النصوص بطريقة منهجية واضحة، تقوم على التحليل والنقد، معتمدًا على تذوق المعاني، الاستقراء، الاستنتاج، التحليل ومحاولة الوصول إلى ما وراء النص وإبرازه. وقد كانت المتابعة التاريخية والاجتماعية والسياسية واضحة، كما كان التطبيق على النصوص دقيقًا. لكل فصل من فصول الكتاب خصوصية وسمات محددة، مع تماسك هذه الفصول في السمات الفنية العامة.
واهتم عبيدات، بإظهار الأدب ذاكرة الزمن، وأن بعض هذه المقالات تناولت ثورة المهمشين، والحديث عن الحرب والمدح، والبوح عن الذات، إلى جانب قضايا اجتماعية متعددة. وكل هذه الموضوعات جمعها رابط واحد يتمثل في التوثيق.
يتضمن هذا الكتاب مجموعة من الدراسات المتخصصة في الشعر العربي القديم، وجاءت موزعة على ثمانية فصول تتناول الأدب الجاهلي، الأموي والعباسي.
يتناول في الفصل الأول: قصيدة متمم بن نويرة اليربوعي بفهم جديد، موضحًا أن الشاعر كان يعبر عن معنى أعمق غير المعنى الظاهر للقصيدة. ولوحات الشاعر الشعرية، رغم اختلافها، كانت مترابطة في موضوعها، حيث أظهر فيها جدلية الحياة والموت على امتداد نسيج القصيدة. وقد يظن القارئ المتعجل، كما هو الحال مع كثير من الشعر الجاهلي، أن القصيدة تتكون من موضوعات وشرائح مختلفة لا رابط بينها، إلا أن الدراسة النقدية تكشف أن هذه النظرة سطحية وتجنٍ على النص.
كما تناول الفصل الثاني: قصيدة الراعي النميري، التي يبدأ مطلعها بـ"طاف الخيال بأصحابي"، وجاء عنوان الفصل "طقوس الرفض والاعتذار: قراءة أسلوبية في قصيدة طاف الخيال بأصحابي". أظهر في هذه الدراسة تداخلًا واضحًا بين الشعر والسياسة في العصر الأموي، حيث كانت قبيلة الشاعر في البداية زبيرية الهوى، وعند هزيمتهم ومقتل عبد الله بن الزبير، حمل الشاعر على عاتقه مسؤولية كبيرة وسعى لكسب ود الأمويين والتقرب منهم. وقد برز في هذه القصيدة البعد السياسي، مع إظهار ولاء بني نمير لبني أمية.
ويقدم في الفصل الثالث: قراءة أسلوبية لقصيدة أخرى للراعي النميري، مطلعها: "يا أهل ما بال هذه الليل في صفر". أثارت هذه القصيدة أسئلة معقدة ومتشابكة حول النص، إذ تكشف القراءة الواعية عن شبكة علاقات دقيقة تظهر مدى ارتباط الشاعر بالقبيلة وبالواقع السياسي في العصر الأموي. فقد انشغل الشاعر بتوتر العلاقة بين بني نمير وولاة بني أمية، وكان لسان قومه المدافع عنهم، يسعى إلى رفع الجوع والتجويع المتعمد، نتيجة عدم رضى ولاة بني أمية عن القبيلة.
وجاء الفصل الرابع: بعنوان "المسكوت عنه وقضاءات الدلالة في قصيدة (أطلس عسال)، للفرزدق: قراءة أسلوبية"، وهو يمثل جانبًا من الأدب السياسي في العصر الأموي. تتكون القصيدة من لوحات متعددة قد تبدو للمتلقي غير مترابطة، فالأولى حوارية مع الذئب، والثانية غزل في زوجته نوار، والثالثة فخر بقبيلة تميم. وفي هذه اللوحات، يتناول الفرزدق حادثة تاريخية بشكل رمزي، وهي مقتل قتيبة بن مسلم الباهلي في فرغانة، التي أشار إليها المؤرخون القدماء والمعاصرون.
ويتناول الفصل الخامس: الأدب الأموي، بعنوان: "جدلية الأنا والآخر: قراءة أسلوبية في قصيدة (أرى سلمى تصد وما صددنا)، ليزيد بن ضبة"، وصف الشاعر في هذه القصيدة ما فعله هشام بن عبد الملك به عندما أمر بإخراجه، بعد أن رفض الشاعر مدحه عند تسلم هشام الخلافة، نظرًا لعلاقته الوثيقة مع خصمه، ابن أخيه الوليد بن يزيد بن عبد الملك.
وقد ركز الفصل السادس: على الأدب العباسي، وهو بعنوان "أسلوبية الترجيع في شعر أبي نواس: دراسة أسلوبية نقدية"، حاول الباحث في هذه الدراسة استكشاف نظرة أبي نواس إلى الكون من خلال شعره، حيث ظهر فيه العديد من مظاهر المجون واللهو، سواء في الخمرة أو في المرأة.
كما استخدم الشاعر أسلوب الترجيع البلاغي في عرض أفكاره وآرائه، الذي يقوم على الحوار والسؤال والجواب، وأحيانًا على أسلوب الالتفات، مع توظيف التكرار بشقيه اللفظي والمعنوي بأسلوب قصصي مشوق وجاذب.
ويتحدث الفصل السابع: عن شعر المتنبي، بعنوان "دور المكان في تشكيل الصورة في قصيدة (على قدر أهل العزم): دراسة أسلوبية تطبيقية"، اعتُبرت هذه القصيدة تسجيلًا تاريخيًا، حيث تتحدث عن تحرير سيف الدولة لقلعة الحدث، ورسم المتنبي لوحة حية للمعركة، فوصف السكون والحركة والتوتر بطريقة تجعل المتلقي يعيش أحداثها وكأنها أمامه مباشرة.
أما الفصل الثامن، فجاء بعنوان "الأداء باللون في شعر المتنبي"، وقف الباحث فيه عند دلالات اللون في شعر المتنبي، مشيرًا إلى أن اللون حاضر بوعي في ديوانه، واستخدمه الشاعر بشكل متعمد في أغلب موضوعاته، ما أضفى على نصوصه بعدًا جماليًا ومعنويًا واضحًا، يعكس عمق إدراكه الفني وقدرته على صياغة الصور الشعرية بشكل مؤثر.