عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    03-May-2026

سلوكيات تشعرنا بالخزي!*موفق ملكاوي

 الغد

استغل الأردنيون العطلة الأخيرة، وخرجوا لاستكشاف المناطق السياحية العديدة التي يزخر بها بلدنا. رأينا كيف أن صورهم وفيديوهاتهم العديدة وثقت سعادتهم بالأماكن التي اختاروا زيارتها، فالطبيعة في غابات عجلون، ووديان الشمال، وسهول الوسط، وآثار الجنوب، ما تزال قادرة على منح الإنسان شيئا من توازنه المفقود.
 
 
لكن، وفي إزاء صور الاحتفاء بالطبيعة، كانت هناك صور وفيديوهات تظهر تباعا لفترة ما بعد مغادرة أولئك المتنزهين، تظهر حجم الخراب الذي تركوه وراءهم. أطنان من النفايات تركت في الطبيعة، في تكريس للفوضى واللامبالاة وانعدام المسؤولية، وبلا أدنى مراعاة لحرمة المكان ومشاعر الآخرين الذين سيأتون من بعدهم.
يكفي أن يتأمل الإنسان عشرات المقاطع التي يوثقها ناشطون بعد انتهاء العطل، حتى يشعر بخجل حقيقي. أكياس بلاستيكية متناثرة، عبوات مياه ومشروبات مرمية بين الأشجار، بقايا طعام متعفنة، فحم محترق، أدوات شواء مكسورة، حفاضات أطفال، ومناديل صحية متناثرة على الأرض، وكأن بعض الناس يتعاملون مع الطبيعة باعتبارها مكبا مفتوحا للنفايات، لا فضاء عاما يشترك فيه الجميع.
المشهد لا يشوه المكان فحسب، بل يسيء إلينا نحن، وإلى صورة المجتمع ومستوى الوعي، ويهدم الادعاءات التي نكررها عن التحضر والانتماء والاعتزاز بالوطن. لا يمكن لإنسان أن يتحدث عن حب الوطن وهو يترك خلفه جبلا من القمامة في غابة أو محمية طبيعية. الوطنية ليست خطابا عاطفيا أو منشورا على مواقع التواصل، فهي تبدأ من أبسط السلوكيات.
الأخطر أن هذه الظاهرة أصبحت نمطا متكررا. ورغم الحملات الإعلامية، واللافتات التوعوية، والمبادرات الشبابية، والتنبيهات المستمرة، إلا أن كثيرين ما يزالون يتصرفون وكأن الأمر لا يعنيهم، بما يعزز من الاعتقاد أن  التوعية غير قادرة على تعديل السلوك.
أغلب هؤلاء يعرفون أن رمي النفايات والمخلفات يشوه الأمكنة، وأن البلاستيك يلوث التربة ويفتك بالبيئة. ومع ذلك فهم مستمرون في سلوكهم، ما يعني أننا نواجه أزمة تتعلق بالقيم، وخللا عميقا في فهم المجال العام باعتباره مكانا مشتركا للجميع، ما يدمر فكرة الشراكة المدنية من أساسها.
الأردن يعمل منذ سنوات على تطوير قطاع السياحة الطبيعية والبيئية، ويحاول تقديم نفسه كوجهة تجمع بين الطبيعة والتاريخ والتنوع الجغرافي. لكن لا يمكن لمكان مليء بالنفايات أن يجذب زائرا، ولا يمكن لمستثمر أن يغامر في منطقة يفتقد زوارها لأبسط قواعد السلوك المتحضر. كل كيس قمامة يرمى في منطقة سياحية هو ضربة مباشرة لصورة البلد الاقتصادية والسياحية.
المشكلة أيضا، أن الأطفال الذين يخرجون مع أسرهم ويرون آباءهم يرمون النفايات في الطبيعة، يتعلمون أن هذا السلوك طبيعي، فتتحول الفوضى إلى ثقافة وميراث اجتماعي، لأنهم لا يتربون على أن الوطن امتداد للبيت، وأن المجال العام ليس أقل قيمة من الملكية الخاصة.
يبدو واضحا أن الحملات التوعوية وحدها لم تعد كافية، فبعض الناس لا تغيرهم الرسائل اللطيفة أو القاسية، ولا الشعارات، ولا يمكن تصويب سلوكهم إلا حين يشعرون أن السلوك الخاطئ له كلفة حقيقية. لذلك، لا بد من الانتقال من منطق التوعية فقط إلى منطق الردع أيضا، والذي يبدأ بتشديد الرقابة في المواقع السياحية، وتركيب كاميرات مراقبة في المناطق الأكثر ازدحاما، وتكليف فرق ميدانية بتحرير مخالفات فورية، وفرض غرامات مالية مرتفعة لا تكون رمزية، بل موجعة بما يكفي لردع التكرار. كما يجب نشر أسماء المخالفات وإعلان حجم العقوبات بشكل دوري، حتى يدرك الناس أن المسألة لم تعد قابلة للتسامح.
في الوقت نفسه، يجب أن تتحمل البلديات، ووزارة وزارة السياحة والآثار الأردنية، ووزارة البيئة الأردنية، والإدارات المحلية، مسؤولياتها في تنظيم المواقع، وتوفير البنية التحتية المناسبة من حاويات، ولوحات إرشادية، ونقاط جمع وفرز، ومسارات مراقبة فعالة. غياب التنظيم يشجع الفوضى، لكنه لا يبررها.
المشكلة أعمق من النفايات نفسها، فنحن نواجه اختبارا حقيقيا لمعنى المواطنة والانتماء، وفهم معنى أن تعيش في وطن تتشاركه مع ملايين غيرك. المجتمعات التي تعبر عن نفسها بمثل هذا السلوك، هي مجتمعات غير متحضرة ولا تنتمي إلى أي مدنية. وما دامت هناك فئة ما تزال تمارس عدم اكتراث ولا أبالية، فيجب على الدولة أن تعدل سلوكها بصرامة وقسوة.