عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    08-Mar-2026

في اليوم التاسع للحرب*إسماعيل الشريف

 الدستور

«التعاون بين ترامب ونتن ياهو يغير وجه المنطقة والعالم». كاتس، وزير الدفاع الصهيوني.
 
بعد مضي تسعة أيام على اشتعال فتيل الحرب، بات جليًّا أن المواجهة الإيرانية مع القوتين الأمريكية والصهيونية لا تعدو كونها مقامرةً استراتيجية محفوفة بالمخاطر، يُرجَّح أن يُستحضر ذكرها مستقبلًا تحت مسمى «الخطأ الاستراتيجي الكبير». وما يُرسّخ هذا التوصيف ويُعمّق دلالاته هو غياب الأهداف المحددة والواضحة من جهة، وفداحة التكاليف التي تُثقل كاهل هذه المواجهة من جهة أخرى.
 
باتت التقارير المتواترة تُنبئ بأن مخزونات الصواريخ المضادة للطائرات وصواريخ الاعتراض تسير نحو النضوب بخطى متسارعة. وتكشف الأرقام المتاحة عن اختلال جوهري وصارخ في المعادلة الاقتصادية لهذا النزاع؛ فبينما لا تتجاوز تكلفة الطائرة المسيّرة الإيرانية حاجز العشرين إلى خمسين ألف دولار، يبلغ ثمن صاروخ اعتراضي واحد من منظومة «باتريوت» نحو أربعة ملايين دولار، فيما تصل كلفة صاروخ منظومة «ثاد» إلى ما يقارب أحد عشر مليون دولار، وصاروخ منظومة «آرو» إلى نحو ثلاثة ملايين ونصف. وهو ما يعني أن المدافع يدفع عن كل طائرة مسيّرة سعرها لا يتجاوز خمسين ألف دولار ثمنًا يفوق ذلك بمئات الأضعاف.
 
لا يخفى على المراقبين أن إيران تتعمد استهداف دول عربية مجاورة، وهو مسلك مدان بكل المعايير ومرفوض رفضًا قاطعًا، إذ كان الأولى والأجدر أن تظل رقعة المواجهة محصورة في نطاق الكيان الصهيوني والولايات المتحدة الأمريكية دون سواهما. وقد اضطرت دول عربية عدة إلى تفعيل منظوماتها الدفاعية لاعتراض تلك الصواريخ والمسيّرات، بل لجأ بعضها إلى استنجاد طارئ بالحلفاء لمواجهة تصاعد هذه التهديدات، في حين تُشير التقارير إلى أن احتياطيات صواريخ «باتريوت» الاعتراضية باتت تقترب من حدود النفاد. وإن استمر معدل الاستهلاك على هذا المنوال، فلن تُفلح المصانع الأمريكية في سد هذا العجز أو تعويض ما استُنزف. والأمر اللافت أن هذه الإشكالية ليست وليدة اللحظة؛ فقد نبّه مكتب أبحاث الكونغرس الأمريكي إلى خطورتها منذ عام 2024، مؤكدًا أن معدلات إنتاج أنظمة الدفاع الصاروخي تبقى دون مستوى متطلبات الحروب المعاصرة، حيث باتت الطائرات المسيّرة الرخيصة المُنتجة بكميات وفيرة تُحدث الأثر الميداني الأكبر والأعمق.
 
على الرغم من اغتيال المرشد الأعلى الإيراني، رأس السلطتين الدينية والسياسية، إلى جانب شريحة واسعة من القيادات العليا، فقد ساد تقدير أولي بأن المنظومة الإيرانية ستنهار تحت وطأة هذه الضربات في وقت وجيز. بيد أن الوقائع جاءت على خلاف ذلك تمامًا؛ إذ ردّت إيران بشنّ موجات متتالية من الصواريخ والطائرات المسيّرة، بلغ مداها حدّ استهداف قاعدة أكروتيري البريطانية في قبرص. وتوسّع نطاق الاستهداف الإيراني ليطال المطارات والموانئ والمصافي النفطية. وفي السياق ذاته، أعلنت المقاومة الإسلامية في العراق عن تنفيذ ما يزيد على ثلاثة وعشرين هجومًا بالطائرات المسيّرة ضد المصالح الأمريكية في المنطقة، فيما انضمّ حزب الله إلى خضمّ المواجهة، بينما تشير المؤشرات إلى أن الحوثيين لن يبقوا مكتوفي الأيدي.
 
باتت الاستراتيجية الإيرانية في إدارة هذه المواجهة تتكشّف بجلاء: إنها استراتيجية الاستنزاف والصمود، تمضي في تنفيذها بمنهجية واضحة وانضباط لافت. وهذه الاستراتيجية ليست وليدة هذه الحرب؛ بل هي النهج ذاته الذي سلكه حزب الله في مواجهته عام 2006، حين أجبر القوات الصهيونية على الانسحاب من مناطق في جنوب لبنان، محقِّقًا بذلك انتصارًا ميدانيًّا واستراتيجيًّا على الرغم مما خلّفته تلك الحرب من دمار جسيم طال الضاحية الجنوبية. ذلك أن قانون هذه المواجهات لا يشترط إلحاق الهزيمة العسكرية المباشرة بالقوى الكبرى؛ بل يكفي استدراجها إلى حرب تستنزف مواردها وتُنهك إرادتها، حتى تجد نفسها مضطرة في نهاية المطاف إلى هزيمة نفسها بنفسها.
 
تجسيدًا لهذه الاستراتيجية، أقدمت إيران على إغلاق مضيق هرمز، ذلك الممر الحيوي الذي يشهد عبوره نحو عشرين بالمئة من إمدادات النفط العالمية، فأشعلت بذلك موجة ارتفاع حادة في أسعار الخام. وعلى الصعيد الأمريكي، سُجّلت أكبر قفزة في أسعار الوقود منذ عام 2005، في حين اضطرت كبرى شركات النفط والغاز إلى تعليق جزء من طاقتها الإنتاجية، وارتفعت تكاليف الشحن البحري ارتفاعًا ملموسًا أثقل كاهل الاقتصاد العالمي. وقد تنجح الولايات المتحدة في استعادة حرية الملاحة عبر المضيق، غير أن هذا الممر سيظل بؤرة توتر متجذّرة ونقطة ضغط مزمنة طوال مراحل هذه المواجهة.
 
ومن أبرز الإشكاليات التي تعتري هذه الحرب غيابُ رؤية استراتيجية أمريكية واضحة المعالم ومتسقة الأهداف؛ فقد أشار الرئيس ترامب إلى احتمال امتداد الحرب لأسابيع، دون أن يُفلح في تقديم تصور مقنع وقابل للتصديق حول ملامح إيران في مرحلة ما بعد الحرب. وقد جاءت مواقف وزارة الخارجية الأمريكية متناقضة ومتذبذبة؛ إذ تارةً تُقدَّم الحرب بوصفها صدًّا للخطر الإيراني، وتارةً تُصاغ في إطار الدعم للكيان الصهيوني، وتارةً ثالثة تُطرح بوصفها ضغطًا عسكريًّا محدودًا على طهران، ثم لا تلبث أن تُقدَّم في سياق مغاير كمشروع لإسقاط النظام من جذوره. وعلى الصعيد الداخلي، تتصاعد وتيرة الضغوط التي تواجهها إدارة ترامب من الكونغرس للكفّ عن هذه الحرب، وفي مقدمة ذلك مشروع القانون الذي تقدّم به السيناتور تيم كين مُطالبًا بوقفها فورًا، واصفًا إياها بأنها حرب تفتقر إلى الشرعية القانونية ولكنها لم تحظى بموافقة الكونغرس.
 
وعلى الرغم من اعتماد الولايات المتحدة على ذريعة وقف البرنامج النووي الإيراني مسوّغًا لهذه الحرب، فقد أعلنت الوكالة الدولية للطاقة الذرية في الثاني من الشهر الجاري أنها لم تعثر على أي دليل يُثبت تضرر المنشآت النووية الإيرانية، مما يُفرغ هذه المسوّغات من مضمونها ويُثير تساؤلات جدية حول الأهداف الحقيقية للعملية. وفي تطور بالغ الخطورة، أطلق الكيان الصهيوني عمليته البرية في لبنان، فاتحًا بذلك جبهة جديدة تُضاف إلى مشهد إقليمي بالغ الاشتعال. أما على الصعيد المدني، فقد طالت تداعيات هذه الحرب قطاع الطيران طولًا وعرضًا؛ إذ أُلغيت ما يزيد على 1900 رحلة جوية من وإلى منطقة الشرق الأوسط، تاركةً أكثر من مليون مسافر عالقين.
 
وفي الوقت ذاته، تتصاعد حدة القلق لدى القادة العرب إزاء مآلات هذه العملية العسكرية، ولا سيما ما قد يُفضي إليه سيناريو انهيار إيران من فراغ استراتيجي هائل يُعيد رسم خريطة المنطقة وموازين القوى فيها. والمفارقة اللافتة أن الحلفاء الذين لا غنى للولايات المتحدة عنهم في هذه المواجهة هم أنفسهم الذين يحملون العبء الأثقل من تبعات الردود الإيرانية، مما يدفع كثيرين منهم إلى الجهر بتشكيكهم في جدوى هذه الحملة وحكمتها.
 
في اليوم التاسع من الحرب، لم يعد يُجدي التساؤل عن مدى قدرة الولايات المتحدة والكيان الصهيوني على ضرب إيران؛ فذلك أصبح من المسلّمات التي لا جدال فيها. أما السؤال الوجودي الذي يفرض نفسه بإلحاح متصاعد فهو: ماذا بعد؟ هل يمتلك الطرفان القدرة الفعلية على حسم هذه المواجهة وبلوغ غاياتهما المُعلنة؟ أم أن المنطقة تقف على عتبة فصل جديد من فصول المأساة، يستدعي في عمقه ومآلاته تجارب فيتنام وأفغانستان والعراق؛ حيث تحولت قوى عظمى إلى أسيرة مستنقعات أوجدتها بيدها؟