عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    14-May-2026

الجامعة الأردنية: صراع المستقبل مع إرث الممرات القديمة*مالك العثامنة

 الغد

في بلد مثل الأردن، لا يمكن النظر إلى الجامعة الأردنية باعتبارها مجرد مؤسسة تعليم عال، فهي أقدم من فكرة "السوق الأكاديمي" نفسه، وأكبر من كونها مكاناً يمنح الشهادات، لأنها كانت دائماً جزءاً من صورة الدولة وهي تحاول إنتاج طبقتها الوسطى وعقلها الإداري ونخبها المهنية، ولهذا فإن أي حديث عن الجامعة الأردنية لا يصبح نقاشاً أكاديمياً فقط، بل نقاشاً يتعلق بصورة الأردن عن نفسه أيضاً.
 
 
 خلال السنوات الأخيرة، حققت الجامعة الأردنية تقدماً واضحاً في التصنيفات العالمية، ووصلت إلى المرتبة 324 عالمياً في تصنيف QS لعام 2026، مع حضور عربي متقدم في تخصصات متعددة بينها الذكاء الاصطناعي وعلوم البيانات والتعليم والعلوم الإنسانية، إضافة إلى حصول برنامج الدبلوم العالي لإعداد المعلمين على اعتماد دولي من مجلس اعتماد برامج إعداد المعلمين الأميركي CAEP، وهو اعتماد لا يمنح بسهولة، ويعكس عملاً مؤسسياً جاداً في ملف حساس يرتبط بمستقبل التعليم نفسه.
 لكن قيمة هذه الإنجازات لا تكمن في الأرقام وحدها، بل في الرسالة التي تحملها، فالجامعة الأردنية تحاول بوضوح أن تنتقل من نموذج الجامعة التقليدية الثقيلة إلى جامعة تفكر بلغة المستقبل، عبر مفاهيم الجودة والاعتماد والتكنولوجيا والمهارات وسوق العمل والشراكات الدولية، وهو تحول ليس سهلاً داخل مؤسسة عريقة وكبيرة ومتداخلة بهذا الحجم.
 فالجامعة، مثل أي مؤسسة تاريخية في المنطقة، تحمل إرثاً إدارياً وبيروقراطياً متراكماً عبر عقود طويلة، وفي داخلها أيضاً ما يمكن وصفه بالحرس القديم، وهو تيار أكاديمي وإداري ينظر أحياناً بريبة إلى مفاهيم التحديث السريع، ويخشى أن تتحول الجامعة من فضاء معرفي كلاسيكي إلى مؤسسة تحكمها لغة السوق والتصنيفات والتمويل الخارجي، لكن من الإنصاف القول أيضاً إن رئاسة الجامعة تبدو اليوم في مقدمة خطوط المواجهة مع هذا الإرث، وتحاول الدفع باتجاه برنامج إصلاحي منهجي يقوم على التحديث التدريجي لا الصدام، وعلى إعادة بناء صورة الجامعة ومكانتها الأكاديمية وفق معايير عالمية جديدة، وهي معركة ليست سهلة داخل مؤسسة بهذا الحجم والتشابك.
 وفوق التعقيدات الداخلية، لا تعيش الجامعة بمعزل عن محيطها، فهي تخضع أحياناً لحسابات الدولة وحساسياتها، كما تواجه ضغوطاً مجتمعية تعكس البنية التقليدية للمجتمع الأردني نفسه، بما فيها توقعات التدخل والاستثناء، وهو ما يجعل أي عملية إصلاح داخل الجامعة أكثر تعقيداً مما يبدو من الخارج.
 وفي المقابل، يواجه المجتمع الطلابي نفسه تحديات لا تقل خطورة، إذ لم تنجح الجامعات الأردنية عموماً في بناء حياة طلابية حديثة ومكتملة تسمح للطلبة بالتعبير السياسي والثقافي والمدني الطبيعي، ما جعل الفراغ يملأ تدريجياً بالهويات الضيقة والاستقطابات التقليدية، وهنا يصبح السؤال الحقيقي أعمق من مجرد ترتيب عالمي أو اعتماد دولي: هل تستطيع الجامعة الأردنية أن تستعيد دورها كمصنع للعقل الأردني الحديث فعلاً؟
 الجامعات الكبرى لا تقاس فقط بعدد الأبحاث أو التصنيفات، بل بقدرتها على إنتاج إنسان أكثر حرية وقدرة على التفكير والنقد والاختلاف، وهذه هي المعركة الأصعب، ومع ذلك يبقى مهماً الاعتراف بأن الجامعة الأردنية، رغم كل التعقيدات والأثقال التاريخية، لا تزال تحاول أن تتحرك إلى الأمام، وهذا بحد ذاته ليس أمراً قليلاً في منطقة تعاني فيها الجامعات العربية من أزمات عميقة في التمويل والحرية والثقة العامة.
 الأردن الذي لا يملك النفط ولا الثروات الضخمة، لا يستطيع أن يخسر جامعته أيضاً، لأن الجامعة هنا ليست مبنى أكاديمياً فقط، بل واحدة من آخر مؤسسات المعنى في الدولة الحديثة.