الغد
مايكل بيكلي – (الإندبندنت) 2025/11/15
يبدو العالم مقبلاً على مرحلة غير مسبوقة من الركود الجيوسياسي بعد أفول القوى الصاعدة التي دفعتها الثورة الصناعية. فالإنتاجية تتباطأ، والسكان يتناقصون، والغزو لم يعد مجدياً، فيما بلغت الصين ذروتها وبدأت بالانحدار. وتعاني بقية القوى الكبرى من الشيخوخة الاقتصادية والديموغرافية. ومع غياب قوى جديدة قادرة على قلب موازين النظام العالمي، يتحول المشهد إلى ناد مغلق من قوى قائمة متعبة تتصارع على البقاء، مما ينذر بعصر اضطرابات وتصلب طويل الأمد.
خلال العام 1898، بينما انضمت المملكة المتحدة إلى قوى أخرى في تقاسم إمبراطورية تشينغ التي كانت ذات يوم عظيمة، حذّر رئيس الوزراء البريطاني اللورد سالزبوري جمهوراً في لندن من أن العالم ينقسم إلى أمم حية وأمم محتضرة. وكانت الأمم الحية هي القوى الصاعدة في العصر الصناعي؛ دولاً ذات تعداد سكاني متزايد وتكنولوجيات تحويلية وجيوش تمتلك مدى وقوة نيران غير مسبوقين. أما الأمم المحتضرة فكانت إمبراطوريات راكدة وعاجزة بسبب الفساد، ومتمسكة بأساليب بالية وتنزلق نحو الخراب. وخشي سالزبوري أن يؤدي صعود بعض الدول واصطدامه بتراجع دول أخرى إلى دفع العالم نحو صراع كارثي.
الآن يبدو أن ذلك العصر من تحولات القوى شارف على نهايته. للمرة الأولى منذ قرون لا توجد دولة ترتقي بسرعة كافية لقلب موازين القوة العالمية. والطفرات الديموغرافية والتقدم الصناعي والتوسعات الإقليمية التي غذت القوى العظمى في السابق استنفدت معظم زخمها. والصين، آخر القوى الكبرى الصاعدة، بلغت ذروتها بالفعل وبدأ اقتصادها يتباطأ وعدد سكانها يتقلص. أما اليابان وروسيا وأوروبا فتوقفت عن النمو منذ أكثر من عقد من الزمان، فيما تمتلك الهند طاقة شبابية لكنها تفتقر إلى رأس المال البشري والقدرة المؤسسية لتحويلها إلى قوة حقيقية. وفي المقابل تواجه الولايات المتحدة مشكلاتها الخاصة، مثل الديون والنمو البطيء والخلل السياسي، لكنها ما تزال تتفوق على منافسيها الذين يغوصون في تدهور أعمق. لقد حل الركود والتصلب محل الصعود السريع الذي ميز الجغرافيا السياسية الحديثة، وأصبح العالم الآن نادياً مغلقاً من القوى القائمة الهرمة، محاطاً بالقوى المتوسطة والدول النامية والدول الفاشلة.
في الواقع يحمل هذا التحول عواقب وخيمة. على المدى البعيد قد يجنب العالم الدورة المدمرة للقوى الصاعدة وسعيها وراء الأراضي والموارد والمكانة الذي انتهى في كثير من الأحيان بالحروب. وفي المدى القريب، يولد الركود والصدمات الديموغرافية أخطاراً حادة. فالدول الهشة تترنح تحت وطأة الديون والزيادات الحادة في أعداد الشباب. والقوى المتعثرة تلجأ إلى التسلح والمطالبات التوسعية لتجنب التدهور. وانعدام الأمن الاقتصادي يؤجج التطرف ويقوض الديمقراطيات، فيما تنجرف الولايات المتحدة نحو نزعة أحادية متغطرسة. وبذلك، يبدو أن عصر القوى الصاعدة يقترب من نهايته، لكن تبعاته المباشرة قد لا تكون أقل عنفاً.
عصر الصعود
على الرغم من رواج تشبيه الصين بأثينا الصاعدة والولايات المتحدة بإسبرطة المهددة، فإن القوى الصاعدة بالمعنى الحقيقي ظاهرة حديثة. وهي لم تظهر إلا خلال الـ250 عاماً الماضية مع الثورة الصناعية، حين حرر الفحم والبخار والنفط المجتمعات من فخ مالتوس (1)؛ ذلك الفخ الذي تستهلك فيه الأعداد الإضافية من البشر أي زيادة في الموارد والثروات، مما أبقى مستويات المعيشة عند حد الكفاف، وللمرة الأولى أصبح ممكناً للثروة والسكان والقوة العسكرية أن تتوسع معاً، متضافرة بدلاً من أن تتعارض، ومانحة الدول القدرة على مراكمة القوة في مسار تصاعدي مستمر، واستند هذا التحول إلى ثلاث قوى: التقنيات التي عززت الإنتاجية بصورة هائلة، والزيادات السكانية التي ضاعفت حجم القوى العاملة والجيوش، والآلات العسكرية التي مكنت من الفتوحات السريعة.
لم يكن العالم ما قبل الصناعة يمتلك أياً من هذه الديناميكيات. فمنذ العام الأول الميلادي إلى العام 1820، لم يرتفع الدخل العالمي للفرد سوى بنسبة 0.017 في المائة سنوياً -أي أقل بقليل من اثنين في المائة لكل قرن. ومع كون الفقر القاعدة السائدة، لم يحدث تغير موازين النفوذ بين الدول إلا بصورة متقطعة وعشوائية، وعادة ما كانت عن طريق استنزاف الموارد الشحيحة. فقد استخرجت الإمبراطوريات الصينية والهندية بصعوبة فوائض زراعية محدودة. وفرضت البندقية والعثمانيون ضرائب على التجارة. ونهبت إسبانيا والبرتغال الفضة. وتوسعت سلالتا هابسبورغ وبوربون من خلال الزيجات بين الأسر الحاكمة. وأعادت الابتكارات العسكرية مثل "سلاح الفرسان" في عهد المغول أو البارود في عهد الإمبراطوريات العثمانية والصفوية والمغولية، تشكيل ميزان القوى لفترة من الزمن، لكن المنافسين تكيفوا معها في نهاية المطاف. وحتى الدولة البريطانية التي اشتهرت بقوتها المالية والعسكرية لم تفعل سوى استنزاف مزيد من الموارد الشحيحة.
ثم جاءت الثورة الصناعية لتحرير العالم من قبضة الندرة وجعلت الإنتاجية أساس القوة، ونقلت المجتمعات من العصور الوسطى إلى العصر الحديث خلال أقل من قرن. فالبريطاني الذي وُلد في العام 1830 في عالم من الشموع والعربات التي تجرها الخيول والسفن الخشبية، تمكن بحلول شيخوخته من ركوب القطار وإرسال برقية تليغراف والسير في شوارع مضاءة بالمصابيح الكهربائية، والتمتع بالسلع المصنعة وشبكات المياه والصرف داخل المنازل. وفي غضون حياة واحدة تضاعف استهلاك الفرد للطاقة من خمسة إلى 10 أضعاف. وأنتج هذا التحول أولى القوى الصاعدة الحديثة. ونما دخل الفرد خلال القرن التاسع عشر بمعدل يفوق 30 ضعف وتيرته خلال عصر ما قبل الصناعة. وتركزت المكاسب بين عدد قليل من الدول، مما خلق تباينات هائلة في القوة. قفزت حصة المملكة المتحدة والولايات المتحدة والولايات الألمانية من الإنتاج الصناعي العالمي من أقل من 10 في المائة خلال العام 1800 إلى أكثر من النصف بحلول العام 1900 بينما تضاعف دخل الفرد فيها ثلاث مرات تقريباً. وفي المقابل انخفضت حصة الصين والهند من أكثر من نصف الإنتاج العالمي إلى أقل من 10 في المائة. وظلت إمبراطوريات هابسبورغ والعثمانيين والروس زراعية إلى حد كبير، وطغت الواردات على صناعاتها. وبحلول العام 1900 كان سكان الدول الصناعية الرائدة يكسبون ما بين ثمانية إلى 10 أضعاف ما يكسبه الفرد في الصين أو الهند، وعدة أضعاف ما يكسبه الفرد في روسيا والإمبراطوريتين الهابسبورغية والعثمانية. وما كان في السابق تكافؤاً تقريبياً أصبح ما يسمى بالتباعد الكبير بين الغرب وبقية العالم.
أطلقت مكاسب الإنتاجية وتحسنها طفرة في عدد السكان. كانت المجتمعات ما قبل الصناعة بالكاد تنمو، إذ كان عدد السكان يتضاعف مرة واحدة فقط كل 1000 عام. لكن الثورة الصناعية حطمت هذا السقف. خلال القرن 19 نما عدد سكان العالم أسرع بعشر مرات تقريباً مما كان عليه في المتوسط من العام الأول الميلادي إلى العام 1750. وأدت الزراعة الميكانيكية والصرف الصحي والكهرباء والتبريد والأدوية الجديدة إلى رفع متوسط العمر المتوقع العالمي بأكثر من 60 في المائة بين العامين 1770 و1950، مما سمح بتضاعف عدد السكان كل جيل أو جيلين. وقادت ألمانيا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة هذه الطفرة، تلتها اليابان وروسيا، بينما تخلفت الصين والهند والإمبراطوريتان الهابسبورغية والعثمانية. وبحلول الحرب العالمية الأولى أصبحت الجيوش التي كانت ذات مرة تعد بعشرات الآلاف قادرة على حشد الملايين.
شكلت القوة البشرية ركيزة الجيوش الصناعية، وهي العنصر الثالث في بناء القوى الصاعدة. كانت الحروب في عصر ما قبل الثورة الصناعية وحشية، وإنما محدودة. وكانت الجيوش صغيرة الحجم في الغالب، وتتحرك خلال مواسم معينة، وتعتمد على موارد الأرض التي تسير فيها، ولا تتحرك إلا بالسرعة التي تسمح بها الخيول أو السفن الشراعية. ومع الأسلحة البدائية واللوجستيات الضعيفة كانت الحروب متكررة ولكنها غير حاسمة، وغالباً ما كانت تستمر لعقود. لكن الصناعة قلبت هذا العالم رأساً على عقب، وجعلت السكك الحديد والبواخر والبرقيات التعبئة الجماعية ممكنة، فيما ضاعفت البنادق والمدافع الرشاشة والمدفعية الثقيلة القدرة على القتل. وبحلول أوائل القرن العشرين سيطرت الإمبراطوريات الصناعية على أربعة أخماس الكوكب، وحولت الخريطة إلى فسيفساء من مناطق النفوذ المتداخلة والمتفرقة التي تهيمن عليها حفنة من القوى الصاعدة.
أدخلت هذه التحولات الاقتصادية والديموغرافية والعسكرية معًا كل منطقة إلى إحدى ساحات التنافس والتفاعل. ازدادت قيمة التجارة العالمية 10 أضعاف بين العامين 1850 و1913. وحتى الإمبراطوريات التي كانت معزولة لفترة طويلة مثل اليابان في عهد توكوغاوا والصين في عهد تشينغ، أجبرت على الدخول في المعمعة، وللمرة الأولى واجهت الدول خياراً صارماً، إما التصنيع أو الخضوع للهيمنة. ومن هذا السباق المحموم برزت قائمة صغيرة من القوى العظمى التي صعدت إلى مراتب العظمة بطرقها الخاصة. وكان أحد هذه المسارات هو التوحيد الوطني، خيث قامت أول منطقة صناعية في أرض مجزأة بغزو بقية الأقاليم. قامت بروسيا بصهر ألمانيا في كيان واحد، فيما بنت عشيرتا ساتسوما وتشوشو اليابان الحديثة. وقاد إقليم بيمونت توحيد إيطاليا. وسحق الشمال الصناعي في الولايات المتحدة أمم السكان الأصليين ثم هزم الجنوب الانفصالي القائم على العبودية وتوسع غرباً. وثمة مسار آخر نحو القوة هو الشمولية، إذ سعت الإمبراطوريات السابقة إلى التصنيع السريع تحت حكم ديكتاتوريين لا يرحمون، مثل الاتحاد السوفياتي في عهد جوزيف ستالين، وألمانيا في عهد أدولف هتلر، والصين في عهد ماو تسي تونغ، وبكلفة بشرية هائلة.
أما المسار الثالث فكان التحول إلى دولة تحت حماية قوة عظمى. بعد أن شاهدت الصين ألمانيا واليابان ما بعد الحرب تعيدان بناء نفسيهما تحت حماية الولايات المتحدة، مالت نحو واشنطن بدءاً من سبعينيات القرن العشرين لتستدر منها رأس المال والمعرفة قبل أن تنفصل عنها خلال هذا القرن لتسعى نحو الهيمنة. كانت هذه هي أبواب الانضمام إلى نادي القوى الصاعدة، وقد فُتحت جميعها في ظل الظروف التكنولوجية والديموغرافية والعسكرية الاستثنائية التي ميزت العصر الصناعي.
من الرياح المواتية إلى الرياح المعاكسة
لكنّ تلك الأبواب تنغلق الآن. فالإنتاجية تتباطأ وأعداد السكان تتقلص والغزو يزداد صعوبة. ولم تعد تقنيات اليوم، على الرغم من روعتها، تُحدث تحولاً جذرياً في نمط الحياة مثلما فعلت الثورة الصناعية. سوف تبدو شقة أميركية من أربعينيات القرن العشرين فيها ثلاجة وموقد غاز وإنارة كهربائية وهاتف مألوفة اليوم. وعلى النقيض من ذلك سيبدو منزل من سبعينيات القرن 19 مع مرحاض خارجي وبئر ماء ومدفأة للطهي والتدفئة، وكأنه بدائي جداً.
كانت القفزة من العام 1870 إلى العام 1940 ثورية. أما الخطوات التي تبعتها منذ ذلك الحين فكانت أقل تأثيراً بكثير. توقف تطور سرعات النقل عند حد معين. ولم يفصل بين أول رحلة طيران للأخوين رايت في العام 1903 والهبوط على القمر سوى 66 عاماً. ومع ذلك، بعد نصف قرن، ما تزال السيارات والطائرات تتحرك بسرعات القرن العشرين. وأظهر قطاع الطاقة جموداً مماثلاً، وما يزال الوقود الأحفوري يوفر أكثر من 80 في المائة من الإمداد العالمي، وهو رقم لم يتغير تقريباً منذ سبعينيات القرن الماضي على الرغم من استثمار تريليونات الدولارات في مصادر الطاقة المتجددة.
كما توقف متوسط العمر المتوقع عن الارتفاع، حيث تباطأت زيادات متوسط العمر في الاقتصادات المتقدمة -بل وتراجعت أحياناً. وارتفع عدد العلماء بأكثر من 40 ضعفاً منذ ثلاثينيات القرن العشرين، لكنّ إنتاجية البحث انخفضت بالقدر نفسه تقريباً وصارت تتراجع الآن إلى النصف كل 13 عاماً. وتضاعف الإنفاق على البحث والتطوير كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي منذ العام 1980، لكن كلًا من نمو الإنتاجية وتأسيس الشركات الناشئة انخفض إلى النصف في الاقتصادات المتقدمة. وحتى الثورة الرقمية أثبتت أنها عابرة. فبعد قفزة وجيزة خلال أواخر تسعينيات القرن الماضي هبط نمو الإنتاجية إلى أدنى مستوياته التاريخية.
تزعم بعض التوقعات أن الذكاء الاصطناعي سيعزز الإنتاج العالمي بنسبة 30 في المائة سنوياً، لكن معظم الاقتصاديين يتوقعون أنه سيضيف نحو نقطة مئوية واحدة فقط إلى النمو السنوي. ويتفوق الذكاء الاصطناعي في المهمات الرقمية، لكن أشد عوائق العمل تكمن في المجالات المادية والاجتماعية. المستشفيات تحتاج إلى ممرضين أكثر مما تحتاج إلى أجهزة مسح أسرع. وتحتاج المطاعم إلى الطهاة أكثر من أجهزة طلب الطعام الإلكترونية. ويجب على المحامين إقناع القضاة وليس الاكتفاء بتحليل المرافعات. وما تزال الروبوتات غير فعالة في بيئات العالم الحقيقي. ولأن التعلم الآلي قائم على الاحتمالات، فإن الأخطاء لا مفر منها، ولذلك يجب أن يبقى البشر في كثير من الأحيان جزءاً من العملية.
في تعبير واضح عن هذه القيود أفادت نحو 80 في المائة من الشركات التي تستخدم الذكاء الاصطناعي التوليدي أنه لم يكن له أي تأثير جوهري في أرباحها، وفقاً لمسح عالمي أجرته شركة "ماكينزي" حول الذكاء الاصطناعي. وحتى لو استمر الذكاء الاصطناعي في التقدم، فإن تحقيق مكاسب إنتاجية كبيرة قد يستغرق عقوداً لأن الاقتصادات تحتاج إلى إعادة تنظيم كاملة حول الأدوات الجديدة. ولا يخفف هذا كثيراً من معاناة الاقتصادات المتعثرة اليوم؛ فقد تباطأ النمو العالمي من أربعة في المائة في بدايات القرن الحادي والعشرين إلى نحو ثلاثة في المائة اليوم، وإلى نحو واحد في المائة فقط داخل الاقتصادات المتقدمة. أما نمو الإنتاجية الذي كان يراوح ما بين ثلاثة وأربعة في المائة سنوياً خلال الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين، فقد انخفض إلى ما يقارب الصفر. وفي الوقت نفسه تضخم الدين العالمي من 200 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي قبل 15 عاماً إلى 250 في المائة اليوم، متجاوزاً 300 في المائة في بعض الاقتصادات المتقدمة.
ولا يبدو المستقبل الديموغرافي أكثر إشراقاً. اليوم يعيش نحو ثلثي سكان العالم داخل بلدان تقل فيها معدلات الولادة عن مستوى الإحلال. ومعظم الدول الصناعية هي حرفياً قوى تحتضر، ويفقد البعض منها سنوياً مئات الآلاف من سكانه ويفقد البعض الآخر الملايين، والأسواق الناشئة ليست بعيدة منها.
وحدها أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى ما تزال تتمتع بمعدلات خصوبة عالية، لكنها أيضاً آخذة في الانخفاض. وتشير التقديرات الأخيرة إلى أن عدد سكان العالم سيبدأ في الانخفاض خلال خمسينيات هذا القرن. وستكون الآثار المترتبة على القوة الوطنية صارخة. فمع تقلص القوى العاملة وتزايد أعداد المتقاعدين يتوقع أن ينخفض النمو ضمن الاقتصادات الكبرى بنسبة 15 في المائة على الأقل خلال الخمسة والعشرين عاماً المقبلة. وبالنسبة للبعض سيكون الانخفاض أسوأ بمرات عدة. ومن أجل تعويض تلك الخسارة، سيكون مطلوباً تحقيق مكاسب إنتاجية تراوح ما بين اثنين وخمسة في المائة سنوياً -وهي الوتيرة السريعة التي سادت خلال خمسينيات القرن العشرين- أو ساعات عمل أطول، وكلاهما غير واقعي في ظل تباطؤ الابتكار والتقاعد الجماعي.
يغلق الانحدار الديموغرافي الباب أيضاً أمام أي انتعاش سريع. في العصر الصناعي، حتى البلدان التي دمرتها الحرب كان بإمكانها النهوض بسرعة. في السابق، عادت ألمانيا بعد الحرب العالمية الأولى، والاتحاد السوفياتي واليابان بعد الحرب العالمية الثانية، والصين بعد "قرن الإذلال"، جميعها لتكون أكبر وأقوى في غضون جيل واحد. أما اليوم، ومع تقلص السكان، فإن القوة المفقودة قد لا تعود على الإطلاق.
مع عدم وجود نمو اقتصادي أو نهضة ديموغرافية يمكن الاعتماد عليهما، قد يبدو الغزو هو المسار الأخير للقوة الصاعدة. ومع ذلك، فإن هذا الطريق أيضاً يضيق. فقد سهل انتشار التقنيات الصناعية مثل السكك الحديد والتليغراف والكهرباء بناء الدول وإنهاء الاستعمار، مما ضاعف عدد الدول القومية في العالم أربع مرات منذ العام 1900. ومنذ ذلك الحين، غرقت أكثر من 160 حالة احتلال في مستنقعات التمرد، حيث حولت البنادق الرخيصة وقذائف الهاون وقاذفات الصواريخ القرى إلى ساحات قتل، ورفعت الأسلحة النووية أخطار الغزو إلى مستويات وجودية، فيما سمحت الذخائر الموجهة والطائرات المسيّرة حتى للميليشيات غير النظامية مثل الحوثيين بشل حركة السفن والدبابات. وفي الوقت نفسه تقلصت غنائم الغزو. فبعدما كانت الأراضي والمعادن مصدر ثراء للإمبراطوريات في الماضي، أصبحت اليوم نسبة 90 في المائة تقريباً من أصول الشركات في الدول المتقدمة أصولاً غير ملموسة -أي برمجيات وبراءات اختراع وعلامات تجارية لا يمكن نهبها.
أما بالنسبة إلى القوى الطموحة في العالم النامي فإن الصعود أصبح أكثر صعوبة، حيث تهيمن الشركات متعددة الجنسيات من الدول الغنية على رأس المال والتكنولوجيا، فيما أصبح الإنتاج العالمي مجزأً ومركباً من وحدات متخصصة، مما جعل الدول المتأخرة في التصنيع عالقة في أدوار هامشية ومنخفضة القيمة تقتصر على تجميع السلع أو تصدير المواد الخام من دون فرصة لبناء شركات قادرة على المنافسة عالمياً. وتضاءلت المساعدات الخارجية وتقلصت أسواق التصدير وانتشرت النزعات الحمائية، مما أغلق طريق النمو القائم على التصدير الذي سلكته الدول الصاعدة في الماضي. وتباطأت وتيرة التغيرات التاريخية بصورة كبيرة. ومع بعض الاستثناءات القليلة، فإن الدول التي كانت غنية وقوية في العام 1980 ما تزال كذلك اليوم، في حين بقيت معظم الدول الفقيرة على فقرها. وقد ظهرت خلال الفترة ما بين العامين 1850 و1949 خمس قوى عظمى جديدة على المسرح العالمي. ولكن، لمت تظهر خلال الأعوام الـ75 التالية سوى الصين، وقد تكون الأخيرة.
احذروا الفجوة
باعتبارها القوة المهيمنة في العالم، تحدد الولايات المتحدة الوتيرة التي يصعد أو يهبط وفقها الآخرون. في بداية القرن الحادي والعشرين كانت تلك الوتيرة كارثية. وقد تعرضت البلاد خلال العام 2001 لأعنف هجوم على أراضيها. وعلى مدى العقد التالي خاضت اثنتين من أطول ثلاث حروب في تاريخها بكلفة بلغت مئات آلاف الأرواح، بما في ذلك آلاف الأميركيين، وأنفقت خلالهما 8 تريليونات دولار من دون تحقيق النصر. وفي العام 2008 شهدت أسوأ انهيار مالي منذ الكساد الكبير.
وفي الوقت نفسه قلصت اقتصادات أخرى الفجوة. من العام 2000 إلى العام 2010 قفز الناتج المحلي الإجمالي للصين محسوباً بالدولار (وهو أوضح مؤشر إلى القوة الشرائية للدولة في الأسواق الدولية) من 12 في المائة إلى 41 في المائة من الناتج الأميركي. وتضاعفت حصة روسيا أربع مرات، وحصة البرازيل والهند أكثر من مرتين. وحققت الاقتصادات الأوروبية الكبرى مكاسب ملموسة. وبالنسبة لعدد من المراقبين، أنذرت هذه التحولات بانتقال هائل في موازين القوى، وهو ما أطلق عليه الكاتب فريد زكريا تسميته الشهيرة "صعود البقية"، مشيراً إلى ما يزعم أنه "عالم ما بعد أميركا".
لكنّ الوضع سرعان ما تغير. خلال العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين تراجعت معظم الاقتصادات الكبرى وانخفضت حصة البرازيل واليابان من الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة إلى النصف تقريباً. وفقدت كندا وفرنسا وإيطاليا وروسيا نحو ثلث وزنها الاقتصادي النسبي، بينما انخفضت حصة ألمانيا والمملكة المتحدة بنحو الربع. ووحدهما الصين والهند واصلتا الصعود. وكانت أعوام العشرينيات من القرن الحالي حتى أشد قسوة، حيث كانت الهند هي الاقتصاد الكبير الوحيد الذي ما يزال يحافظ على وتيرة نموه مقارنة بالولايات المتحدة. ومن العام 2020 إلى العام 2024 انخفض الناتج المحلي الإجمالي للصين من 70 إلى 64 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة. وانخفض الناتج المحلي الإجمالي لليابان من 22 إلى 14 في المائة. وتراجعت اقتصادات ألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة بصورة أكبر، بينما بدأ الاقتصاد الروسي يعاني من التعثر بعد انتعاش وجيز بفعل الحرب.
كما انكمشت الاقتصادات المجمعة لدول أفريقيا وأميركا اللاتينية والشرق الأوسط وجنوب آسيا وجنوب شرقي آسيا من 90 في المائة مقارنة بالناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة قبل عقد من الزمن إلى 70 في المائة فقط خلال العام 2023. وهكذا، فإن "صعود البقية" لم يتباطأ وحسب، بل بدأ يعكس مساره.
ومن غير المرجح حدوث انتعاش. كان الصعود الظاهري للقوى الجديدة خلال الأعوام الأولى من القرن الحادي والعشرين مضللاً دائماً لأن الناتج المحلي الإجمالي هو مقياس سطحي وغير دقيق للقوة. وما يهم حقاً هو ركائز الاقتصاد المتين؛ أي الإنتاجية والابتكار وأسواق المستهلكين والطاقة والتمويل والاستقرار المالي. وفي هذه المجالات يتعثر معظم المنافسين. فعلى مدى العقد الماضي لم تحقق سوى الهند والولايات المتحدة مكاسب في الإنتاجية الكلية لعوامل الإنتاج التي تقيس مدى كفاءة الدولة في تحويل العمالة ورأس المال والمدخلات الأخرى إلى ناتج اقتصادي. أما اليابان فظلت راكدة، بينما تراجعت دول أخرى. وعلى الرغم من إضافتها مزيداً من المدخلات، فإنها حققت نمواً أقل.
في الصناعات المتقدمة تبدو الفجوة أوسع، حيث تستحوذ الشركات الأميركية على أكثر من نصف أرباح التكنولوجيا العالمية الفائقة، بينما لا تكاد الصين تحظى سوى بستة في المائة. وتتجاوز مزايا الولايات المتحدة ذلك، حيث أصبحت سوقها الاستهلاكية الآن أكبر من السوق الصينية وسوق منطقة اليورو مجتمعتين. وهي ثاني أكبر دولة تجارية في العالم، لكنها من بين الأقل اعتماداً على التجارة، حيث لا تشكل فصادراتها سوى 11 في المائة من ناتجها المحلي، ويذهب ثلثها إلى كندا والمكسيك مقارنة بـ20 في المائة داخل الصين و30 في المائة عالمياً. وفي مجال الطاقة تحولت من مستورد صاف إلى أكبر منتج، مستفيدة من أسعار أقل بكثير من تلك التي لدى منافسيها. وما يزال الدولار يهيمن على الاحتياطات والخدمات المصرفية وصرف العملات الأجنبية. ويظل إجمالي الدين العام والخاص في الولايات المتحدة ضخمًا، حيث يبلغ نحو 250 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي خلال العام 2024، ومن المرجح أن يرتفع مع الخفوض الضريبية الموسعة التي أقرها الكونغرس خلال تموز (يوليو) الماضي. ومع ذلك، يبقى أقل من نظرائه في الدول الأخرى. ففي اليابان يتجاوز 380 في المائة. وفي فرنسا 320 في المائة. وفي الصين يتجاوز 300 في المائة عند احتساب التزامات الحكومات المحلية والشركات المخفية. وعلاوة على ذلك، خلال الفترة من العام 2015 إلى العام 2025، انخفض الدَّين في الولايات المتحدة بصورة طفيفة بينما ارتفع بنحو 60 نقطة مئوية في الصين، وأكثر من 25 نقطة مئوية في اليابان والبرازيل، وما يقارب 20 نقطة في فرنسا.
وسوف تثقل الديموغرافيا كاهل منافسي الولايات المتحدة أكثر فأكثر. فخلال الأعوام الـ25 المقبلة، سيزداد عدد البالغين في سن العمل في الولايات المتحدة بنحو 8 ملايين شخص (أي زيادة بنسبة 3.7 في المائة)، بينما ستفقد الصين نحو 240 مليوناً (انخفاض بنسبة 24.5 في المائة)، أي أكثر من إجمال القوى العاملة في الاتحاد الأوروبي. وستفقد اليابان نحو 18 مليون عامل (25.5 في المائة من قوتها العاملة). وستفقد روسيا أكثر من 11 مليوناً (12.2 في المائة). وإيطاليا نحو 10 ملايين (27.5 في المائة). والبرازيل 10 ملايين (7.1 في المائة). وألمانيا أكثر من 8 ملايين (15.6 في المائة). وسوف تفاقم شيخوخة السكان حدة المشكلة. في الفترة نفسها ستضيف الولايات المتحدة نحو 24 مليون متقاعد (زيادة بنسبة 37.8 في المائة). لكن الصين ستضيف أكثر من 178 مليوناً (زيادة بنسبة 84.5 في المائة). أما اليابان التي تعاني أصلاً من ارتفاع نسبة المسنين، فستضيف 2.5 مليون متقاعد (زيادة بنسبة 6.7 في المائة). وستضيف ألمانيا 3.8 مليون (زيادة بنسبة 19 في المائة). وإيطاليا 4.3 مليون (زيادة بنسبة 29 في المائة). وروسيا 6.8 مليون (زيادة بنسبة 27 في المائة). والبرازيل 24.5 مليون (زيادة هائلة قدرها 100 في المائة).
على مدى قرنين من الزمان، كانت القوى الصاعدة تستمد زخمها من تضخم أعداد الشباب. أما اليوم فتفقد الاقتصادات الكبرى عمالها بينما تتزايد أعداد المتقاعدين -وهي ضربة مزدوجة لم يواجهها أي منافس من قبل.
باستثناء الولايات المتحدة، لا يبدو أن أي دولة سوى الهند -وهي الدولة الأكثر سكاناً في العالم التي يُتوقع أن تنمو قوتها العاملة حتى أربعينيات القرن الحالي- تتمتع بحماية جزئية من التدهور الديموغرافي، مما يغذي آمالها في أن تكون القوة الصاعدة التالية. لكن الهند تعاني نقصاً حاداً في العمالة الماهرة. وبداية من العام 2020، لم يلتحق ما يقارب ربع البالغين في سن العمل بالمدارس على الإطلاق. ومن بين الذين تلقوا تعليماً، يفتقر أربعة من بين كل خمسة منهم إلى المهارات الأساسية في الرياضيات والعلوم. وفي المجمل يفتقر ما يقارب 90 في المائة من الشباب إلى مهارات القراءة والكتابة والحساب الأساسية. وتتفاقم المشكلة بفعل هجرة الأدمغة، حيث تُرسل الهند عدداً من المهاجرين المهرة إلى الاقتصادات المتقدمة يفوق العدد الذي ترسله أي دولة أخرى. ووجدت دراسة تتبعت طلاب دفعة العام 2010 من المتقدمين لاختبار القبول في كلية الهندسة [امتحان القبول المشترك]، وهو البوابة إلى أرقى مؤسسات التكنولوجيا، أنه في غضون ثمانية أعوام انتقل أكثر من ثلث أفضل 1.000 متقدم إلى الخارج، بمن فيهم أكثر من 60 في المائة من أفضل 100 متقدم.
ويفاقم الاقتصاد الهندي نقاط الضعف هذه. ما تزال العمالة والصناعة تعانيان قيوداً كبيرة، حيث يعمل أكثر من 80 في المائة من العمال في القطاع غير الرسمي الذي لا يخضع للضرائب. وانكمش ما يقارب نصف القطاعات الصناعية منذ العام 2015. كما أن البنية التحتية والتجارة محدودتان. ولا يتعامل أكثر موانئ الهند ازدحاماً إلا مع سُبع حجم شحنات أكبر موانئ الصين. ويجب أن يمر ربع تجارة البلاد مع أوروبا وشرق آسيا عبر مرافئ أجنبية، مما يضيف ثلاثة أيام وقرابة 200 دولار إلى كلفة كل حاوية.
وأخيراً، فإن قطاع الخدمات الذي يُشاد به ضيق النطاق، حيث يتركز نموه في شركات تكنولوجيا المعلومات التي لا يمكنها استيعاب قوة عاملة ضخمة، مما يترك نحو 40 في المائة من خريجي الجامعات في العقد الثاني من عمرهم بلا عمل. وستظل الهند دولة ذات أهمية، فسوقها واسعة وجيشها قوي مقارنة بجيرانها في المنطقة، وجاليتها مؤثرة، لكنها تفتقر إلى الأسس اللازمة للصعود كقوة عظمى حقيقية.
*مايكل بيكلي: أستاذ مساعد في العلوم السياسية بجامعة تافتس، وزميل غير مقيم في "معهد المشروع الأميركي" ومدير برنامج آسيا في "معهد السياسة الخارجية". المقال مترجم عن مجلة "فورين أفيرز"، حيث نشر في تشرين الثاني (نوفمبر) - كانون الأول (ديسمبر) 2025.
هامش:
(1) توماس روبرت مالتوس هو عالم إنجليزي بيئي وسكاني حذر من زيادة عدد سكان الأرض بوتيرة تفوق قدرة الكوكب على توفير الموارد اللازمة لرعايتهم، مما قد يؤدي إلى انتشار الفقر والمجاعات إذا لم يتم اتخاذ تدابير تحدّ من النمو السكاني أو تزيد من الإنتاج.