عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    08-May-2020

الفُوتوغراف المِجهري وتَصوير «الجَمَال القاتِم» للفايروسات

 

محمد حنون
 
الدستور- مع ما يَمُرُّ بهِ العالم من تحدٍ في جائحة انتشار عَدوى فايروس كورونا-19، يقفُ العُلماء والأطباء والباحثون من كِلا الجِنسين، في مُقدمة المُواجهة مع هذا الفايروس. أسلحتهم هي المَعرفة والعُلوم الطبية البحثية، وأدواتها العِلمية التي تطورت عَبر مئات السِنين، مُنتقلة من حضارةٍ إلى أخرى. وإحدى أهم هذه الأدوات هي اختراع المِجهر المُكَبِّر (المايكروسكوب - المِقراب)، بدءا من شكله البدائي الشمسي، وُصولاً إلى شكله الحالي الرَقمي والمُعقد تقنيا؛ ما جَعله من أهم أدوات عِلم الأحياء الدقيقة. ولا شك بِأنَّ العُلوم المِجهرية قد قفزت قفزة نوعية، مُنذ أن تمكن العِلم من إدخال خاصية حِفظ صور الأحياء والباكتيريا والفايروسات فوتوغرافياً، ما يعني معرفة خصائص هذه الكائنات، بدقة أكبر وبشكلٍ أكثر فاعلية، لدراستها وتوثيقها.
 
على الرُغم من أن أول صورة فوتوغرافية ناجحة، قد تمَّ تَثبيتها لتكون ماثلة للعين، على لوحٍ معدني مصقول بنترات الفِضَّة، قد قُدِّمت إلى العالم على يَدِ العالِم الكيميائي والفوتوغرافي الفَرنسي نيبس في العام 1826، إلا أنَّه ثَمَّة أطروحة نَظرية في هذا الاتجاه، قد سبقت نجاح نيبس بسنوات طويلة، وكانت الأطروحة مقدمة في حقل علوم الأَحياء الدقيقة والبحوث المِجهرية. هذه الأطروحة تقدم بوضوح فهم الطبيعة الكيميائية لـ»نترات الفضة»، وحساسيتها للضوء، وإمكانية توظيفها في مجال حفظ صورة البكتيريا والأحياء الدقيقة، التي تُرى من خِلالِ المِجهر (المايكروسكوب).
 
كان المُعتمد هو رَسم ما يَراه العالِم أو العالِمة عبر المِجهر بالقلم والورق، وهو ما يعني مَحدودية التفاصيل للخصائص الدقيقة، مهما بلغت مهارات الرسم.، فثمة تفاصيل قد تَغفلها العين، بالإضافة لمحدودية القُدرة على مُشاركة الرسم مع عُلماء آخرين من حيث سُرعة النَسخ والتوزيع، وكذلك الدقَّة في نسخٍ مُطابق للأصل. في العام 1802، قام المُخترع الإنجليزي توماس ويدجوود، وللمرة الأولى في تاريخ العُلوم المجهرية، ومُنذ اختراع المجهر الشَّمسي في العام 1590، بتقديم أطروحة لاستخدام نترات الفضة بعد وضعها على ورقة بيضاء أو قطعة جلد بيضاء، وتعريضها للصورة التي تمر من خلال زُجاج المِجهر أسفل العدسات المُكَبِّرَة؛ في سبيل حفظ صورة لأجزاء مُكبرة للنباتات والحَشرات، والأحياء الدقيقة والبِكتيريا، لتمكن العُلماء من الاستمرار في دراسة الأحياء ودون الحاجة للنظر في المِجهر طوال الوقت.
 
وَضَعَ ويدجوود فِكرتهِ هذه في أطروحةٍ عِلمية، صدَرت في نَشرةِ المُؤسسة العِلمية المَلكية في لندن من العام 1802، بعنوان:
 
An Account of a method of copying Paintings upon Glass, and of making
 
Profiles, by the agency of Light upon Nitrate of Silver
 
ضَمَّن ويدجوود في هذه الأطروحة، تَفاصيل مُدهشة ومُبكرة لمراحل التصوير الضوئي وتَظهير الصور في الغُرفة المُعتمة، حيث ضمَّن فيها خصائص نيترات الفِضَّة وتأثرها بالضوء. وعلى الرُغم من كل هذا، لا يُوجد دليل عِلمي مُوثق، على أنَّ ويدجوود قد تَمكن فِعليا من تطبيق ذلك عبر المايكروسكوب، أو إنتاج صورة فوتوغرافية ضمن الخطوات والمراحل العلمية التي قدَّمها، على الرُغم من صِحَّتها. لكن ذلك لم يَمنَع من أن يَعتبره الكثيرون بِأنَّه « الفوتوغرافي الأول» ورائد التصوير الفوتوغرافي من ناحية عِلمية كيميائية ونَظرية، وليس الفرنسي نِيبس.
 
حتى أن كِتاباً صَدرَ بهذا الشأن في لندن، للكاتب الإنجليزي آر. بي. ليتشفيلد، تحت عنوان « توم ويدجوود الفوتوغرافي الأول» في العام 1903، مُسلطا الضوء على الأطروحة العلمية التي قُدِّمت أمام المؤسسة العلمية الملكية البريطانية، وذلك لإنصاف ويدجوود، الذي غَيبته النشرات العِلمية الفرنسية، مُنذُ المُنجز الفوتوغرافي الفرنسي لنيسيفور نيبس في العام 1826، وحتى اختراع لويس داجير، والذي كان مُساعداً لنيبس، للطريقة الفوتوغرافية الجديدة (داجيروتايب) في العام 1837. كان ذلك التغييب مَدفوعاً بالمنافسات العلمية والتجارية بين البلدين، وكذلك لأسباب وروافع سياسية، حيث إن «معركة واترلو» بين بريطانيا وفرنسا، كانت لا تزال حديثة العهد، ولا تزال آثارها باقية بين البلدين.
 
تَمَكَّنتُ في بَحثي المُتواصل في تاريخ الفوتوغراف، من الحصول على نُسخة أصلية من كِتاب الإصدار الأول للنشرة العلمية للمؤسسة الملكية البريطانية، والتي نُشرت فيها أطروحة ويدجوود العلمية، وهي تُعتبر أول نشرة علمية في التاريخ لعملية التصوير الفوتوغرافي ولاستخدام نيترات الفِضة في سياقِ توثيق صورة من الواقع، حتى وإن كانت من خلال عدسات المِجهر وليس من خلال عدسة الكاميرا، والتي لم تَكُن قَد اخترعت بَعد. كان هذا الكتاب قد حصلت عليه تاليا، مُتقصيا إياه بعد حصولي على نسخة أصلية من الطبعة الأولى لِكتاب آر. بي. ليتشفيلد، حيث قرأت وللمرة الأولى بعض التفاصيل عن أطروحة ويدجوود الفوتوغرافية الريادية. الكتابان نادران جداً، والنُسخ الأصلية من هذان الكتابان، متوفران فقط في مجموعات الكُتب النادرة، عن تاريخ التصوير الفوتوغرافي، في مكتبات الجامعات والمؤسسات الفوتوغرافية، الأوروبية والأمريكية العريقة، والتي يُحتفظ بها عادة في خزائن مُغلقة وغير مُتاحة للعامة، إلا بصيغتها الرقمية.
 
مُنذ أطروحة ويدجوود، والبَحث عَن حُلول لتطبيق هذا التَوجه في حقل علوم الأحياء الدقيقة لَم تتوقف، حتى تمكن من ذلك، ولأول مرة في التاريخ، العالِم والمُخترع والفوتوغرافي الإنجليزي هنري تالبوت، وكان ذلك في العام 1839. حيث تمكن تالبوت من تصوير جِذع نبتة صغيرة بقوة عِشرين ضِعف الحجم الأصلي «20x». كان ذَلك التَكبير إنجازا عِلميا فوتوغرافياً عظيما، فَتَح الآفاق للعلوم المجهرية وأبحاثها في تكبير أجزاء من الحيوانات والنباتات، ورؤية الأحياء الدقيقة والباكتيريا والفايروسات. وقد كان لويدجوود وتوجهه العِلمي لتطوير أداء المِجهر وإيجاد وسيلة لحفظ ما يُرى عبر عدساته فوتوغرافيا، قد تركَ أثراً في التوجهات العِلمية البَحثية لابن شقيقته، وهو الذي أصبح لاحقا من أعظم عُلماء الأحياء والطبيعة في العالم، وهو صاحب نظرية الانتخاب الطبيعي وأصل الأنواع، العالِم الإنجليزي «تشارلز داروين».
 
توالت مُذاك الصور المايكروغرافية لأجزاء الأحياء، وأعضاء الحشرات، وتفاصيل النباتات، وقد تطورت مُنذ الصورة الأولى لتالبوت، لتصبح أكثر دقة وقُرباً، ولكن تقنية الفوتومايكرغرافي لم تتوقف عند هذا الحد.
 
في العام 1877، تمكن عالِم البكتيريا والأوبئة ومؤسس علم الجراثيم، الألماني روبرت كوخ، من التقاط أول صورة مايكروغرافية للبكتيريا، وكانت هذه الصورة هي صورة اكتشاف وإثبات لوجود البكتيريا العصوية الجمرية، والمسببة لمرض الجمرة الخبيثة « الأنثراكس»، والتي كانت تجتاح مواشي أوروبا وتنتقل إلى الإنسان. ساعد التصوير المايكروغرافي، العالِم كُوخ بالنهوض بهذا العِلم، وبالبُحوث المِجهرية. أصبحت هذه التقنية الفوتوغرافية ورَبطها بعلوم المجهر، إحدى أهم ركائز تطور دراسة البكتيريا والجَراثيم والكَشف عنها؛ ما ساعد كُوخ في اكتشاف البكتيريا المُسببة لِمَرض السُل في العام 1882، والتي سُميت بـ «عُصيات كوخ»، وهو الاكتشاف الذي وثقهُ بالصورة، ما سهل دراسة خصائص هذه البِكتيريا وبُنيتها العُضوية بشكل مُكثف، وبسبب هذا الاكتشاف، حَصَلَ كوخ على جائزة نوبل في الطِب.
 
أخذت البحوث الطِبِّية المجهرية بتطوير قُدرات الفوتومايكروغرافي تِباعاً، بعد أن أثبت التصوير الفوتوغرافي للأحياء والبكتيريا أهميته، وبعد أن صارَ جُزءا لا يتجزأ من علوم المِجهر وآليات دراسة الأحياء وإثبات خصائصها. ففي العام 1892 أُكتشف أول فايروس في العالم، حين تَمكن العالِم الروسي ديميتري آيفانوفيسكي من إثبات وُجود كائن دقيق، يُصيب الكثير من أنواع المحاصيل النباتية بمرضٍ، وخصوصا محاصيل التبغ، ولذلك سُمى بـ»مرض تَبرقش التِبغ». مُتكئاً بداية على طريقة العالِم كوخ في التصوير المايكروغرافي للبكتيريا، ولكنه اكتشف بأنَّه بحاجة لتطوير هذه الطريقة لرؤية وتصوير هذه الكائنات، والتي تبيَّن بأنها أكثر دِقة وأصغر من البكتيريا. فقام العالِم دميتري بتطوير آلية علمية مخبرية جديدة، وتمكن معها من إنتاج صورة لهذه الكائنات، والتي أطلق عليها إسم البكتيريا كذلك. ثم تبين بأنها كائنات دقيقة مُختلفة في طبيعتها الحيوية وأصغر من البكتيريا، ومن سلالة مُختلفة، فأُطلق عليها اسم فايروس في العام 1930.
 
مع تطور آليات التصوير الفوتوغرافي المجهري في منتصف القرن العشرين، وقد أصبح إلكترونيا، تَمَكَّنَتْ العالِمة الأسكتلندية المِخبرية، والمتخصصة الريادية في « تصوير الفايروسات» بالمِجهر الألكتروني، في العام 1964، من اكتشاف وتصوير أول فايروس «كُورونا» في مُختبرها في مَشفى سينت توماس في لندن. وفي العام 1976، قام عالم الفايروسات الأمريكي، والمُتخصص كذلك في تصويرها، فريدريك ميرفي، من التقاط أول صورة فوتوغرافية مِجهرية إلكترونية لفايروس «الإيبولا»، من عَيِّنة أُحضرت للدراسة وللتصوير من زائير. وَصَفَ ميرفي لحظة رؤيته لهذا الفايروس في صورة مايكروغرافية، وللمرة الأولى في التاريخ بـ «الجَمال القَاتِم والمُرعب».
 
لن تكون هذي المَقالة مُكتملة إن لَم أَسْتَحضر تاريخ «نِترات الفِضة» و» علم العَدسات المُكبرة». فبالإضافة لـ»كتاب الخَواص الكبير» للعالم جابر بن حيَّان و»كتاب المناظر» للعالم الحسن بن الهيثم. وهُما الكتابان اللذان تمت تَرجمتهما في وقت مُبكر في الغرب، وتمت دراستهما بشكل مُعمق، ما أثر على العلوم الأوروبية بشكل عميق؛ فإن العَديد من المَراجع العِلمية التاريخية الغَربية، ومُنذ قُرون النَهضة العِلمية في أوروبا، قد أقرَّت لهذين العالمين العَربيين إرساءهما لقَواعد ومَنهجيات عَملية وعِلمية، للعديد من الاكتشافات والاختراعات التي جاءت لاحقاً، بَعد عَصريهما.
 
حيث أن جابر بن حيان هو أوَّل من استخرج نترات الفضة وشَرَح خواصها واستخداماتها الطبية والكيمائية الكثيرة، وكان قد أطلق عليها اسم «حجر جهنم». ثُمَّ كَتبَ ابن حيان شَرحا وافِياً حول نترات الفضة وتفاعلاتها الكيميائية عند تعرضها للضوء، وتحولها للون القاتِم في الأماكن التي تَعرَّضت فيها لأشعة الضوء. وعلى الرُغم من أن إبن حيَّان لم يَقترح استخدام نيترات الفضة في اتجاه حِفظ الصورة، إلا أنَّه ومن خلال شَرحه الوافي لطبيعة حساسيتها للضوء، يكون قد مَهَّد للعُلماء الطَريق لاستخدام نترات الفِضَّة في حِفظ الصور، وذلك عن طَريق تعريضها للضوء الذي يحمل هذه الصور عبر العدسات الزُجاجية، وهو تماما ما قام بطرحه العالِم البَريطاني توماس ويدجوود.
 
أما فيما يَخُص الكاميرا والعدسات، فإن العالم الغَربي يَدين للعالِم الحَسن ابن الهَيثم ما قدَّمه في هذا المَجال، حيث أنَّه قام بِشرح سلوك الضوء من خلال الثقب الواحد للغرفة المُعتمة، وأوضح في السياق نفسه بأنَّه كُلما ضاقت الفُتحة كُلما أصبحت الصورة أكثر حدة وبأنَّه في حال وَضع عدسة أمام هذه الفُتحة فإن الصورة تُصبح أكثر دقة ووضوحاً، وهو ما شكل حجر الزاوية في اختراع الكاميرا الفوتوغرافية. وما يجدر ذكره في هذا المقام بأن كلمة الكاميرا هي مُشتقة من كلمة «القُمرة» العربية، والتي تعني الحجرة المُعتمة ذات الثقب الواحد. ولكن ابن الهِيثم لم يَذكر كلمة «القُمرة» «في أيٍّ مُن كُتبه التي تناول فيها الحجرة المُعتمة وشرح دخول الضوء وانتقال الصورة رأسا على عقب، من خلال ثقبها الواحد، إلى جدار الحجرة المُعتمة. ولكنه شرح الآلية كاملة علميا وفيزيائيا، مُبيناً سلوك الضوء، ولكن من جاؤوا من بعده من الدارسين العرب، حين أعادوا شرح اكتشافه للقوانين هذه، استخدموا كلمة «القُمرة» لوصف الحجرة المُعتمة، وهو المُسمى الذي انتقل للغرب لاحقاً مع اختراع الكاميرا.
 
كما أن ابن الهَيثم أوَّل من قدم شرحاً وافياً ومُفصلاً وأكثر دِقة، للعدسات وخصائصها المِجهرية والمُكبرة، وقدَّم كذلك شرحا لها وتفاصيل أنواعها، ما بين المُحدبة والمُقعرة والمُقعرة من الجهتين أو المُقعرة من الجهتين، والتَغيُّرات في وظائفها حين تُوضع مُلاصقة لبعضها البَعض، وعن طبيعة الصورة التي تراها العين عند النظر من خلال هذه العدسات، والتغيرات التي تطرأ على أحجام الأشياء التي يُنظر إليها من خلالها. ويكون بذلك قد مَهَّد ابن الهيثم وبشكل جَذري، لاختراع المايكروسكوب ( المِجهر) والتيليسكوب ( المِقراب).
 
*فوتوغرافي وكاتب فلسطيني أردني – تشيلي
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات