عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    24-Jan-2026

مصير سياسة "أميركا أولا": كيف يهدد الهجوم على فنزويلا تعهد ترامب

  الغد

 
ريد سميث* - (إندبندنت عربية) 2026/1/17  
 
حاول ترامب في ولايته الثانية صوغ مقولة "أميركا أولاً" بوصفها سياسة خارجية أكثر انضباطاً تركز على متانة الداخل ونقل الأعباء إلى الحلفاء، وظهر ذلك بوضوح في آسيا عبر دبلوماسية الصفقات مع الصين وإعادة الغموض الاستراتيجي حيال تايوان. لكن الشرق الأوسط وأميركا اللاتينية ظلا أسيرين لنزعة التدخل (من إيران إلى فنزويلا)، بينما تعيق غرائز ترامب وصراعات البيروقراطية وتمرد الكونغرس وضغط الإعلام تحويل هذه الرؤية إلى نهج ثابت ومتسق.
 
 
مر ما يقارب عاماً على تولي الرئيس دونالد ترامب منصبه لولاية ثانية، وتعهد في خطاب تنصيبه قائلاً: "خلال كل يوم من أيام إدارة ترامب، سأضع، بمنتهى البساطة، أميركا أولاً". وبعد وقت قصير من انتخابه، طرحتُ في مجلة "فورين أفيرز" رؤية عن سياسة خارجية قائمة على شعار "أميركا أولاً" تتسم بضبط النفس، وتقر بأن الولايات المتحدة "تعمل في عالم تحكمه القيود".
كان ترامب في موقع فريد يتيح له تنفيذ مثل هذه السياسة، وبدأ بالفعل تطبيقها في بعض الجوانب المهمة. فاستراتيجية الأمن القومي التي أصدرتها الإدارة في كانون الأول (ديسمبر) الماضي، تعيد تعريف الأمن القومي انطلاقاً من سلامة الجمهورية وتماسكها، وتمنح الأولوية لنصف الكرة الغربي ولمناعة المجتمع الأميركي الاقتصادية والأخلاقية بدلاً من ترسيخ الهيمنة الليبرالية. وعلى أرض الواقع في أوروبا، وكذلك بالأخص في آسيا، بدأت بالفعل تتبلور ملامح نهج أكثر انضباطاً، قائماً على المصالح. لكن النزعة التدخلية ما تزال تشكل سياسة الإدارة في الشرق الأوسط وأميركا اللاتينية. والمثال الأوضح على ذلك هو آخر مغامرات إدارة ترامب في السياسة الخارجية، المتمثلة في عملية عسكرية لاعتقال نيكولاس مادورو، رئيس فنزويلا، وربما لإدارة شؤون البلاد.
في الواقع، تقوم شخصية ترامب، المدفوعة بالحدس والقابلة للتأثر بالإطراء، بدور في هذه التحولات السياسية. لكن المنافسة البيروقراطية داخل الإدارة وتعنت الكونغرس والصحافة الأميركية التي ما تزال مولعة بالهيمنة الليبرالية، كلها عوامل تعيق التحول الكامل نحو سياسة ضبط النفس. وما لم تلتزم إدارة ترامب بأهدافها السياسية المعلنة، وتمارس نفوذاً أكبر على قادة الحزب الجمهوري في الكونغرس، وتحسن من تسويق رؤيتها "أميركا أولاً" للرأي العام الأميركي ووسائل الإعلام، فإنها ستخون الوعد الذي قطعه ترامب في خطاب تنصيبه.
القوة من خلال السلام
كان أبرز اختلاف بين إدارة ترامب الأولى وإدارته الثانية هو أفول جيل كامل من أنصار الهيمنة الأميركية المتقدمين في السن. فقد بلغ هذا الجيل ذروة نفوذه في أوج الأحادية القطبية الأميركية، وبقي واثقاً من أن القوة الأميركية لا تضاهى ودائمة وكافية لإعادة تشكيل مجتمعات بعيدة. لكن جيلاً جديداً حل الآن محله -استراتيجيون تشكلت خبرتهم من خلال اختبار فشل وحدود طموحات أسلافهم. والمعينون السياسيون البارزون في الولاية الثانية، بمن فيهم نائب الرئيس جي دي فانس ووكيل وزارة الدفاع إلبريدج كولبي ومديرة الاستخبارات الوطنية تولسي غابارد، خدموا في العراق أو أفغانستان في مناصب عسكرية ومدنية متنوعة، وتشكلت رؤيتهم السياسية وهم متشككون في السياسات السائدة.
ويتجلى تأثير هذا الجيل الجديد بأوضح صورة في استراتيجية الأمن القومي الجديدة. ومن اللافت أن واضعي الوثيقة يوجهون انتقادات مباشرة إلى أسلافهم. ففي إشارة إلى الدعوات السابقة إلى الحفاظ على الهيمنة الليبرالية وتوسيعها، تذكر الوثيقة: "لم تكتفِ نخبنا بالسعي وراء هدف غير مرغوب فيه ومستحيل تحقيقه من الأساس، بل إنها، أثناء ذلك، قوضت الوسائل اللازمة لتحقيقه، أي هوية أمتنا التي بنيت عليها قوتها وثروتها واستقامتها". وإن لم يكُن هذا تمرداً على الماضي، فهو في الأقل مراجعة جذرية له. ومن هنا، تنتقل الاستراتيجية إلى أسئلة جوهرية من الدرجة الأولى: ما الذي ينبغي أن تصبو إليه الولايات المتحدة؟ وكيف نحصل عليه؟ إن الانطلاق من هذه الأسئلة التأسيسية بدلاً من الاعتماد على افتراضات موروثة يمثل قطيعة جذرية مع الماضي.
لكن أي استراتيجية لا تقاس إلا بنتائجها، وسجل إدارة ترامب في عامها الأول جاء متبايناً. ويمكن ملاحظة أوضح تحول في الاتجاه الصحيح في نهج واشنطن تجاه آسيا. فإعطاء ترامب أولوية للحوار المباشر مع الزعيم الصيني شي جينبينغ يشير إلى أن الإدارة ربما تسعى إلى إحياء دبلوماسية القوى العظمى، فقد تحدث الرئيسان هاتفياً والتقيا شخصياً ويخططان لعقد ما يصل إلى أربعة اجتماعات خلال العام 2026. وظهرت بوضوح غرائز ترامب التفاوضية القائمة على "فن إبرام الصفقات" من خلال استعداده للتفاوض مع الخصم الرئيس للولايات المتحدة. ويتماشى هذا النهج تماماً مع مقاربة أكثر تحفظاً في سياسات القوى العظمى، ويتسق مع النهج المحافظ لدبلوماسية الحرب الباردة.
وعلى مدى العام الماضي، عملت بكين وواشنطن في الغالب على تجزئة خلافاتهما إلى ملفات منفصلة، متجنبتين الالتزامات الشاملة التي قد تؤدي إلى مواجهة في حال انهيار أحد جوانب العلاقة. وفي الواقع، تظهر سياسة ترامب المتطورة تجاه الصين استعداداً مفاجئاً لتجربة الأخذ والعطاء الدبلوماسي. فعلى سبيل المثال، أعادت إدارة ترامب صياغة التعاون في مكافحة تهريب الفنتانيل باعتباره صفقة تبادلية صريحة، تحفز فيها الصين على تقييد صادرات المواد الأولية للفنتانيل مقابل تخفيف الرسوم الجمركية، بدلاً من تعديلات رمزية على العقوبات. وهذه الخطوة تربط القضية بالمصالح الاقتصادية الجوهرية، مما يخلق حوافز واضحة، مع إبقاء الملف معزولاً بإحكام عن القضايا الجيوسياسية الحساسة الأخرى.
وأحرز ترامب كذلك تقدماً في إعادة ترسيخ الغموض الاستراتيجي في شأن تايوان، بدلاً من الانجراف أكثر نحو ضمان أمني صريح، مثلما فعلت إدارة بايدن. فعندما سئل في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي عما إذا كانت الولايات المتحدة ستأمر قواتها بالدفاع عن تايوان رداً على أي توغل عسكري صيني، أجاب ترامب: "ستكتشفون إذا حدث ذلك". وكان هذا تحولاً ملحوظاً عن تأكيدات بايدن المتكررة أن واشنطن ستدافع عن الجزيرة عسكرياً.
إن الغموض يقلل من أخطار التصعيد مع الحفاظ على تهديد موثوق بالتحرك. والمصطلحات الفنية الواردة في استراتيجية الأمن القومي تدعم هذا التوجه: فالتعهد ببناء قوة عسكرية قادرة على "منع العدوان" في سلسلة الجزر الأولى، كما تنص عليه الاستراتيجية، يمثل تحولاً خطابياً مهماً عن عبارة "هزيمة أي خصم"، وهي اللغة المستخدمة في استراتيجية ترامب للعام 2017. في الوقت نفسه، ضغطت الإدارة على حلفاء مثل أستراليا واليابان لزيادة إنفاقهم الدفاعي، وإن كانت المبادرات المتنافسة في مجال التجارة عقّدت هذا المسعى.
ثقل العادات القديمة
وأثبتت منطقة الشرق الأوسط أنها أقل تقبلاً لتصحيح المسار. فظهرت في البداية مؤشرات مبكرة على تحول نحو مقاربة أقل أيديولوجية تجاه المنطقة. ففي أيار (مايو) الماضي، سافر ترامب إلى الرياض لحضور منتدى الاستثمار الأميركي- السعودي، حيث أشاد بالتحول الاقتصادي في الشرق الأوسط، مؤكداً أنه لم ينشأ "من تدخلات غربية... بل على يد شعوب المنطقة أنفسهم"، وروج لمستقبل إقليمي قائم على "التجارة لا الفوضى". وانتقد بشدة "من يسمون بناة الأمم" لأنهم دمروا "دولاً أكثر بكثير مما بنوه"، بل مد "غصن زيتون" إلى طهران للتفاوض حول برنامجها النووي. وهدد "بممارسة ضغوط هائلة وقصوى" إذا رفضت طهران هذا الغصن، مستخدماً بوضوح أسلوب الترغيب والترهيب معاً.
لكن بعد أقل من شهر، قتلت إسرائيل كبار المفاوضين النوويين الإيرانيين. ومع تصاعد المواجهة بين إسرائيل وإيران، بلغ التصعيد ذروته بسلسلة من الضربات الأميركية على مواقع نووية في طهران. ولا يتمحور الخلاف هنا حول قدرة إسرائيل أو حقها السيادي في السعي إلى تحقيق أمنها، بل حول حكمة التصعيد الأميركي المباشر وتبعاته. وبعدما ردت إيران بوابل من الضربات على قاعدة العديد الجوية في قطر التي تضم قوات أميركية، أعلن ترامب وقفاً لإطلاق النار عبر منصة "تروث سوشال"، إلا أن هذه الحادثة شكلت، بالنسبة إلى أنصار ضبط النفس، نكسة كبيرة. فقد أغلق الأفق الدبلوماسي وترسخت سابقة جديدة لقصف إيران ووجدت واشنطن نفسها تفرض هدنة هشة. أما داخل الولايات المتحدة، فأثارت الضربات انقساماً حاداً في الرأي داخل الأوساط الإعلامية المحافظة. وما تزال المسألة عالقة إلى حد كبير، في ضوء تحذير ترامب الأخير من أن الولايات المتحدة "في حال جاهزية تامة" للتدخل إذا قمعت إيران الاحتجاجات السلمية بالقوة.
نقل الأعباء سياسة، لا مجرد تفضيل
من المرجح أن تكون اضطرابات الصيف الماضي عجلت جهود الإدارة لتأمين وقف لإطلاق النار في قطاع غزة. فتفاوض ستيف ويتكوف، المبعوث الخاص للإدارة إلى الشرق الأوسط، على أول توقف مستدام للقتال في القطاع منذ العام 2023، سهّل عودة عشرات الرهائن، من بينهم أميركيون. وعلى الرغم من أن متانة وقف إطلاق النار ما تزال موضع شك، فإنها تمثل حالة نجحت فيها الدبلوماسية حيث فشلت القوة.
وفي أماكن أخرى، تبلورت سياسة ضبط النفس على وقع المحاولات المكلفة. فأدت حملة واشنطن ضد الحوثيين في اليمن، الربيع الماضي، إلى استنزاف حاد لمخزونات الأسلحة لدى البحرية الأميركية، كاشفة عن كلفة مثل هذه العمليات. ويرجح أن تكون الحملة المستمرة كلفت مئات ملايين الدولارات، حتى قبل احتساب كلف الصيانة والأفراد. وكانت النتيجة عودة للوضع القائم السابق: تعهد الحوثيون بعدم استهداف السفن الأميركية إذا توقفت القوات الأميركية عن استهدافهم.
وفي الوقت نفسه، فإن الانتهاء الفعلي للحرب الأهلية في سورية أتاح للولايات المتحدة إلغاء بعض العقوبات، وأثبت أن التغيير يمكن أن يحدث من دون تدخل أميركي مباشر. فبعد صدور أمر تنفيذي في حزيران (يونيو) الماضي أنهى كثيراً من العقوبات، تضمن أحدث قانون لتفويض الدفاع الوطني الذي أقر في كانون الأول (ديسمبر)، إلغاء العقوبات الثانوية الواسعة التي فرضت في العام 2019 لفرض عزلة على نظام الأسد وكانت قد قيدت التمويل المخصص لإعادة الإعمار. وتضمنت المفاوضات الجارية مع الحكومة الجديدة في دمشق ضمانات بتقليص أكبر للوجود العسكري الأميركي في البلاد، إن لم يكُن انسحاباً كاملاً.
الواقع يفرض شروطه
وكانت محاولات ترامب لتطبيق سياسة ضبط النفس في السياسة الأميركية تجاه أوروبا متقطعة أيضاً، لكنها ما تزال تمثل واحدة من أفضل الفرص المتاحة لمواءمة السياسة مع منطق قائم على المصالح. فمارست إدارة ترامب ضغوطاً مستمرة على أوكرانيا للاستعداد لتسوية تفاوضية. وعلى الرغم من أن الصيغة الحالية للاتفاق بعيدة كل البعد من الإنصاف، فإنها تجسد واقعاً مريراً: فمن غير المرجح أن تحقق أوكرانيا مكاسب حاسمة، كما أن الدعم الغربي آخذ في التآكل. وتبقى الصراحة هي السياسة الأجدى، وأوكرانيا تستحق معرفة الحقيقة. فإن إغلاق الباب أمام توسع حلف شمال الأطلسي، وهو موقف أيدته إدارة ترامب، من شأنه أن يشكل انتصاراً كبيراً لنهج ضبط النفس. وقدمت واشنطن أدلة وافرة على أنها لن تخوض حرباً كبرى مع روسيا من أجل أوكرانيا. والتظاهر بأن ضمانة شكلية زائفة شبيهة بالمادة الخامسة تعني التزاماً حقيقياً، سيؤدي في النهاية إلى تقويض صدقية "الناتو" وأمن أوكرانيا.
لكن التقدم نحو السلام ما يزال بطيئاً. فالرئيس الروسي فلاديمير بوتين لا يملك حوافز كبيرة للتفاوض، وستعتمد أمور كثيرة على نوع الاتفاق الأمني الذي يمكن لكييف أن تحصل عليه من أوروبا والولايات المتحدة. وفي نهاية المطاف، فإن الضمانة الأكثر ديمومة لأوكرانيا ستكون امتلاكها قدرة ردع عسكرية وطنية فاعلة، مدعومة من الولايات المتحدة وأوروبا، ولكن من دون أن تقوم على تعهدات جوفاء.
في الوقت نفسه، تعيد إدارة ترامب هيكلة تقسيم العمل عبر الأطلسي، إذ يشهد التخطيط الدفاعي الأوروبي تحولات بطرق لم يكن من الممكن تصورها قبل عقد من الزمن. فخلال قمة "الناتو" في العام 2025، أقر الحلف معياراً يقضي بأن يخصص كل بلد خمسة في المائة من ناتجه المحلي الإجمالي للإنفاق الدفاعي السنوي. وتشكل مبادرة الاتحاد الأوروبي "إعادة تسليح أوروبا" التي تبلغ قيمتها نحو 850 مليار دولار، بما في ذلك قرابة 160 مليار دولار للمشتريات المشتركة، أكثر جهود إعادة التسلح طموحاً منذ الحرب الباردة. وعلى الرغم من اعتراضات العواصم الأوروبية والكونغرس الأميركي، فإن التخفيض الأخير في القوات الأميركية التي كانت تناوب في رومانيا يشير إلى توقع واشنطن أن تتحمل أوروبا مسؤولية أكبر عن أمنها التقليدي. إن "نقل الأعباء" هو سياسة، وليس مجرد تفضيل.
"أميركا أولاً"؟
أصبح نصف الكرة الغربي أكبر مفارقة في سياسة ترامب "أميركا أولاً". فتركيز استراتيجية الأمن القومي على شواغل نصف الكرة الغربي، وما تتضمنه من تأكيد على أن مستقبل الولايات المتحدة "سيتحدد بقدرتنا على حماية التجارة والأراضي والموارد الأميركية التي تعد جوهر أمننا القومي"، ينسجم مع نهج "أميركا أولاً"، وينسجم معه أيضاً السعي إلى حرمان القوى المنافسة من النفوذ في المنطقة، والسيطرة على الهجرة وتدفق المخدرات.
من حيث المبدأ، فإن الضربات العسكرية الأميركية المحددة في كاراكاس واعتقال مادورو أخيراً يتماشيان إلى حد ما مع تشديد الإدارة المتجدد على ترسيخ وضع قوي للولايات المتحدة في نصف الكرة الغربي. لكن العملية الأخيرة تجسد أيضاً الانقسام داخل فريق ترامب للسياسة الخارجية بين الواقعيين وأنصار ضبط النفس. فالواقعيون يميلون إلى الشعور بارتياح أكبر حيال الاستخدام العلني للقوة العسكرية لإيصال رسالة عن الهيمنة الأميركية أو لضمان وصول واشنطن إلى احتياطات النفط. أما أنصار ضبط النفس، فيرون في المقابل أن أخطار التصعيد والتورط تفوق هذه المكاسب المحتملة. والذين يدافعون اليوم عن العملية في كاراكاس كانوا على الأرجح سيتصرفون بصورة مختلفة تماماً لو أُسقطت مروحية أميركية فوق المدينة، مخلفة خسائر في الأرواح ورهائن، ومستدعية نشر قوات مشاة البحرية لمعالجة الفوضى.
علاوة على ذلك، فإن عدم اليقين حيال ما تخطط إدارة ترامب لفعله لاحقاً في فنزويلا عقّد الدبلوماسية الإقليمية وأربك المشرعين الأميركيين وأضعف الدعم المحلي. فبعد وقت قصير من العملية، قال ترامب إن الولايات المتحدة "ستدير البلاد"، وعندما سئل لاحقاً عن المدة التي سيستمر فيها ذلك، أجاب أنها ستكون "أطول بكثير" من عام واحد. وصرح الرئيس أيضاً بأنه "لا يخشى نشر "قوات برية" في فنزويلا. وإن التلميح إلى احتمال احتلال الولايات المتحدة أراضي أجنبية لفترة غير محددة يمثل تحولاً لافتاً في السياسة المعلنة للإدارة. كما أن العقبات العملية أمام مثل هذا الاحتلال ستكون كبيرة: فالولايات المتحدة لا تملك حالياً أي قوات برية في فنزويلا، ولم تُبقِ سفارة لها هناك منذ العام 2019.
ولا يؤيد الأميركيون عملاً عسكرياً أميركياً في فنزويلا. ففي استطلاع أجرته "كوينيبياك" ونشر في كانون الأول (ديسمبر) الماضي، أيد 25 في المائة فقط من الناخبين عملاً عسكرياً أميركياً داخل فنزويلا، ولم يؤيد الفكرة سوى 52 في المائة من الجمهوريين. وحتى الارتفاع المعتاد في التأييد الذي يلي نجاح أي عملية عسكرية لم يسجل في هذه الحالة. فبحسب استطلاع رأي أجرته رويترز- إبسوس هذا الأسبوع، وافق 33 في المائة من الأميركيين على العمل العسكري الأميركي لإزاحة مادورو، في حين عبر 72 في المائة من المشاركين في الاستطلاع عن قلقهم من أن تصبح الولايات المتحدة "متورطة أكثر من اللازم" في فنزويلا.
ثم زاد ترامب الأمور تعقيداً من خلال تصعيد التهديدات بتنفيذ عمليات في كولومبيا وكوبا والمكسيك، وبالاستيلاء على غرينلاند. وربما يكون بعض هذا الخطاب مجرد كلام طنان، لكن التهديدات العلنية المتكررة وغير المشروطة يمكن أن تربك الخصوم والحلفاء على حد سواء.
وما يزال بإمكان الإدارة حصر نطاق تحركاتها في المنطقة، إذ يمكن لترامب، بل ينبغي له، أن يعتبر إزاحة مادورو انتصاراً من دون الانجرار إلى النزعات الأكثر طموحاً وإضراراً بالذات التي وجهت مساعي تغيير الأنظمة السابقة، مثل حملة اجتثاث حزب البعث التي أعقبت الإطاحة بصدام حسين في العراق في العام 2003، أو تسهيل الإطاحة بمعمر القذافي في ليبيا في العام 2011، أو الانحياز إلى أحد الأطراف في الحرب الأهلية السورية. وإذا تمكنت إدارة ترامب من التوصل إلى تسوية مرضية مع الرئيسة الموقتة لفنزويلا، ديلسي رودريغيز، فقد تبقى العملية الأميركية مجرد إجراء فرضَ تغييراً في القيادة، بدلاً من كونها عملية مفتوحة لبناء دولة. أما الخطوات التوسعية أو الهجومية الإضافية، مثل ضم غرينلاند عسكرياً، فهي تتعارض تماماً مع منطق استراتيجية الأمن القومي التي تركز على استقرار نصف الكرة الغربي ومنع التهديدات الإقليمية. وأظهرت استطلاعات الرأي المتعاقبة معارضة أميركية قوية لضم غرينلاند. وينبغي أن تعطي استراتيجية نصف الكرة الغربي الأولوية للمشاركة الدبلوماسية وبناء القدرات الإقليمية بدلاً من العمليات العسكرية الأميركية المفتوحة.
تقييد سياسة ضبط النفس
يعود تعثر التقدم نحو سياسة خارجية أكثر انسجاماً مع مبدأ "أميركا أولاً" لأربعة قيود أساسية. أولاً، يحكم ترامب بالغريزة لا بالأيديولوجيا. فحدسه يدفعه إلى تجنب "الحروب الغبية التي لا نهاية لها"، لكن من الواضح أنه يتأثر بالإطراء، وغالباً ما يقتنع بآراء المقربين منه. وعلى الرغم من أن مجموعة المستشارين المتشككين في التورط الخارجي أصبحت أكبر بكثير مما كانت عليه خلال إدارته السابقة، فإن دوائر سياسية مؤثرة وشخصيات أجنبية رفيعة ستظل قادرة على التأثير، مما يؤدي إلى تغييرات متكررة في أهدافه السياسية.
أما آلية التنسيق الرسمية بين الوكالات، المصممة ظاهرياً لتنسيق السياسات بين الوزارات، فانثنت وتصدعت، إذ تتنافس مراكز النفوذ في الإدارة على جذب الانتباه ونيل الحظوة. فالرئيس يعلن باستمرار عن أهدافه، كما يتضح من سيل منشوراته على منصة "تروث سوشال"، غير أن الجهات المكلفة بتنفيذ هذه الأهداف تسير في اتجاهات متباينة. كما أن الجيل الناشئ من قادة الأمن القومي ما يزال جديداً على ممارسة السلطة، وقد يجد صعوبة في توظيفها لمواجهة القصور البيروقراطي.
ولا يقدم الكونغرس بدوره عوناً يذكر لأجندة "أميركا أولاً"، إذ ما يزال قادة الحزب الجمهوري في كلا المجلسين ينظرون بعين الشك إلى أي تقليص للالتزامات الخارجية، وعملوا على تقييد أهداف البيت الأبيض. فعلى سبيل المثال، إن قانون تفويض الدفاع الوطني الحالي يحظر على الرئيس خفض عدد القوات الأميركية المتمركزة في أوروبا إلى أقل من 76 ألف جندي من دون موافقة مسبقة من وزير الدفاع والجنرال الأميركي المسؤول عن العمليات العسكرية لحلف "الناتو". ويعد هذا تدخلاً غير مسبوق في صلاحيات الرئيس في إدارة الشؤون الخارجية، ويتعارض مع ما كان مسموحاً به للرؤساء الأميركيين السابقين. 
وأخيراً، تظهر وسائل الإعلام التقليدية ذعراً جماعياً من أي خروج عن المبادئ السائدة بعد الحرب الباردة. فقد استخدم، على سبيل المثال، كاتب العمود البارز في "نيويورك تايمز"، توماس فريدمان، قلمه لمنح ترامب "جائزة نيفيل تشامبرلين للسلام" (وهو انتقاد ساخر ليلمح إلى أن ترامب يتبع سياسة استرضاء تشبه تلك التي ارتبطت تاريخياً بنيفيل تشامبرلين، حين سعى إلى تجنب الحرب مع ألمانيا النازية من خلال تقديم تنازلات) لاقتراحه تسوية في أوكرانيا من شأنها أن تضع الاتحاد الأوروبي بأكمله "تحت قبضة بوتين". وغالباً ما تصور نزعات ترامب الداعية إلى دخول دبلوماسي أوسع في الشرق الأوسط على أنها ساذجة أو غير أخلاقية أو مزعزعة للاستقرار، في حين تُمتدح التدخلات العسكرية في كثير من الأحيان. أما شبكة "فوكس نيوز"، المفضلة لدى الرئيس، فمجدت ترامب باعتباره ونستون تشرتشل العصر الحديث فور إصداره أمراً بقصف المنشآت النووية الإيرانية.
وفي مواجهة كل ذلك، يواجه ترامب تراجعاً في نسب التأييد. وبالنسبة إلى رئيس أميركي، فإن قصف دولة أجنبية أسهل من خفض أسعار المواد الغذائية، ولذلك يظل هذا الخيار، أو الدخول في مغامرات خارجية أخرى مضللة وغير محسوبة، إغراء قائماً. ويبدو أن الناخبين ما يزالون غير مطمئنين، فوفقاً لاستطلاعات أجراها "مركز بيو للأبحاث" أواخر العام الماضي، قيّم 74 في المائة من الأميركيين الوضع الاقتصادي بأنه "مقبول بالكاد" أو "سيئ"، فيما ترى الغالبية أن على الرئيس أن يركز أكثر على الأولويات الداخلية.
كيف ينبغي للإدارة أن تتكيف مع هذه القيود؟ أولاً، يجب ترجمة حدس ترامب إلى سياسة واضحة المعالم. وتحقق ذلك إلى حد كبير مع نشر استراتيجية الأمن القومي، وينبغي أن تستمر أهداف هذه الاستراتيجية في الظهور خلال التصريحات العلنية لمسؤولي الإدارة. ويتعين كذلك على بيروقراطية السياسة الخارجية أن تطور وحدة أكبر في الجهود، مما يرجح أن يتحقق مع مرور الوقت واكتساب الخبرة.
أما المقاومة التشريعية لأي تقليص في الالتزامات الخارجية، فتتطلب استراتيجية سياسية. فيتعين على الإدارة أن تعمل مع حلفائها في الكونغرس لتسليط الضوء على الدعم الشعبي المستمر لسياسات "أميركا أولاً" وتأطير تقليص الالتزامات الخارجية بوصفه واقعية صارمة. في الوقت نفسه، ينبغي لمناصري المقاربة القائمة على المصالح في السياسة الخارجية أن يحثوا الكونغرس على أخذ صلاحياته الدستورية على محمل الجد في ما يتعلق ببدء الحروب والإشراف عليها وإنهائها في نهاية المطاف. وأخيراً، على الإدارة أن تستفيد من منصات إعلامية بديلة لا تتبنى تلقائياً منطق الهيمنة الأميركية، للترويج لأهداف سياسة خارجية أكثر ضبطاً للنفس. 
بالعودة إلى السؤال الجوهري في استراتيجية الأمن القومي: "ما الذي ينبغي أن تصبو إليه الولايات المتحدة؟". فقد عبر واضعو الوثيقة، بلهجة صريحة على نحو غير مألوف، عن سياسة خارجية أكثر انضباطاً تخدم سيادة الشعب الأميركي وتشجع الحلفاء على تحمل مسؤوليات أكبر وتتجنب الالتزامات المفتوحة والحملات الأيديولوجية. وحتى الآن، لم تحرز الإدارة تقدماً في هذا الاتجاه إلا على نحو متقطع. أما تجسيد مفهوم "أميركا أولاً" على نحو أكثر اكتمالاً، فسيتطلب انضباطاً أكبر في التنفيذ.
 
 
*ريد سميث، نائب رئيس قسم شؤون السياسة الخارجية في مؤسسة "ستاند توغذر" Stand Together. المقال مترجم عن "فورين أفيرز" حيث نُشر في 9 كانون الثاني (يناير) 2026