عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    23-Mar-2021

عودة مكافحة الاحتكار إلى أميركا

 الغد-إريك بوزنر

 
شيكاغو ــ يُـلـمِـح الرئيس جو بايدن إلى أن إدارته ستتخذ موقفا متشددا من الاحتكار. وبتعيين أستاذين في القانون من جامعة كولومبيا، تيموثي وو في المجلس الاقتصادي الوطني التابع للبيت الأبيض ولينا خان في لجنة التجارة الفيدرالية، اختار بهذا اثنين من المؤيدين المعروفين لكسر احتكارات شركات التكنولوجيا الكبرى.
علاوة على ذلك، تأتي هذه التعيينات في أعقاب مشروع قانون رئيسي لإصلاح مكافحة الاحتكار تقدمت به ايمي كلوبوشار من مينيسوتا إلى مجلس الشيوخ الأميركي الشهر الماضي. يهدف مشروع قانون كلوبوشار إلى تعزيز إنفاذ قوانين مكافحة الاحتكار بعدة طرق. فمن شأنه أن يعمل على زيادة تمويل لجنة التجارة الفيدرالية وقسم مكافحة الاحتكار في وزارة العدل، وإنشاء مكاتب بيروقراطية للتحقق من ومراقبة الامتثال لقوانين مكافحة الاحتكار وظروف السوق، وفرض عقوبات مدنية جديدة على المخالفين، وتحميل الشركات المسؤولية عن ممارسات الأعمال المانعة للمنافسة والتي تتسرب عبر الشقوق حاليا.
على الرغم من المعارضة الجمهورية الشرسة التي من المتوقع أن يتلقاها التقرير، فهناك سبب وجيه يحملنا على الاعتقاد بأن زخم مكافحة الاحتكار في الولايات المتحدة سيستمر. خلال رئاسة دونالد ترامب أطلقت وزارة العدل ولجنة التجارة الفيدرالية تحقيقات في صناعة التكنولوجيا، والتي أسفرت (حتى الآن) عن إقامة دعاوى قضائية ضد جوجل وفيسبوك، قبل مغادرة ترامب منصبه مباشرة. ورغم أن استياء ترامب من شركات التكنولوجيا المتحررة ثقافيا ربما كان ببساطة السبب وراء إيقاظ البيروقراطيين الذين كانوا نائمين في سبات سابقا، فقد بدأ جمهوريون آخرون أيضا يعيدون النظر في معارضتهم التقليدية لمسؤولية مكافحة الاحتكار.
كان قانون مكافحة الاحتكار لفترة طويلة سببا في زيادة حدة الانقسامات الإيديولوجية في الولايات المتحدة. ورغم أنه ينطوي على “تدخل” كبير في السوق من قِـبَـل الهيئات التنظيمية والمحامين الخصوصيين (الذين يمقتهم الجمهوريون)، فإن هدف مثل هذه التدخلات هو الحفاظ على المنافسة الاقتصادية (التي يفضلها الجمهوريون ظاهريا).
قبل عقود من الزمن، تمكن أهل الاقتصاد والمحامون من ذوي الميول المحافظة من تسوية هذه المعضلة من خلال التأكيد على أن الأسواق قادرة على تصحيح نفسها بنفسها: لأن الاحتكارات تولد أرباحا ضخمة، فهي أهداف ثمينة لقوى أخرى فاعلة في السوق. علاوة على ذلك، ولأن الهيئات التنظيمية والمحاكم غير متمرسة على الإطلاق في التعامل مع الاقتصاد والصناعة، فإن أي محاولة من جانبها لفرض قانون مكافحة الاحتكار من شأنها أن تضر أكثر مما قد تنفع.
زود مثل هذا التفكير الجمهوريين بالعذر المناسب للادعاء بأنهم مؤيدون للسوق والأعمال في ذات الوقت، مما سمح لهم بالحصول على مساهمات مالية من الشركات التي ليس لديها مصلحة في السوق الحرة. إن الشركات تخشى المنافسة، التي تدفع الأرباح إلى الانخفاض.
لكن الزمن تغير، ليس فقط بسبب المخاوف بشأن شركات التكنولوجيا الكبرى. فقد أصبحت مجموعة ضخمة من الأسواق في الولايات المتحدة ــ من شركات الطيران إلى الاتصالات اللاسلكية ــ أكثر تركزا في العقود الأخيرة. وفي حين قد يلعب التغيير التكنولوجي دورا في هذا الاتجاه، فإنه يعكس أيضا تفريغا لتطبيق مكافحة الاحتكار من مضمونه منذ سبعينيات القرن العشرين.
في كتابه الصادر في العام 2019 بعنوان “الانقلاب العظيم: كيف تخلت أميركا عن الأسواق الحرة”، يوضح رجل الاقتصاد توماس فيليبون من جامعة نيويورك التركز المتزايد لأسواق الولايات المتحدة، ويرسم تباينا حادا مع الأسواق في أوروبا، التي أصبحت أكثر تنافسية خلال ذات الفترة، وهو ما يرجع بشكل كبير إلى قانون مكافحة الاحتكار الأكثر عدوانية (أو “قانون المنافسة”، كما هو معروف في كل مكان خارج أميركا). يجد فيليبون أن قانون مكافحة الاحتكار الأضعف في الولايات المتحدة أدى إلى تركز أكبر للأسواق والمزيد من السلوك المانع للمنافسة، والذي أفضى بدوره إلى نمو أقل، وأسعار أعلى، وتفاوت أعظم.
علاوة على ذلك، تشير أبحاث اقتصادية حديثة إلى مشكلتين إضافيتين كانتا موضع تجاهل في السابق. أولا، لا تلحق الشركات الكبرى التي تهيمن على الأسواق الضرر بالمستهلكين وحسب (من خلال رفع الأسعار)، بل والعاملين أيضا (بخفض الأجور). تتسم أسواق العمل في مختلف أنحاء الولايات المتحدة بالتركز الشديد، مما يعني أن أصحاب العمل قادرون على قمع الأجور إلى ما دون المعدل التنافسي كثيرا ــ ومن المحتمل للغاية أن يفعلوا ذلك. بعد عقود حيث افترض أهل الاقتصاد أن أسواق العمل تتسم بالتنافسية الشديد، يحمل هذا البحث الجديد عواقب ثورية مؤثرة على قانون مكافحة الاحتكار. على سبيل المثال، كما اعترفت حكومة الولايات المتحدة مؤخرا فقط، يجب أن تخضع عمليات الاندماج للمراجعة بحثا عن أي تأثيرات مانعة للمنافسة على الأجور، وليس الأسعار فقط، كما جرت العادة.
ثانيا، أدى تركز السوق إلى تقويض الأداء الفعّـال لأسواق رأس المال. وتظهر أبحاث حديثة أن حفنة فقط من المستثمرين المؤسسيين، بما في ذلك BlackRock وVanguard، نجحوا في جمع قدر هائل من القوة الاقتصادية؛ وقد وجد بعض علماء الاقتصاد أدلة تشير إلى أن هذا الدمج يؤدي إلى ارتفاع الأسعار في قطاعات أخرى، مثل صناعة خطوط الطيران.
لكن آخرين يخالفونهم الرأي، ويزعم المستثمرون المؤسسيون أنهم يستخدمون سلطتهم من أجل الخير، من خلال الضغط على الشركات لحملها على التصرف بقدر أكبر من المسؤولية. وتلك هي المسألة ــ ليس ما إذا كان هؤلاء العمالقة يملكون القوة، بل كيف يستخدمونها. فهل يلاحقون حقا استراتيجيات التزام النبالة، أو أنهم يحاولون ببساطة تعظيم أرباحهم، كما قد يتوقع المرء عادة؟
أيا كانت الإجابة على هذا السؤال، فلا شك أن الاقتصاد الأميركي قائم على احتكار القِـلة ويتسم بالتصلب على نحو متزايد. الواقع أن إقامة بعض الدعاوى القضائية ضد شركات التكنولوجيا الكبرى لن يؤدي إلى إحياء المنافسة. ولا يمكن اعتبار مشروع قانون كلوبوشار أكثر من مجرد خطوة أولى تستحق الإعجاب. يتعين على الكونجرس أيضا أن يزيل العديد من العقبات التي تحول دون إنفاذ قوانين مكافحة الاحتكار والتي أقامتها المحكمة العليا على مر السنين. من خلال توظيف استراتيجية “الموت بإحداث آلاف الجراح الصغيرة”، أقامت المحكمة حواجز إجرائية أمام التقاضي ضد الاحتكار، وقيدت نطاق الدعاوى الجماعية، وأزالت الافتراضات التي ساعدت المدعين في السابق، وغرست ثقافة الشك والريبة تجاه دعاوى مكافحة الاحتكار بين المحاكم الأدنى.
سوف يتطلب الأمر جهدا متضافرا من قِـبَـل الكونجرس وإدارة بايدن للتغلب على عقود من إهمال قضية مكافحة الاحتكار. وربما يكمن التحدي الأكبر في هذا الصدد في مكان غير متوقع: الرأي العام. رغم أن العديد من التقدميين يعشقون استحضار العصر الذهبي ــ عندما ساعدت حركة شعبية مناهضة للاحتكار في تمرير أول قوانين مكافحة الاحتكار ــ فهناك فوارق كبيرة بين ذلك الحين والآن.
في ذلك الوقت، كان الاحتكاريون من أمثال Standard Oil مكروهين على نطاق واسع، وكان رسامو الكاريكاتير يصفونهم على أنهم أخطبوطات خبيثة. والآن تُـعَـد الشركات المحتكرة في مجال التكنولوجيا بين الشركات الأكثر نيلا للإعجاب في أميركا. في سياق الجائحة، بشكل خاص، اعتمد ملايين الأميركيين على شركة أمازون للحصول على السلع المنزلية، واستخدموا فيسبوك للبقاء على اتصال بأفراد الأسرة والأصدقاء. والآن أصبح الجميع تقريبا مدمنين على نتفليكس ويوتيوب، وهواتفهم الذكية.
سوف يعمل بعض هؤلاء الأشخاص كمحلفين في قضايا مكافحة الاحتكار، وآخرون كقضاة ــ وجميعهم ناخبون. الواقع أن التغييرات القانونية والتنظيمية واجبة منذ أمد بعيد، ولكن تظل المهمة الشاقة المتمثلة في تحويل الرأي العام باقية.
 
ترجمة: إبراهيم محمد علي Translated by: Ibrahim M. Ali
*إريك بوزنر أستاذ في كلية الحقوق بجامعة شيكاغو، وأحدث مؤلفاته كتاب “دليل زعيم الدهماء: المعركة من أجل الديمقراطية الأميركية من الآباء المؤسسين إلى ترامب” (All Points Books, 2020).
حقوق النشر: بروجيكت سنديكيت، 2021.