«غرينلاند» ومعادلات جديدة للأمن الدولي*د. حسن أبو طالب
الشرق الاوسط
حين يأتي ذكر جزيرة غرينلاند القطبية ذات الحكم الذاتي، التابعة سيادياً لمملكة الدنمارك، تتركز الأنظار على الموارد الطبيعية الهائلة الكامنة في أراضي الجزيرة، التي تصل مساحتها إلى أكثر من مليوني كيلومتر مربع، والتي لا يُسمح باستخراجها لأسباب بيئية. هذه الموارد الهائلة من نفط وغاز ومعادن نادرة تدخل في الصناعات التقنية الحديثة، وتعد أحد أسباب تطلع الرئيس الأميركي دونالد ترمب للاستيلاء على الجزيرة أو ضمها سياسياً وسلمياً إن أمكن. ومع ذلك فهذا السبب هو الأقل قيمة للرئيس ترمب، الساعي إلى استعادة ما يراه عظمة أميركا بعيداً عن التقاليد التي طبعت السياسة الخارجية الأميركية لأكثر من ثمانية عقود، وأبرزها بناء القواعد السياسية والقيمية والتحالفات، وضمان أمن الحلفاء كعنصر مهم ورئيسي من أمن الولايات المتحدة ذاتها.
الحرص على ضم الجزيرة القطبية يضرب في الصميم تلك التقاليد، كما يؤسس لتقاليد مغايرة تماماً، الكثير منها مُحمل بمخاطر عالمية لا حدود لها. فالمبررات التي ساقها الرئيس ترمب لضم الجزيرة بدأت بكونها لازمة للأمن العالمي، في إشارة إلى أن أمن الولايات المتحدة في مواجهة كل من الصين وروسيا يتطلب تدابير تسهم في مراقبة هذيْن المنافسيْن العتيديْن والحد من نشاطهما في مناطق ذات قيمة استراتيجية للولايات المتحدة، خصوصاً منطقة القطب الشمالي التي أصبحت ذات مزايا اقتصادية كبرى بفعل التغير المناخي، سواء تيسير الملاحة في الممرات البحرية الشمالية لفترات زمنية أطول من السابق، أو سهولة استخراج ما فيه من موارد نفط وغاز ومعادن نادرة.
ثم تطور التبرير ليصبح ضم الجزيرة مهماً لأمن الولايات المتحدة ذاتها، ما يعني أن اعتماد واشنطن على علاقاتها التحالفية الكبرى مع الدنمارك صاحبة السيادة على الجزيرة لم يعد كافياً لضمان أمن أميركا القومي. وتطور الأمر على لسان جي دي فانس، نائب الرئيس الأميركي، ليصبح التبرير تقريعاً للدنمارك ذاتها؛ لأنها «لم تقم بما يلزم لضمان أمن الجزيرة وتنمية شعبها»، فضلاً عن أن ضم الجزيرة للولايات المتحدة هو أمر من الرئيس لا يجوز تجاهله، حسب قوله، أمام جنود القاعدة الأميركية الموجودة في الجزيرة، والتي تقوم بمهام المراقبة الفضائية منذ عقود عدة، للأنشطة العسكرية الروسية.
التبريرات السابقة رغم تباين درجاتها، فجميعها يستند إلى معيار واحد وهو أن ما يجعل أميركا عظيمة لن تعوقه اعتبارات سيادة الدول، أو القانون الدولي، أو الاتفاقيات الثنائية أو التحالفات التي أنشأتها أميركا ذاتها. فالمصلحة الأميركية وحدها وعظمة أميركا ومجدها كما يحددها ترمب هي الأساس.
صحيح هنا أن استبعاد القوة العسكرية مرحلياً وتفضيل الوسائل السلمية كأن يُطالب شعب الجزيرة بالاستقلال عن الدنمارك وطلب الالتحاق بالولايات المتحدة، يُعد أفضل الحلول للبيت الأبيض، لكنه يواجه بعقبة أن الاتجاه الغالب لدى أهل الجزيرة يرفض هذا التحول من سيادة الدنمارك إلى السيادة الأميركية، وهو ما أظهره استطلاع رأي جرى مطلع يناير (كانون الثاني) العام الجاري، وفيه أيّد 55 في المائة البقاء في الوضع الراهن، واكتفى 7 في المائة بتأييد الضم لواشنطن. ومع الأخذ في الاعتبار أن الرفض الشعبي لا يُعد مشكلة وفقاً للإدراك الأميركي، فالبديل هو احتلال الجزيرة بالقوة المسلحة، وهو بديل مُدمر لحلف الناتو؛ لأنه يعني مواجهة بلد عضو في الحلف، لم يتراجع في يوم ما عن دعم السياسة الأميركية والمشاركة في مغامراتها العسكرية شرقاً وغرباً. التضحية بحلف الناتو على هذا النحو حال حدوث هذا المشهد، سيؤدي بدوره إلى تغيير منظومة الأمن كلياً في القارة العجوز، وسيطرح تحديات كبرى للدول المختلفة في علاقاتها مع إدارة ترمب.
الأمر الآخر حال احتلال أميركا للجزيرة عسكرياً، سوف يزداد الصراع سخونة مع روسيا والصين حول القطب الشمالي، خصوصاً أن البلدين كليهما وبوسائل مختلفة رسَّخا وجودهما عبر الاستثمارات الكبرى في إقامة المواني وتنظيم الطرق البحرية، وبناء كاسحات الألغام الثقيلة العاملة بالطاقة النووية، والتي تتفوق فيها روسيا عن كل الدول الثماني المشاطئة للقطب الشمالي. ويعد تركيز الصين على البحوث العلمية في الإقليم، بالرغم من كونها غير مشاطئة له، وسيلة لاكتشاف الثروات الكامنة وفق تقديرات دقيقة، ورسم خرائط الملاحة المحتملة مع استمرار تراجع الجليد، ما يوفر لها قاعدة معلومات مهمة، في الوقت الذي تفتقر فيه الولايات المتحدة للوجود المادي في القطب الشمالي مقارنة بما لدى روسيا، التي تمتلك 18 كاسحة ألغام، منها ثمانٍ ثقيلة تعمل بالطاقة النووية، في حين أن أميركا لديها كاسحتان فقط منذ سبعينات القرن الماضي، ولدى روسيا ثمانية موانٍ في عمق القطب الشمالي، ولأميركا ميناء واحد في الأطراف الجنوبية. وبينما طالبت كندا عام 2013 لجنة ترسيم الحدود الأممية بضم القطب الشمالي كله لأراضيها، قدمت روسيا الطلب ذاته، مع فارق أن روسيا لها وجود ملموس ومتطور، لا سيما إقامة مستوطنات بشرية في الأراضي التي يتراجع فيها الجليد.
إذن، الأمر لا يتعلق بالسيطرة على جزيرة ما وحسب، فهناك تداعيات خطيرة في أكثر من اتجاه. المشكلة الأكبر أن سيادة هذا النوع من المبادئ التي تعمل إدارة ترمب على ترسيخها بزعم أنها تعيد العظمة والمجد للبلاد، تغري قوى أخرى لديها الكثير من الطموحات في التوسع الإقليمي باعتباره يدخل في صميم المصلحة القومية، أو لتصحيح أخطاء تاريخية، أو لاستعادة ما سلب في السابق من دون وجه حق، وذلك بتكرار الأمر من دون انتظار أدنى مقاومة أميركية. النماذج كثيرة، أبرزها حالة تايوان بالنسبة إلى الصين، وحالة القرم والمناطق الشرقية لأوكرانيا بالنسبة إلى روسيا.