عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    04-Jan-2026

"احتمالات بيضاء".. قراءات في أدب الأسرى الفلسطينيين لـ عبادي

 الغد-عزيزة علي

 صدر عن دار الرعاة للدراسات والنشر وبالتعاون مع "جسور ثقافية"، في رام الله وعمّان، كتاب "احتمالات بيضاء: قراءات في أدب الحرية الفلسطيني"، للمحامي حسن عبادي، حرّره الكاتب فراس حجّ محمد وصمّم غلافه الفنان الفلسطيني ظافر شوربجي.
 
 
يضم الكتاب قراءات نقدية انطباعية لمؤلفات كتبها أسرى، أو دراسات تناولت أدب الأسرى وموثقاته. ويُعدّ مرجعًا مهمًا في أدب الأسرى الفلسطينيين المعاصرين، إذ إن كثيرا من هؤلاء الكتّاب أنجزوا أعمالهم داخل المعتقلات وخرجت إلى القراء بينما هم خلف القضبان، وتجاوزت إصداراتهم الستين كتابا بين السرد والشعر والدراسات البحثية.
توضح مقدمة الكتاب أن أدب السجون يصوّر حياة السجناء داخل وخارج المعتقل، ويُوثّق الظلم والأسباب التي أدّت إلى اعتقالهم. وغالبا ما يُكتب هذا الأدب على شكل يوميات وسيرة ذاتية.
وتبرز مخاطر السجن التي تكمن في فقدان الإنسان احترامه لذاته، مما يجعله عرضة لإذلال جلّاده، فيما يبيّن القول: "ليس على هذه البسيطة مخلوق أشد قسوة وهمجية من الإنسان".
يبقى تعريف أدب السجون محل تساؤل: هل يُقصد به الأدب الذي يكتبه سجناء، أم الذي تكون شخصياته سجناء، أم الأدب الذي يكون السجن محوره وموضوعه؟ فهناك من كتب عن السجن دون تجربة اعتقال، وفي المقابل أبدع كثير من السجناء في الكتابة خلف القضبان رغم قلة خبرتهم السابقة.
جاء باسم خندقجي ورفاقه الأسرى كميل أبو حنيش، وحسام شاهين، وناصر أبو سرور، ووليد دقّة، وغيرهم، ليصرخوا: لدينا ما نقوله من أدب جميل يستحق القراءة، بغضّ النظر عن كوننا أسرى خلف القضبان. فاقرؤونا، واصغوا إلينا، ولا تحابونا؛ فنحن لا نحتاج إلى "رحمتكم"، أو إلى التساهل مع كتاباتنا بسبب الأسر.
وتوضح المقدمة أن أدب السجون نشأ نتيجة القمع وفقدان الثقة بالسلطة، ليكشف ممارسات التعذيب والمعاناة داخل المعتقلات ويفضح النظام، ويسعى لفضاء من الحرية وكشف المستور الفكري والسياسي والاجتماعي من خلال توثيق العزلة والرعب والزنازين الانفرادية والتعذيب النفسي والجسدي.
وجاء باسم ورفاقه ليفتحوا باب التعريف، بحيث يغدو أدب السجون الحداثي هو الأدب الجميل الذي يُكتب خلف القضبان، بغضّ النظر عن موضوعاته ومضامينه.
يواجه الأديب العربي قيودًا على حريته الإبداعية، حيث تعتبر الدولة صوت المثقف المعارض تهديدًا فتقمعه جسديًا وفكريًا، وتُصادر كتبه، وقد يتعرّض للاعتقال أو التعذيب أو النفي، مع فقدان العمل والحرمان الاجتماعي والديني، ولا تُستثنى المرأة من هذه الملاحقات.
وتضيف أن "أدب السجون"، يهتم بالمواطن المقموع، وعلى رأسهم السجين السياسي المثقف الساعي إلى التغيير. ورواية "شرق المتوسط"، لعبد الرحمن منيف تُعد من أوائل الروايات العربية في هذا النوع، وفتحت الطريق للكتّاب للتناول الجاد لأدب السجون.
بعد رواية منيف جاءت سلسلة من الروايات التي تناولت الاعتقال السياسي والقمع في الدول العربية دون ذكر أسماء أو مدن، لتبدو أحداثها مألوفة لكل قارئ عربي، إذ إن القمع يشكّل القاسم المشترك بين البلدان ويترك أثره في كل مكان من المدن والشوارع والبيوت وحتى داخلنا. وتشير المقدمة إلى ما ذكره أحمد المرزوقي في روايته "تزممارت: الزنزانة رقم 10"، إن المعنويات كانت قد بلغت أدنى مستوياتها، حتى غدت أقصى الأمنيات موتًا مفاجئًا يضع حدًا لمعاناة طويلة وبطيئة داخل السجن.
ويسرد المرزوقي في روايته تجربة قاسية امتدّت ثمانية عشر عامًا، واجه خلالها أشكالًا متعددة من القهر والحرمان، في عزلة تامة وظروف إنسانية شديدة القسوة.
وتُعدّ الرواية من أكثر نصوص أدب السجون إيلامًا، لما تكشفه من معاناة نفسية وجسدية، حيث عاش السجين في ظلام كامل، مع شحّ الطعام والماء، وانقطاعه شبه التام عن العالم، من دون أن يعلم أحد بمصيره.
افتتح بسّام الكعبي كتابه "جمر المحطات"، بمقدمة حول أدب السجون في فلسطين والعالم العربي وأوروبا وأميركا اللاتينية. وتناول تجربة الشاعر الجزائري البشير حاج علي في كتابه "التعسف"، حيث وثّق قمع السجون الجزائرية ونجح في تهريب نصّه بمساعدة زوجته، في تجربة تشبه رواية الكبسولة للأسير كميل أبو حنيش. واستعرض الكعبي أدب السجون الفلسطيني وروّاده، مبرزًا أهميته الثقافية والنضالية.
في كلمة المحرّر، يقول فراس حجّ محمد إن هذا الكتاب يندرج ضمن المشروع التواصلي للمؤلف مع أسرى يكتبون، بحيث يصعب فصل ما ورد فيه عن مؤلفاته السابقة المنبثقة من الموضوع نفسه. ومن هنا يتقاطع كتاب "احتمالات بيضاء"، مع ما كتبه الأخرى في هذا المشروع، وهي "الكتابة على ضوء شمعة"، الزيارة والمزور"، "زهرات في قلب الجحيم".
ويرى أن هذه الأعمال الأربعة وتشكل سلسلة متصلة، يتداخل بعضها في بعض ضمن علاقة كتابية وفكرية وفلسفية وغائية واحدة. ويضيف أن هذا المشروع، لم يُعلَن بوصفه "مشروعًا ناجزًا"، أو مكتملًا؛ إذ إن دينامية المؤلف وحماسته لم تفتر منذ خطوته الأولى وحتى الآن. ولذلك، فإن هذا الكتاب لن يكون الأخير في هذه السلسلة المهمة، بل ستتبعه أعمال أخرى، بعون الله.
يبيّن دليل معاني الألوان أن اللون الأبيض يحمل دلالات متعددة تختلف باختلاف الثقافات والسياقات. فهو يُعدّ رمزًا للنقاء والعذرية والبراءة، وهو ما يفسّر استخدامه في فساتين الزفاف وملابس الأطفال. كما يوحي بالنظافة والتعقيم، لذلك يُستخدم على نطاق واسع في المستشفيات والمرافق الصحية والمطابخ.
وفي المجال السياسي، يرمز الأبيض إلى السلام والسكينة والطمأنينة، وتُعدّ الحمامة البيضاء رمزًا عالميًا للسلام. وجماليًا، يدلّ اللون الأبيض على البساطة والوضوح، ويُستخدم في التصميم لإضفاء إحساس بالاتساع وإبراز العناصر الأخرى.
أما على صعيد العلاقة مع الذات، فيرتبط الأبيض بالبدايات الجديدة والأمل، ويستدعي صورة الصفحة البيضاء بما تحمله من فرص للتجديد والتغيير نحو الأفضل وبدايات مشرقة. كما يرمز في بعض الثقافات إلى الروحانية والطهارة. وباختصار، فإن اللون الأبيض لون غني بالدلالات، ويحمل في طيّاته معاني إيجابية كثيرة.
ويشير إلى أن الكاتب توقف في هذا الكتاب عند "اثنين وستين مؤلفًا"، توزّعت على النحو الآتي: كتب ألّفها الأسرى وشكّلت القسم الأكبر من الكتاب، وثلاثة كتب للأسيرات، وكتابان جماعيان، وكتابان نقديان، وكتاب بحثي واحد. وتجمع هذه المؤلفات جميعها شخصية الإنسان الفلسطيني الفاعل والكاتب. وإن كان كتاب الدكتورة لينا الشيخ حشمة يتناول أدب السجون العربي، فإنه كُتب بقلم فلسطيني، ما يجعل إدراجه ضمن هذا السياق مبرّرًا؛ إذ إن الحديث عن أدب السجون العربي في خطوطه العريضة يتقاطع مع روح هذا الكتاب وأفكاره، ومع الغايات التي يسعى إلى تحقيقها.