عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    18-Nov-2021

الإرادة السياسية في خطاب العرش* سائد كراجة

 الغد

شائع في نطاق الحديث عن الاصلاح السياسي او تحديث المنظومة السياسية، التساؤل حول توفر الارادة السياسية للاصلاح والتحديث، ولا أذيع سرا ان قلت ان التساؤل في هذا السياق يقع اغلبه في نطاق التشكيك بوجود تلك الارادة للاصلاح والتحديث، ولا تنقطع الاشارة ضمنا او صراحة إلى ان جميع “مبادرات ومشاريع” الاصلاح والتحديث تقع في نطاق المناورات لتأجيل تفعيل نموذج ديمقراطي نزيه، ويساق على ذلك ان جميع المبادرات منذ لجنة الميثاق الوطني، مرورا في لجنة الاجندة الوطنية، وليس انتهاء بلجنة الحوار الوطني، التي خرجت جميعا بتوصيات محددة، أهملت ولم تلق تطبيقا على الارض، ولهذا فإن التشكيك انطوى على مخرجات اللجنة الملكية التي شكلت مؤخرا، والتساؤل الضمني لماذا سيكون مصير مخرجات هذه اللجنة مختلفا؟!
من ناحية موضوعية، فإن تجارب العالم في الاصلاح والتحديث والانتقال السياسي المجتمعي هي تجارب بطبيعتها “مترددة” وسياقها تقدم وتراجع للوصول الى تراكم كمي معرفي سياسي اقتصادي انساني، يحمل الشعوب والدول، من مرحلة سياسية الى مرحلة “انتقالية” جديدة تتمخض عن هذه المسيرة، وقد ندلل على ذلك بالثورة الفرنسية التي تقف وراء تقدم العالم الديمقراطي والتنويري، فقد تراوحت بين اخذ ورد اكثر من خمسين سنة، للاستقرار على الثورة التي نحتفي بها جميعا، وهل نذكر ان قانون الانتخاب الانجليزي قد احتاج الى اربعمائة سنة للاستقرار على ما هو عليه؟! طبعا، لا نقترح هذا الزمن للوصول للتحديث عندنا، ولكن من الضروري الانتباه إلى أن خط سير التاريخ السياسي للاصلاح او التحديث الذي لا يعتمد الانقلابات، لابد ان يكون متراكما تدريجيا.
أما من ناحية عملية، فليس موضوعيا القول ان مبادرات الاصلاح في الأردن لم تتمخض عن اي نتائج، صحيح ان الانجازات كانت بعيدة عن طموحات وتوصيات تلك اللجان، ولكن تحققت مكتسبات دستورية حقيقية على الارض، فالمحكمة الدستورية من نتائج توصيات لجنة الميثاق الوطني ولجنة الحوار الوطني، والهيئة المستقلة للانتخاب من نتائج تعديلات لجنة الحوار الوطني، وان تعديلات الدستور لعام 2011 كانت تعديلات تقدمية في مجملها، واهم تعديل كان اضافة المادة 128 من الدستور التي تحظر اصدار قانون يتعارض مع حقوق وحريات الأردنيين المنصوص عليها في الدستور او يمس اساسياتها.
قناعتي ان الارادة الملكية للاصلاح والتحديث، كانت وما تزال ارادة متوافرة وحقيقية وناجزة التوجه والنوايا للاصلاح والتحديث، ولكن اعتقد ان مؤسسات الدولة، واغلب القوى السياسية والمستشارين لحقوا الآن برؤية الاصلاح كما ارادها جلالة الملك، وبدأت المؤسسات الامنية والسياسية ترى ان الاصلاح والتحديث والانتقال لنموذج ديمقراطي أردني صار مصلحة وطنية عليا لأمن البلد واستمرارها، ولهذا فإنني أعتقد أن توصيات اللجنة الملكية ستكون مختلفة، وسترى النور شريطة عدم اعاقة قيام فعل شعبي حزبي لحمل هذه التوصيات وتطبيقها على الارض.
في خطاب العرش امام مجلس الامة، جدد جلالة الملك ارادته ورؤيته للتحديث عن طريق الانتقال ببرنامج واضح للتحديث، وذلك ضمانا للاستقرار؛ فإن اي انتقال سياسي هو حالة “فوضى” وفراغ مؤقت بطبيعتها، الامر الذي يستوجب الانتباه الى الحفاظ على استقرار الدولة، مع ضمان الاصرار على التحديث باعتبار ذلك مكسبا للدولة وللشعب، كما اكد جلالة الملك ارادته بالذهاب الى برلمان المستقبل، حيث يكون فيه للشباب والمرأة الدور البارز، وفي ارادة الملك دعوة أرجو ان تنال من الدولة ومؤسساتها، ومن البرلمان والاحزاب والشعب الانتباه؛ الى ان التحديث السياسي والاقتصادي هو عملية تطوير ثقافي واجتماعي بالأساس، وان ثورة بيضاء تعليمية ثقافية هي اساس اي انجاز للتحديث السياسي والاقتصادي والاداري!
الإرادة السياسية للتحديث هي حالة جامعة من الدولة ومؤسساتها واجهزتها الامنية والسياسية والاستشارية والشعبية والحزبية بنسق واحد، حيث يقوم كل طرف بما عليه من عمل، لغايات تحقيق هذه الارادة، وتلك الرؤى الوطنية على الارض، وبهذا ينتهي السؤال النظري – عن توفر الارادة السياسية- الى فعل عملي ضمن سرد وطني واضح للجميع، يؤلف حالة من بناء وتمتين الجبهة الداخلية، عبورا الى مستقبل الأردن الذي نتبناه جميعا، فاهم علي جنابك؟!